مدونات

جدل النخبة والجماهير في الثورة التونسية

This post has already been read 1 times!

 

    

الحقيقة أنّ النظام التونسي منذ الاستقلال، وبنسختيه البورقيبية والنوفمبرية، لم يكن في يوم من الأيام محل رضى شعبي، بل كان مضطرا للتعايش – ولو على مضض- مع الكثير من ردود الفعل التي تفاوتت أحجامها ونتائجها بحسب الفاعلين، وبحسب السياقات الجارية. ومن هنا لا يمكن أن نفهم ثورة السابع عشر من ديسمبر إلا باعتبارها حلقة في السّلسلة، أو تتويجا لجملة التراكمات النضاليّة للشعب التونسي منذ 1956.

 

 

انطلاقا من اليوسفية التي لم تمهل النظام البورقيبي إلا قليلا، بدأ الرفض للخيارات والسياسات على امتداد أكثر من ستة عقود، لينتهي إلى الرابع عشر من جانفي 2011. ولعل ذلك العجز التاريخي يجد تفسيره في عدم نجاح النضالية التونسية في رسم نقطة التقاء تثويرية بين النخبة وجماهيرها. فالنخبة السياسية – باعتبار فئويتها وحزبيتها وضعف قاعدتها- عجزت تاريخيا عن طرح البرامج الجاذبة، والتصورات الملهمة، التي من شأنها أن تعبئ الجماهير، وتخرجها من “حيادها السلبي”، وتحسم الصراع.

 

 

 

 

كما أنها عجزت عن الاستثمار في سخطها وإحباطها بعد فجر “الدولة الوطنية” الخادع، وأن تكون رأس حربتها في المعارك الفاصلة. فالتضاد بين الجماهير والسلطة، لم يكن أقل خطورة من التضاد بين الجماهير وبين نخبتها. وقد كان ذلك التباعد بين القطبين، في كل مرة، مؤذنا باستدامة حالة اختلال التوازن لصالح السلطة المتغولة.

 

 

 

 

لقد كانت “ثورة الخبز”  1984 ردا على البورقيبية في صورتها الاقتصادية المرتهنة (الإصلاح الهيكلي)، وكانت انتفاضة الاسلاميين  1987 ردا على البورقيبية في صورتها السياسية المترهلة. ثم جاءت انتفاضة الإسلاميين الثانية سنة 1991 ردا على النوفمبرية في صورتها الأمنية المتعجرفة. وفي المناسبات الثلاثة، كان اﻹسفين يدق بين الجماهير التونسية ونخبتها.

 

 

مشاهد من ثورة الخبز 3 جانفي 1984

 

 

ففي حين بادرت الجماهير التونسية المسحوقة والمهمشة بإشعال فتيل ثورة الخبز سنة 1984 بسبب الترفيع الجنوني في أسعار الخبز، فقد جرت تلك الثورة في ظل غياب النخبة السياسية باختلاف ألوانها، وعجزها عن مجاراة نسق الأحداث المتسارعة.

 

وقد أجمعت أغلب القراءات في تلك المرحلة على أنّ تلك الأحداث “تعد مؤشرا مهما جدا على القطيعة الهائلة بين شريحة المثقفين الذين يمارسون القيادة”  والجماهير. وحين اضطرت الجماهير الثائرة سلطة بورقيبة للتراجع عن قراراتها، اندفعت لتهتف بحياته بعد ذلك، لتخرج السلطة القائمة من الأزمة أكثر تماسكا وأشد إمساكا بالدولة والمجتمع.

 

 

وحين اضطرت الجماهير الثائرة سلطة بورقيبة للتراجع عن قراراتها، اندفعت لتهتف بحياته بعد ذلك، لتخرج السلطة القائمة من الأزمة أكثر تماسكا وأشد إمساكا بالدولة والمجتمع.

 

 

أما سنة 1987 فقد حملت معها جذور التصادم بين الاتجاه الإسلامي وبورقيبة، وقد استمر ذلك التصادم عدة أشهر لتعقبه جملة من الملاحقات والمحاكمات، كانت الجماهير في هذه المرة في موقع المتفرج. وداخل تلك الأجواء المشحونة كان جزء من النظام يحسم في انقلاب على زعيمه الأوضاع السياسية لصالحه، وفي جوهر تلك الأحداث كان النسق السياسي السائد يستمر بوجوه جديدة ودماء جديدة. وقد حالت بنية النظام في نسخته الجديدة دون تحول جذري باتجاه الدولة الديمقراطية. فاستعادت بذلك السلطة النوفمبرية المبادرة واستمرت في الإمساك القهري بالدولة والمجتمع.

 

 

 

 

وحين ضجت الآفاق المفعمة بالإحباط، بادرت النخبة في  صورتها الاسلامية بإشعال أحداث91  حين استدرجتها السلطة لتصفية الحساب، وذلك في غياب تام للجماهير، التي آثرت التفرج من بعيد، ترقبا لمآل تلك اﻷحداث الدامية. وفي كل تلك الردهات ــ ثورة الخبز 84أو صراع اﻹسلاميين مع بورقيبة 87، أو صراع الاسلاميين مع بن علي 91ـــ كان التونسيون- جماهير ونخبة – يفشلون في اقتلاع جذور الدكتاتورية، بل ويعجزون حتى عن انتزاع الحد اﻷدنى من المكاسب التي تتناسب مع تلك التضحيات الجسام. وفي المقابل من كل ذلك، كانت السلطة تخرج في الحالات الثلاثة أكثر صلابة وأكثر إصرارا على الإمساك بزمام المبادرة.

 

 

وفي كل تلك الردهات، كان التونسيون- جماهير ونخبة – يفشلون في اقتلاع جذور الدكتاتورية، بل ويعجزون حتى عن انتزاع الحد اﻷدنى من المكاسب التي تتناسب مع تلك التضحيات الجسام.

 

 

ولم تكن ثورة 14من جانفي إلا ردّا على ذلك الفشل المتكرر. حيث مثلت في ردها الميداني صورة لالتقاء نوعي بين النخبة والجماهير. جماهير لم تتوان عن أخذ المبادرة، ونخبة كانت قادرة على التقاط اللحظة، وتوجيهها نحو المطالب التاريخية الحاسمة، الكرامة والحرية والعدل الاجتماعي والمواطنة الكاملة.

 

 

 

 

وحين لم تستطع السلطة التونسية طوال تاريخها أن تؤمن تلك الاستحقاقات، فقد أصبح المطلب اقتلاع النظام نفسه. فكان الشعار الذي اخترق الحدود باتجاه مساحات عربيّة أخرى : “الشعب يريد إسقاط النظام” عنوانا على غياب منطقة وسطى يمكن أن يغنم منها النظام البائد، أو يمكن أن يناور على أساس منها حتى يستعيد المبادرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.