منوعاتغير مصنف

الداي حسين.. آخر الحكام العثمانيين في الجزائر

This post has already been read 62 times!

 

في العاشر من شهر جويلية سنة 1830  عند غروب الشمس بخطوات متثاقلة كان حسان بن حسين يودع  قصر الحمراء باتجاه سفينة جاك دارك  التي رست على ميناء الجزائر متبوعا  بأفراد من عائلته و وزرائه و بعض من حريمه ، فيما كان الخدم منشغلا بحمل ما تبقى من الخزائن و الهدايا و الاشياء الثمينة، كان الفراق محزنا ومؤلما  على  حسان بن حسين آخر الدايات الذين حكموا الجزائر ، مستسلما و متنازلا عن مفاتيح  المدينة في ليلة سقوط إيالة  الجزائر  في الخامس جويلية1830.

 

 

ولد حسان بن حسين في مدينة آزمير التركية سنة 1773 من والدين مسلمين و نشأ في بيئة إسلامية محافظة ، كانت  آزمير مدينة منفتحة،  متعددة الأعراق و الديانات و الأجناس ، ترك هذا التنوع لمسة خاصة  في تكوينه الشخصي و الديني فكان متسامحا، تلقى تعليمه الديني في مسقط رأسه  ثم رحل الى مدينة القسطنطينية ، كانت طموحاته كباقي الشباب التركي  الالتحاق بالمدرسة الحربية، درس و تعلم الفنون العسكرية، بعدها قرر التنقل إلى مدينة  الجزائر،  بعض المصادر تروي أنه تعرض إلى عملية اختطاف على أيدي بحارة سواحل نابولي  و تم اطلاق سراحه بعد مفاوضات بين القراصنة  الايطاليين ومصطفى باشا  حاكم إيالة الجزائر،  بعدها  باشر تدريبات مع العناصر الانكشارية في أكبر ثكنة عسكرية  بدار الانكشارية الواقعة عند مدخل القصبة السفلى باب عزون، يعمل الفوج الانكشاري على تأمين الموانئ وحماية الطرقات من العصابات وجمع الضرائب.

 

استقامة والتزام   ورجاحة عقل الشاب حسين جعلت مصطفى باشا   ينتبه إلى نشاطه، بعدها   يقربه من  الدوائر  الحاكمة، لكن فعليا  يعود الفضل في ارتقائه سلم المسؤولية إلى عمر باشا، أين تم تعينه  كخوجة الخيل بالمصطلح العصري وزير الداخلية ثم عضو في ديوان القصر،  عرف عن الشاب حسين استقامته  الدينية و التزامه بحدود الله فاستطاع أن يربط علاقات حسنة وطيبة مع الأهالي والأعيان من الجزائريين وهي ميزة امتلكها على غرار  باقي العناصر الانكشارية.

 

في ربيع  الثاني من سنة  1818 بوصية من علي خوجة  يتولى حسان بن حسين راية حاكم إيالة الجزائر  بعد وفاة علي خوجة بوباء الطاعون.

 

 

 

 

 

شهدت مرحلة بداية حكمه توترات و ثورات داخلية و هجمات وضغوطا خارجية، كان الاغتيال السياسي و التصفيات الجسدية لحكام إيالة على يد الانكشاريين بالأمر المتداول والمنتشر  فبعد مقتل عمر باشا على يد الانكشاريين استطاع خليفته علي خوجة   بسط نفوذه  على الميلشيات التركية  بربط و  إقامة تحالفات مع الكراغلة و الزواوة  وتمكن من  تقويض جزء من قوتهم، لكن ارتدادات ذلك الصراع كانت لا تزال تسيطر على الوضع العام داخل دوائر الحكم.

 

أدرك الداي حسين ضرورة  إعادة ترتيب البيت العثماني الذي لم يشهد مرحلة الاستقرار إلا في عهد محمد بن عثمان.

كانت الاوضاع الداخلية تعرف موجة من التمرد و العصيان، حيث عرفت المناطق الغربية من الجزائر حركات احتجاجية و عصيانية  على يد الطريقة الدرقاوية  و الزاوية التيجانية  في الجنوب الغربي بعين الماضي  أما في الوسط و بسبب ارتفاع الضرائب  كان الوضع  صعب التحكم  بين القصر و قبائل أث جناد و أث عمراوة و عرش  أث أقنون و غيرهم. إضافة الى الكوارث الطبيعية كالزلزال الذي مس مدينة البليدة 1825 وراح ضحيته 7000 قتيل وانتشار وباء الطاعون بين 1820 /1822 وموجة الجوع التي شملت أغلب مناطق الوطن.

