مدوناتغير مصنف

خاشقجي الذي لا أحبه..

This post has already been read 10 times!

 

كنت أغطي مؤتمراً دولياً يحضره على هامش المؤتمر أجريت حواراً معه.. رجل رصين  هادئ، يحسب للكلمة قبل قولها ألف حساب، سألته عن أمور عالقة كانت السعودية طرفاً لاعباً فيها: حرب اليمن، سوريا، إيران، التدخل السعودي في العراق.

 

وعلى الطريقة الخاشقجية كل الأجوبة لونها رمادي، السعودية هي صمام الأمان لحل الأزمة السورية، كذلك قال، والتدخل السعودي في العراق أتي متأخراً، والآن تساند دولة شقيقة.

 

وأنا وهو نعلم تمام العلم أنها لا شقيقة ولا يحزنون، وأنَّ المملكة لم ترمق بغداد بنظرة طيلة خمسة عشر عاماً، هي عمر الغزو الأميركي الذي قضى على بلد قضاءً يهون أمامه مشهد الجثث تتناثر في ميادين القتال، وأنَّ تدخلها لم يكن إلا لتقويض الوجود الإيراني هناك.

 

أنهيتُ الحوارَ وأنا في أوج استيائي، لا لم أكن مستاءة فقط، أنهيت حواري غاضبة.

 

هذا الوقوف الحرج على شفا الحفرات، لا أحبه، أو بالأساس لا أفهمه، من يومها وأنا أتحفَّظ على الرجل، وتأخذني رعونة الشباب التي لا تسع في قلبي إلا نوعاً واحداً من الرفض والاعتراض. أنا أسمِّي الأشياء بأسمائها: «القتل، الخيانة، التخاذل»، ولا أقبل فيها توريةً ومجازاً.

بعد مقتل خاشقجي، لم يكن ببالي إلا سؤال واحد: لماذا قتلوه؟

كانت أول مرة أدخل فيها على حسابه الشخصي على إنستغرام لأرى الوجه الآخر للرجل الذي لم أحبه.

وجه الإنسان الذي يشبهني، الذي لم يكن من المفترض أن أغضب منه فقط لأننا مختلفون: وجه الأب، والجد، والزوج، والرجل الباسم بين آل بيته وصحبته.

 

 

كان لزاماً أن أتأمل في غمار الصدمة، وجه خاشقجي الآخر، وألا أُشهِر أصابع الاتهام في مكانها الخاطئ

 

 

قبل أيام كنت أسير قبالة الساحل مع ابنة إحدى صديقاتي، كنا نمر بجانب الخليج، وعلى امتداد البصر ثمة زهور ملقاة على الأرض، ثنت ركبتيها والتقطتها، وقد ترك الخريف آثاره عليها، وسألت: هل ماتت؟

-نعم ماتت.

ولماذا تموت الأزهار؟

حقيقة لم أُجبها لأنني لم أجد جواباً منطقياً لسؤال ساذج كهذا، فأنا لا أعرف لماذا تموت الأزهار.

ولماذا -مثلاً- تغادر الطيور أوطانها، لتكون طيوراً مهاجرة؟ أقصد  لماذا تهاجر؟

واستحضرت سؤالي في أيام الجريمة الأولى.. لماذا قتلوه؟

 

 

ليس شرطاً أن يُشبهني حتى نقف على أرض واحدة من العدل والرحمة، ونعرف جيداً إلى أي أخدود ننتمي

 

 

ثمة أسئلة لا جواب عنها يتسق مع المنطق والوجدان.

سيَحدث أن يقتل إنسان كهذا لأنه قرَّر أن يعترض، حتى لو كانت معارضة من تلك التي لا أُحبها.

وسيَحدث أن تلاحق الخيبات هؤلاء الذين لم يرفضوا الهزيمة، حتى لو لم يكونوا في عُرف الملحمة أبطالاً ولا فدائيين.

حتى لو كان جرمهم الأكبر أنهم رفضوا أن يبلعوا ألسنتهم تماماً مثلماً أراد السلاطين.

لأنهم تجرَّأوا على الانصياع في لحظة حالمة، ظنوا أنها تُصحِّح مسارَ التاريخ والإنسانية.

وعليه.. فقد فهمت الدرس، أن البطولة ليست في الزجِّ باسم من نعاديهم على اعتاب الفضائيات، ولا الصدح بخيانتهم على الملأ، كان لزاماً أن أتأمل في غمار الصدمة، وجه خاشقجي الآخر، وألا أُشهِر أصابع الاتهام في مكانها الخاطئ.

ليس شرطاً أن يُشبهني حتى نقف على أرض واحدة من العدل والرحمة، ونعرف جيداً إلى أي أخدود ننتمي.

ليس لزاماً أن يرضي عنفوان صباي الذي سيخفت قطعاً مع الأيام، وسأكون ربما بلا رأي أصلاً إذا صرتُ إلى ما صار إليه في ستينيات عمره.

صحيحٌ أن الوقت لم يسعني لأتعلم الدرس في حضرته، لكن غيابه لم يكن أقل أهمية من حضوره.

إلى خاشقجي الذي لم أكن أحبه.. شكراً.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.