اختيار المحررينثقافة

من أرض السلام  إلى أولاد العم: كيف قاربت السينما العربية القضية الفلسطينية؟

 

 

كان حضور فلسطين  محتشما في السينما العربية في بدايات القرن العشرين، عندما كان صناع الفن السابع يصوغون اولى تجاربهم في هذا المجال. وكان الحديث عنها عرضيا باعتبارها مكانا جميلا يتوق بعض ابطال الافلام الاولى لزيارته لا غير وكانت ترتبط ببلاد الشام ككل.

 

ولم تقع الإشارة الى وعد بلفور مثلا او الى بدايات المعاناة الفلسطينية، ويفسر هذا الامر بان جل البلدان كانت تعاني من الاستعمار في تلك الفترة.

 

كما ان بدايات السينما العربية لم يكن فيه مكان للفيلم السياسي، وهو ما يفسر عدم الاهتمام بموضوع فلسطين.

 

كان  ذلك قبل عام 1948 الذي شكل حدثا صادما في نفوس العرب والمسلمين حفر عميقا في أنفسهم واثر كثيرا في منجزهم الفني والفكري والتي كانت السينما إحدى ابرز تعبيراته وتجلياته في تلك المرحلة.

 

ومنذ النكبة اصبح التعاطي مع فلسطين مختلفا فبات حضورها اكبر بكثير مما كانت عليه.

 

فتاة من فلسطين باكورة الأفلام

استفاق العرب على النكبة وعلى حقيقة  دامغة وهي ان هناك كيان خطير زرع في قلب أمتهم وعلى ارض من اقدس الاماكن لديهم وايقنوا ان هناك شعب عربي يهجر بالقوة لبناء دولة المحتل فكان من الطبيعي ان يتفاعلوا بأشكال مختلفة مع ما حدث.

ولأن السينما هي مرآة الواقع فقد كان لزاما ان يهتم  صناعها  بما يحدث فلسطين وكان الفيلم الأول الذي دشن مرحلة جديدة وهو “فتاة من فلسطين” انتج عام 1949 ومن بطولة عزيزة امير واخراج محمود ذو الفقار وقد حاول الفيلم ملامسة قضية الفدائيين الذين رفضوا الاحتلال وفضلوا عليهم الموت وتمسكوا بأرضهم  حتى اخر نفس من حياتهم. كما يقدم الفيلم ايضا نموذج الطيار المصري الذي خاض ما عرف بحرب فلسطين ودافع ببسالة عن الارض.لكن هذا الفيلم كان خاضعا لمنطق تجاري فجاء مبالغا فيه ويحمل الكثير من الثغرات.

 

 

وكانت حرب فلسطين وصفقة الاسلحة الفاسدة التي ادت الى هزيمة العرب واعلان الكيان الصهيوني دولته والتي وسمت بالنكبة موضوع بعض الافلام التي انتجت في بداية الخمسينات  على غرار ارض الابطال لنيازي مصطفي والله معنا الذي كتب قصته الاديب احسان عبد القدوس وقدم عام 1955 وقد قارب موضوع الاسلحة الفاسدة والتواطؤ بجرأة. وقام ببطولته كل من فاتن حمامة وماجدة وعماد حمدي ومحمود المليجي.

 

 

هكذا  ولجت كاميرا السينما ارض السلام لأول مرة

عرفت السينما العربية نقلة مهمة في التعاطي مع القضية الفلسطينية عندما ولجت الكاميرا الاراضي المحتلة لاول مرة. حدث ذلك من خلال اول فيلم صور هناك ووسم ب”ارض السلام”واخرجه كمال الشيخ عام 1957، وتدور احداثه داخل قرية فلسطينية حيث يختفي فيها فدائي مصري وتساعده فتاة فلسطينية لتنشأ بينهما قصة حب، وهناك يتم تصوير معارك الفدائيين وصراعهم مع المحتل الغاصب.