 

الضغوط و الهجمات  الخارجية جعلت مرحلة حكم الداي حسين من أصعب الفترات  فملك المغرب  كانت له أطماع في الاستلاء على منطقة تلمسان و وهران  عبر تحريك الولاءات الصوفية و المذهبية   و زيادة عن الضغوط الأوربية –الامريكية  على الداي حسين قصد امضائه على  الاتفاقيات الجديدة المتعلقة بالتجارة البحرية و  منع القرصنة و تعليق و حضر تجارة العبيد و الاسترقاق و لكونها تخالف نصوص الشريعة الإسلامية  كان الداي حسين يرفض امضاء اتفاقية فيينا 1814.  وفي 1827 مواجهة بحرية مع الثلاثي الفرنسي – البريطاني – الروسي تأتي على تحطيم الاسطول البحري.

 

في تلك الاوضاع الراهنة الصعبة  بادر الداي حسين  في اخذ المبادرة عبر خطوات عملية  تعيد الاستقرار و تحقيق الطمأنينة إلى الاهالي  والتخفيف من الضغط الخارجي.

 

 

 

 

داخليا  تم تعيين الحاج أحمد داي في الشرق الجزائري  وتعويض الحاج احمد المملوك، وكان أحمد داي  من الكراغلة ويحظى بدعم العائلات الاقطاعية الكبرى في الجهة الشرقية، وتعين   يحي آغا الذي كان يمتلك شعبية والقبول في الأواسط الاجتماعية عبر حسن إدارته لمخلفات زلازل مدينة البليدة و إقامته أبراج عسكرية على السواحل البحرية   واستطاع هذا الاخير  إعادة رسم علاقات جيدة وطيبة مع عشائر منطقة الوسط  وتخفيف حدة الصراعات بين  القبائل مع القصر، لكن بوشاية من صهر الداي حسين المدعو  ابراهيم باشا  تم مقتل يحي آغا و تعيين هذا الاخير ابراهيم باشا كوزير الدفاع بلغة العصر.

 

دبلوماسيا، حاول الداي حسين ربط علاقات خارجية مع كل من بريطانيا وهولندا و أمريكا وفرنسا والدول المتوسطية عبر اتفاقيات بحرية تحقق التوازن المالي والتجاري لكل الأطراف.

 

 

بعد حادثة المروحة و تابعتها السياسية والعسكرية  والتي تحتاج إلى مقال مفصل، في الرابع من شهر جويلية 1830 تخطو  الاقدام  الفرنسية بقيادة الجنرال دو برمون  الأراضي الجزائرية من مدخل سيدي فرج و يضطر الداي حسين إلى إعلان الاستسلام والتفاوض ليبدأ تاريخ جديد على الجزائر ورحلة جديدة من المنفى والمهجر للداي حسين، من مدينة ليفورن الايطالية يمر عبر باريس و يستقر في مدينة الإسكندرية ليرحب به محمد علي  باشا.

 

المفارقة التاريخية أن العثمانيين كانوا  وراء تمويل حملة نابليون على مصر بالقمح و كانت السبب في تصعيد العلاقة بين إيالة الجزائر وفرنسا. وتوفي حسين بن حسان  بمدينة الإسكندرية عند خروجه من المسجد سنة 30 أكتوبر 1883 تاركا ثلاث 3 بنات.

 

كان الداي حسين قصير القامة طويل الهمة أمضى فترات حكمه في تفكيك الصراعات الداخلية ومواجهة التحديات والاطماع الخارجية وكان يطمح في تجسيد مشروع محمد علي باشا  حاكم مصر عبر عصرنة الجيش والادارة والتخطيط لكن العوامل الداخلية و الخارجية لم تترك له فرصة في تحقيق أفكاره وأحلامه.

الوسوم

عمار لشموت

مدون ومهتم ومتابع للشأن الثقافي والسياسي

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الداي حسين.. آخر الحكام العثمانيين في الجزائر”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.