مدونات

تجربة تونس الديمقراطية بين دستورين

دعوات للعودة الى النظام الرئاسي

This post has already been read 12 times!

 

 

بعد نحو ثماني سنوات على ثورة شعبها الذي أطلق شرارة الربيع العربي وبعد نحو خمس سنوات على إصدار دستورها الجديد الأكثر ديمقراطية في الوطن العربي، لا تزال تونس تعيش مرحلة إنتقال ديمقراطي صعبة في ظل تأخر الحلول الإقتصادية والإجتماعية لأزمة متفاقمة داخليا بالتزامن مع تهديدات إرهابية لإستقرار البلاد وأمنها.

 

تونس التي تمكّنت من الصمود في وجه رياح الثورة المضادّة وأجنداتها المتداخلة مازالت تجربتها الناشئة مهدّدة، في ظلّ تواصل أجندات المتربصين بها، وكذا في ظلّ إنقسام داخلي بين رؤيتين تتشبث الأولى بالدخول إلى الزمن الديمقراطي والإلتحاق بركب الحضارة، فيما تتمسك الثانية بمعالم نظام دكتاتوري قامت ضدّه الثورة وبأبرز عناوينه الإستئصالية.

 

الدعوات الإستئاصلية متواصلة

قطعت الثورة التونسية مع نظام الشخص الواحد والحزب الواحد وأعادت لمختلف مكونات المجتمع حق التنظم والتعبير عن أنفسهم في أشكال مدنية أو حزبية مختلفة يشاركون من خلالها في خدمة الشأن العام وفي التعبير عن آراءهم وطرح برامجهم وتصوراتهم. وكرّس الدستور الجديد للبلاد التعددية السياسية بعد عقود من موت السياسة.

رغم كلّ ما تضمّنه الدستور من بنود تكرس الديمقراطية والحرية والتعددية السياسية، مازالت الأصوات والخطابات الإستئصالية ترتفع من حين الى آخر في المشهد، مطالبة بإسقاط شرعية الصناديق التي يختار عبرها التونسيون ممثليهم في مختلف السلط، في محاولات يائسة لعزل طرف سياسي بعينه بعد العجز عن منافسته إنتخابيا.

في سنة 2013، شهدت تونس أزمة عاصفة بعد إغتيالين سياسيين غادرين ومحاولات لإستنساخ نمودج الإنقلاب العسكري الذي شهدته مصر على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد. غير أن نخب البلاد إختارت الحوار والتوافق بديلا عن التنافي والإقصاء، لتتمكن بذلك التجربة من الصمود عكس مثيلاتها في الوطن العربي.

بعد أكثر من خمس سنوات على ما شهدته البلاد في صائفة سنة 2013 عادت نفس العناوين والخطابات الإستئصالية، بل لعلها أكثر عنفا في نهاية سنة 2018 قبل سنة واحدة من إنتخابات نهاية سنة 2019 المقبلة، في محاولة متجدّدة من بعض الأطراف للحيلولة دون الوصول الى اختبار الصناديق أو إقصاء طرف بعينه بأشكال مختلفة، ليس أقلها شيطنته وتشويهه قبل الوصول الى ذلك الإستحقاق.

 

 

دعوات للعودة الى النظام الرئاسي

ما يهدّد التجربة التونسية والمكتسبات التي حققها التونسيون بعد ثورتهم ليس فقط تأخر الحلول لأزمة إقتصادية وإجتماعية متفاقمة، في ظل سطوة بعض القضايا الهامشية على النقاش العام، ولا هو عودة الخطابات الإستئصالية بنفس عناوين سنوات الدكتاتورية فحسب، بل والدعوات المتكرّرة للعودة إلى النظام الرئاسي.

في السنوات الثلاث الماضية، تكرّرت الدعوات الصادرة على وجه الخصوص عن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي للعودة إلى النظام الرئاسي ولإجراء تعديل دستوري تؤكّد أطراف أخرى أنه سيكون بابا لتحويرات متتالية تمس من علوية الدستور الجديد للبلاد.

في الفترة الأخيرة، عاشت تونس على وقع أزمة سياسية خانقة بسبب صراع رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحزبه نداء تونس الذي حسمه مؤخرا مجلس نواب الشعب. غير أن الصراع قد تحول الى صراع بين رأسي السلطة التنفيذيّة، وتؤكّد كل المؤشرات أن عواقبه كانت لتكون ربما كارثية على البلاد وتجربتها، لولا النظام السياسي المختلط الذي تم إعتماده في الدستور الجديد للبلاد.

 

 

بين دستورين

بشكل واضح تسير التجربة التونسية بين دستورين، الأول هو دستور الثورة الذي يكرس الديمقراطية وتقسيم السلطات والتداول السلمي على السلطة. أمّا الثاني فهو دستور من تركة ثقيلة لعقود من الفساد والإستبداد يستحضرها كثيرون عاجزون عن الفوز بصناديق الإقتراع، أو أن الإصطفاف الإيديولوجي قد حوّلهم بشكل من الأشكال إلى مشاريع طغاة.

بين الدستورين المتناقضين تحتاج تونس على وجه السرعة إلى تكريس حالة اللبرالية السياسية التي تعيشها في السنوات الأخيرة، بمضامين إجتماعيّة تمكّنها من تحصين المقاومة الإجتماعية ضدّ كل الأجندات ومحاولات الإختراق التي تهدف إلى إستثمار الإحتجاجات الإجتماعية للإنقلاب على الثورة ودستورها ومكاسبها.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.