ورغم نجاح الفيلم وأهميته في تلك الفترة إلا أنه لم يخرج عن الصورة النمطية لفلسطين وكان مثقلا بالسذاجة العاطفية.

 

 

من السذاجة العاطفية  للأفلام الاولى الى السينما الجادة

كانت نكسة جوان 1967 رجة حقيقية  فكت أواصر العلاقة بين المثقفين والنظام الرسمي في مصر ودمرت احلام النخبة التي استفاقت من سباتها وسذاجتها العاطفية وسيبرز هذا بشكل جلي في المنجز الابداعي الذي شكلت السينما ابرز محامله.

وبدا واضحا ان المضامين السينمائية قد نضجت كثيرا في تعاطيها مع القضية المركزية للعرب كما تجلى ايضا فقدان الثقة في الحكام العرب وقدرتهم على الفعل في هذا الموضوع.

 

 

هنا سنلحظ افلام مغايرة بعد ان تغير هم المبدعين في هذا المجال ومن ابرز رموز السينما الجديدة خيري بشارة وعلي عبد الخالق وداود عبد السيد وغالب شعث وهم الذين قدموا رؤية عميقة وحقيقية عن الكفاح الفلسطيني.

ومن ابرز الافلام التي ميزت هذه الموجة نذكر فيلم “ظلال على الجانب الآخر” لغالب شعث والذي قدم شخصية الطالب الفلسطيني في القاهرة وعلاقاته بأصدقائه الذين يرون ما يحدث في فلسطين من زوايا نظر مختلفة ومن خلالها يسلط الضوء على مرارة الواقع وحدة الهزيمة التي لم تكن عسكرية فحسب بل كانت شاملة وقدم هذا الفيلم عام 1973.

وواصل شعث مقاربته الجادة للوضع الفلسطيني من خلال افلام وثق عبرها لتفاصيل الكفاح داخل الاراضي المحتلة ومختلف الرؤى التي قاربته. فقدم ” المفتاح ” عام 1975 والارض في السنة الموالية وهو وثائقي صور داخل  فلسطين التاريخية.

وتعد تجربة غالب شعث الذي يسمى بفارس المجهضة احدى ابرز واهم التجارب السينمائية التي قاربت القضية الفلسطينية رغم ان  هذا المخرج والمؤلف الفلسطيني مقيم في مصر الا انه كان ملتصقا بالواقع الفلسطيني.

وعاد غالب شعث ليقدم فيلما بعنوان المهر والعروس في بداية الثمانينات بعد ان اجهضت كل الاحلام.

 

سلام السادات والنأي عن القضية الفلسطينية سينمائيا

كما عرفت القضية الفلسطينية منعرجا خطيرا بعد الانتصار العسكري الذي حققته مصر على إسرائيل عام 1973 وتداعياته التي كان من ابرزها قيام انور السادات الرئيس المصري بصلح منفرد مع اسرائيل في مع عرف باتفاقية كامب دافيد برعاية امريكية.

 

 

وكما عمل السادات على تصفية القضية الفلسطينية نأى صناع السينما عنها خاصة بعد ان برزت موجة افلام المقاولات الرديئة التي تخلت عن القضايا الجادة وكانت نتاجا طبيعيا للانفتاح الاقتصادي الذي قام به السادات او ما عرف بانفتاح ” سداح مداح ” الذي تغيب فيه كل الضوابط.

ورغم ان فلسطين توارت من السينما العربية الا ان هذا لا يحجب عنا بعض التجارب المهمة في هذه الفترة التي اخلصت للفن الجاد ولم تبتعد عنه رغم المناخ العام الذي لا يشجع على ذلك وهنا نستحضر تجربة المخرج عاطف الطيب الذي قدم “كتيبة الاعدام” التي تذكر بالقضية الام وخاصة فيلم ناجي العلي  الذي انتج عام 1992 والذي قام ببطولته الفنان نور الشريف وفيه قدم شخصية ثقافية نضالية هي رسام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي الذي اغتيل على يد الموساد في صيف عام 1987 ولكن ليس هذا فحسب فقوة الفيلم تكمن في كونه وثق لتاريخ فلسطين منذ الانتداب البريطاني واعلان الدولة الصهيونية وتشريد الاهالي وتهجيرهم.

