ثقافةغير مصنف

ملكة ألبانيا السابقة جيرالدين: زهرة تيرانا التي غيّر الملك أحمد زوغو مصيرها 

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

حياة  أهل القصور تلهب خيال البعض ولكن لا احد يدرك أنه خلف الحرير الذي يرفل فيه هؤلاء  ثمة الكثير من الأوجاع المكبوتة وثمة مصائر تراجيدية لحياة البعض منهم.

 

ورغم أن المرأة كانت دوما حلقة أساسية في تاريخ الأمم والشعوب إلا أن حضورها في السلطة في أغلب الأحيان كان خلف الرجل حتى وإن كان دورها كبيرا من خلف الستار.

ولكن حكايات النساء في القصور كانت ملهمة دوما وكانت مجال شغف بالنسبة إلى الكثيرين الذين تستهويهم العودة إلى صفحات التاريخ وإنتقاء منها بعض النماذج النسائية .

وفي هذا الإطار تستوقفنا شخصية الملكة جيرالدين آبوني إحدى أيقونات التاج الألباني التي لم يكن مصيرها يختلف كثيرا عن الجميلات اللواتي ساقهن القدر إلى حياة القصور حيث كانت رحلة السعادة والعذاب.

 

وقد ولدت يوم 6 أوت عام 1915 ببودابست وهي سليلة أسرة من أعرق العائلات المجرية وجذورها من النبلاء  الذين تعود أصولهم إلى القرن التاسع فوالدها هو  الكونت غيولا آبوني أما والدتها فهي تنحدر من المجتمع الراقي الأمريكي وأسلافها من المهاجرين من إبرلندا إلى العالم الجديد.

 

 

 

وتحمل جيرالدين لقب الكونتيسة بالنظر إلى جذورها الأرستقراطية لكن هذا لن يشفع لها ولن يقيها من لعنة السياسة التي ستطاردها.

 

 

 

 

وكان سقوط الإمبراطوية النمساوية المجرية عام 1918  إثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى أولى النذر السلبية التي لاحقت في أفق أسرة الكونتيسة الصغيرة التي غادرت بلدها مع عائلتها وكان منفاهم سويسريا حيث إستقروا لدى جدتها لأمها التي تقيم هناك.

 

 

 

 

 

 

ثم عادت إلى القصر العائلي عام 1930 وكان إنخراطها في التعليم لافتا فقد كانت تلميذة نجيبة ومجتهدة كما يروى عنها فقد إنغمست في الكتب وأبحرت في عوالمها وأنهت دراستها الجامعية بتفوق في جامعة فيانا.

 

 

 

 

وكان المنعرج الثاني في حياتها اللقاء التاريخي الذي جمعاها بأحمد زوغو ملك  ألبانيا  التي كانت تابعة للتاج العثماني على إمتداد 500 سنة قبل أن تستقل  يوم 28 نوفمبر عام 1912 على إثر مؤتمر لندن الذي أنهى  حرب البلقان التي إنطلقت في نفس السنة على إثر الانتفاضة الألبانية التي إندلعت ما بين 1908 و1910.

 

 

 

 

كان كيوبيد حاضرا في لقاء الجميلة المثقفة الكونتيسة بالملك الذي طالبت عزوبته فهو يحكم منذ عشر سنوات ولازال وحيدا يبحث عمن ستحمل لقب الملكة وخاصة لقب أم ولي العهد.

كان الحب من أول نظرة متبادلا لاسيما وأن الكونتيسة جيرالدين كانت تمتلك كل المواصفات التي تجعلها ملكة مثالية.

وكان الزواج الذي تم يوم 27 أفريل عام 1938  قد إقتصر مراسم مدنية  وسريعة بإعتبار أن الزوج والزوجة من ديانتين مختلفتين فهو مسلم وهي كاثوليكية. وكان من المتعذر إقامة مراسم دينية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وهكذا غير ملك بلاد النسور مصير الكونتسية الصغيرة الجميلة تماما كما يحدث في روايات القرن الثامن عشر لتحاك قصة من أهم قصص تاريخ الملكيات في العالم.

