مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

بين الفساتين وفتاوي الشيوخ.. حراس الفضيلة الدمية المصرية السحرية

أحمد خليل- القاهرة- مجلة ميم

 

مصر بلد شائك طوال الوقت يثار من فستان عاري لفنانة، أو فتوى شاذة من نوعها يطلقها أزهري بعمامة أو بدون، لكنها هادئة تماما في القضايا التي تمس حقوق مواطنيها، وهو ما يروق دائما للنظام القابض على الجمر  في القاهرة، أو بالأحرى هي سياسة الفقاقيع التي يتبعها دائما.

 

في الأيام القليلة الماضية، سيطرت أزمة الفستان المكشوف لرانيا يوسف في ختام مهرجان القاهرة السينمائي على أحاديث النخبة والمواطنين العاديين، فلا تخلو صفحة من صور لفستانها الجرئ أو فضائية تحلل التفسخ الأخلاقي في المجتمع، مصحوبا بأحاديث من أشخاص نسميهم “حراس الفضيلة” و”شرطة الأخلاق”، هؤلاء الذين يتشدقون بقيم ومبادئ وثوابت المجتمع ويستخدمون القانون لخدمة مصالحهم.

رانيا وجدت نفسها في مرمى النيران من نقابتها الداعمة للفن والحريات، فأصدرت نقابة المهن التمثيلية بيانا قالت فيه إن المظهر الذى بدت عليه بعض ضيفات المهرجان لا يتوافق مع تقاليد المجتمع وقيمه وطبائعه الأخلاقية، الأمر الذى أساء لدور المهرجان والنقابة المسئولة عن سلوك أعضائها.

 

 

 

 

 

محامي البلاغات على الخط

هنا البيان لا يمثل النقيب أشرف ذكي وحده، فهو صوت السلطة الذي سمح بتأجيج المعركة والنفخ في أبواقها لتعلو الأصوات، وتستجيب الأقلام الساخنة والشرطة الأخلاقية التي توعدت بجذبها إلى ساحة المحاكم بتهمة نشر الفجور، ليطل علينا المحامي سمير صبري من جديد، الذي اعتاد تقديم البلاغات ضد المشاهير في السنوات الأخيرة.

وكانت جريدة النيويورك تايمز نشرت تقريرا عن صبري الذي لا يكل ولا يمل من ملاحقة تصريحات المشاهير وسلوكهم، ويفخر بأنه قدم ما يقرب من 2700 دعوى قضائية ضد فنانين وإعلاميين وسياسيين ومشاهير، بل حتى أنه طالب بعقاب الدمية أبلة فاهيتا بتهم جنائية مثل التحريض على الفجور.

وصبري، المحامي البالغ من العمر 67 عاما، هو أحد أكثر المحامين تأثيرا في بلد يسمح فيه القانون لأي مواطن بتوجيه التهم ضد آخرين بسبب جرائم غامضة مثل الفجور و إهانة الأمة. وعلى الرغم من أنه يقع على عاتق النائب العام للحكومة أن يقرر ما إذا كان ينبغي متابعة مثل هذه القضايا، وأن العديد منها يتم رفضها على أنها تافهة، فإن مثل تلك القضايا لا تسمح بحرية التعبير، وسبق أن تعرضت للفنون وطالت السياسة الوطنية أيضا.

ويعرف عن صبري أن دعمه للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لا حدود له تقريبا، فولد كلا الرجلين في حي الجمالية، حيث كان والد السيسي تاجرا. وعندما صعد السيسي إلى السلطة في عام 2013، قال صبري إنه دعاه لتناول مشروب في نادي هيليوبلس وقدم له المشورة.

وبحسب التقرير، استمر صبري في مهاجمة أعداء السيسي، ورفع المئات من القضايا ضد زعماء جماعة الإخوان المسلمين، وسعى دون جدوى إلى تجريد 113 مواطنا من مواطنتهم من بينهم زعيم المعارضة محمد البرادعي ووائل غنيم الذي يعمل في جوجل ولعب دورا بارزا في احتجاجات الربيع العربي عام 2011.

ولا يفوت صبري الفرصة للظهور في أزمات أخلاقية لتنصيب نفسه حارسا للفضيلة، سواء كان ذلك بدوافع ذاتية أو تعليمات أمنية، لذا كان حاضرا بقوة في واقعة فستان رانيا يوسف.

اللافت أن صبري وبقية الكتيبة لا تتحرك إلا في الفراغ فكلما هدأت السياسة واشتدت القبضة الأمنية وخلت الساحة من أي نقاشات يتدخل الرجل لإحداث الفقاعة والتأجيج في أزمات ستنتهي في أقرب وقت بهدف الاستمرار في نشوة الحدث.