وقد أثار الفيلم ضجة كبرى في مصر ومنع من العرض وقتها.

 

 

 

 

سينما الالفية الجديدة والصورة النمطية للقضية الفلسطينية

اختفت القدس والقضية الفلسطينية عموما من السينما العربية الجادة وتم الاشتغال على تنميط صورة الفلسطيني واستدرار العواطف الساذجة عبر الافلام الاستخباراتية  والبوليسية على غرار مهمة في تل ابيب و 48 ساعة في اسرائيل لنادية الجندي.

 

 

ومن هذه النوعية نذكر فيلم “اولاد العم” لكريم عبد العزيز ومنى زكي وشريف منير وهو يعلي من قيمة الضابط المصري القادر على اختراق اسرائيل المحصنة لكن هذا الفيلم  ظل وفيا للقوالب والنمطية التي عرفت بها هذه النوعية من الافلام وفيه كثير من الثغرات وحتى الأخطاء.

كما حاول بعض الشباب في بداية التسعينات تقديم سينما بعيدة عن الانماط التجارية وحاولوا تطعيمها ببعض القيم الوطنية لدغدغة مشاعر الجماهير ولم يجدوا افضل من رمزية فلسطين في الاذهان فقاموا بتوظيفها ومن هذه الافلام  مثل فيلم اصحاب والا بيزنس لمصطفي قمر وهاني سلامة وافلام محمد هنيدي همام في امستردام ثم صعيدي في الجامعة الامريكية التي احتوت على مشاهد من عينة حرق العلم الاسرائيلي وهي قائمة على المباشراتية ومفتقرة الى العمق والوعي بالقضية.

 

باب الشمس الاستثناء الملحمي

فيلم “باب الشمس” هو واحد من اهم الافلام العربية عموما والأفلام التي قاربت القضية الفلسطينية خصوصا فهو ملحمة  ترصد تاريخ القضية الفلسطينية وجدلية الرحيل والعودة التي يعيشها الفلسطيني من خلال قصة حب لبطل مقاوم يغادر القرية في حين تظل زوجته متمسكة بالبقاء.

 

 

ويظل هو يحاول في كل مرة وعلى امتداد ما يربو على عقدين من الزمن التسلل من لبنان الى القرية ليلتقي بزوجته في مغارة باب الشمس وتنجب منه طفلا وهي حكاية مثقلة بالرموز وقد كتب قصتها الروائي اللبناني الياس الخوري واخرجها المصري يسري نصر الله.

وفي هذا الفيلم الملحمي رؤية عقلانية للقضية الفلسطينية وانسنة الفلسطيني فهو ليس مجرد صورة نمطية  تتجلى في القتل والتفجير او حرق الاعلام وقد لاقى هذا الفيلم نجاحا كاسحا اينما عرض سواء في اوروبا او العالم العربي.

 

 

 

 

 

 كما ان هناك افلاما اخرى في السياق ذاته حاولت الخروج عن النمطية على غرار يد إلهية الذي رصد معاناة الفلسطينيين على الحواجز ونقاط التفتيش الإسرائيلية من خلال لقاء بين شاب وفتاة وقد انتج عام 2001 وأخرجه الفلسطيني ايليا سليمان.

 

 

من الافلام التي لم تخرج عن الصورة النمطية رغم انها بعيون فلسطينية فيلم “الجنة الآن” للمخرج الفلسطيني هاني ابو اسعد الذي انتج عام 2005  رصد تجربة 48 ساعة في حياة  رجلين من فلسطين  حاولا تفجير نفسيهما في اسرائيل.

ويطرح الفيلم قضية العمليات الاستشهادية كأداة للمقاومة, ولاقى الفيلم انتقادا كبيرا واتهم مخرجه اتهامات كثيرة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.