 

 

 

 

 

 

 

 

وكان الحدث السعيد هو إنجابها لولي العهد الامير ليكا الذي رأت عيناه النور يوم 5 أفريل عام 1939 ولم تدم السعادة سوى يومين فقط ففي السابع من افريل من نفس السنة كان التحول التراجيدي الأكبر وذلك عندما غزت إيطاليا الفاشية ألبانيا مستغلة حالة الضعف العام والكساد الذي عم البلاد وإعتماد الملك احمد زوغو على دعم موسليني وهو ما جعله يفرط في سيادة بلاده تدريجيا حتى كان الإحتلال الذي جعل أبانيا محمية إيطاليا.

 

 

 

 

 

 

 

 

وكالعادة في مثل هذه الوقائع علمنا التاريخ أن بعض  الملوك في زمن الأزمات يفرون من أوطانهم فوجدت عائلة زوغو نفسها بلا وطن وكان مصيرها المنافي.

وعانت الملكة التي لم تكتمل فرحتها بولادة إبنها البكر أو ولي العهد ليكا كما لم  يستتب لها الأمير كثيرا كملكة وهي التي لم تقض سوى سنة في قصر تيرانا.

 

 

 

 

توالت المنافي بدءا باليونان ثم تركيا ورومانيا وبولونيا والنرويج والمملكة المتحدة قبل أن تختار العائلة المالكة وجهتها  بلدا عربيا هو مصر في زمن الملك فاروق الذي إحتضن هذه الأسرة .

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ويشاء القدر أن يغير مصير هذه الأسرة مع صعود جمال عبد الناصر عام 1952 إلى الحكم ومغادرة فاروق للسلطة والبلاد والذي كان مصيره مشابها لمصير الملك أحمد زوغو.

وكانت وجهة العائلة الأسرة الملكية الألبانية فرنسا هذه المرة حيث إستقرت هناك.

 

 

وعبثت رياح السياسة بألبانيا التي سيطر عليها الفاشيون واعتبروها جزءا تاريخيا من الإمبراطورية الرومانية.

ولف النسيان الملكة جيرالدين وعائلتها التي باتت من الماضي طواها التاريخ . وتوالت الحقبات التاريخية على بلد النسور أو وطن النسور كما يسمى هذا البلد .

فإلى جانب وقوعها تحت سيطرة الحكم الإيطالي ألغيت الملكية رسميا عام 1946 ووصل الشيوعيون إلى الحكم ومن أهم القرارات التي صدرت في هذا المجال منع الأسرة المالكة من العودة إلى ألبانيا التي أصبحت جمهورية وإرتأى حكامها الجدد أن لا مكان لأسلافهم في الحكم على أرضها.

ويشاء القدر أن يتغير القانون في صيف عام 2002 ليتمكن الأمير ليكا ووالدته الملكة جيرالدين وباقي أفراد الأسرة من العودة بعد غربة ومنافي كثيرة إلى وطنهم. بعد أن منحوا هذا الحق الذي حرموا منه لعقود بعد تغير النظام السياسي في البلاد.

 

 

 

 

وكانت المشيئة أن تعود الملكة جيرالدين إلى وطنها  لتحضنها و لترقد نومتها الأخيرة فيه وكأن هذه أمنيتها الأخيرة. فلم يمر على عودتها سوى أشهر لترحل عن الدنيا في خريف عام 2002.

 

 

وفي عام 2013 تم إنشاء مؤسسة الملكة جيرالدين من قبل خطيبة  حفيدها الأمير ليكا  وفاء لروحها وتقوم هذه المؤسسة بأعمال خيرية لفائدة الفقيرة والأطفال المحرومين وتجديد المدارس.

وتعود صورة وسيرة الملكة جيرالدين أو زهرة تيرانا  للأذهان هذه السنة مع مرور ثمانين عاما على ذكرى زواجها  من الملك أحمد زوغو الأول الذي غيّر مصيرها تماما كما غيّر مصير بلده.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.