 

 

أذرع النظام الدينية.. شيخ الأزهر وتواضرس 

تتماشى هذه الحالة مع المدينة الفاضلة التي يحلم بها السيسي، حيث السينما النظيفة والدراما الهادفة ومراكز الشباب التي تعج بشبان يسيرون على نهج النجم المتوهج محمد صلاح في مسيرة كرة القدم، أو أقوياء مفتولي العضلات، والشباب الجامعي ممشوق القوام غير المترهل، فهو يتبنى ذلك باستمرار من أجل احتواء الجميع في العباءة الواحدة.

غير أن العباءة الأخلاقية لا تتزين برجال الدين الذين يستعين بهم أي نظام لتدعيم موقفه، فبجانب شرطة الأخلاق التي يحركها النظام من خلال المحامين المعادين للحريات في المجتمع، تطلق الحكومة شيوخها وقساوسها في الأزهر والكنيسة لحث الناس على دعم الحاكم والصبر على البلاء، وأحيانا تتدخل لإنقاذه كما تحدث البابا تواضروس الثاني عن فترة الرئاسة.

ولم يمانع البابا في حديث تلفزيوني قبل أيام إمكانية تعديل فترة الرئاسة الثانية لتصل إلى 6 سنوات بدلا من 4 فقط، قائلا: “لو كانت الحاجة تطلب تعديل الدستور فمن الممكن التعديل فالدستور من وضع بشر”.

ويسعى البرلمان المصري لتمرير التعديلات في العام الجديد من أجل الإبقاء على السيسي أكبر مدة في الحكم، سواء كان ذلك بتعديل الفترة الرئاسية الثانية أو بفتح المدد الرئاسية، وهو ما يستلزم جهودا كبيرة من أجهزة الدولة، وفي مقدمتها أجهزة الإعلام والبرلمان ورجال الدين.

واعتاد البابا تواضروس الوقوقف في صف الحكومة دائما منذ أن شارك في بيان 3 يوليو الذي أطاح بالرئيس الإسلامي محمد مرسي من الحكم في صيف 2013، لذا يعتبر نفسه أحد رموز هذا المشهد و لايجوز خرقه بانتقاد الحكومة في التقصير الأمني الملحوظ تجاه حماية الكنائس وحماية الأديرة والرحلات الدينية بعد الحوادث الدامية التي طالت المسيحيين في السنوات الأخيرة.

أما على مستوى الأزهر، فالشيوخ هم الدمية التي يحركها النظام باستمرار، فلا تمضى فترة حتى يخرج علينا أحدهم بفتوى جديدة مثيرة للجدل تشغل حيزا من تفكير العامة وتزيد من قوقعتهم في أزماتهم، مثلما فعل الداعية خالد الجندي بتصريحاته المثيرة عن عدم وجود حياة جنسية في الجنة واختفاء الأعضاء التناسلية، ليتفاعل أبناء المؤسسة معه في حلقات وتصريحات حول أهمية الموضوع والدفع بفرضية وجوده.

 

 

مدينة السيسي الفاضلة

خارج هذه الحدود، تبدو مصر بصورة متناقضة بين دولة ترفع راية الأخلاق وتفرض أجهزتها الرقابة على الملبس وتحارب المثلية الجنسية فيما تغيب هذه الملامح عن المعاملة داخل السجون التي يعاني فيها الكثيرون من مظالم بسبب الانتهاكات وسوء المعاملة والاستغلال الاقتصادي، وهو ما وثقته تقارير حقوقية ميدانية في الأشهر الأخيرة.

فالسجن دار إصلاح وتأهيل، وفقا لتعريفه في الدستور المصري، أما على أرض الواقع فهو دار للاستغلال وإفقار نزلائه بمختلف جرائمهم، فلا توفر لهم هيئة السجون المصرية الحد الأدني من المعيشة من خلال توفير الغذاء الصحي، ليتحول إطعامهم المقرر قانونا بيزنس يدر أرباحا خيالية على وزارة الداخلية.

وبحسب الشهادات التي جمعتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقريرها “البيع في الكانتين” يعاني كثيرون من الطعام الرديء الذي تقدمه مصلحة السجون في الوجبات الثلاث، وهو ما يدفع النزلاء باللجوء إلى الكانتين، الذي تتراوح أسعار الفطار فيه 40 جنيها لوجبة الإفطار، و60 جنيها لوجبة الغداء، ما يعني أن النزيل يحتاج على الأقل 100 جنيه يوميا من أجل الطعام بدون تدخين أو مرطبات في الأيام الحارة.

وأدانت هيومن رايتس ووتش في تقارير سابقة لها ضباط وعناصر الشرطة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعذبون المعتقلين السياسيين بشكل روتيني بأساليب تشمل الضرب، الصعق بالكهرباء، وضعيات مجهدة، وأحيانا الاغتصاب.

ويوثق أحد التقارير كيف تستخدم قوات الأمن، ولا سيما عناصر وضباط الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية، التعذيب لإرغام المشتبه بهم على الاعتراف أو الإفصاح عن معلومات، أو لمعاقبتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.