ثقافة

بعد أربعين عاما على استشراق إدوارد سعيد (1978-2018): مالذي تغيّر؟

 

 

لم يكن كتاب “الاستشراق لـ “إدوارد سعيد، مجرد عمل فكريّ، بل وضع جملة من الكليشهات، وظفتها الدول الاستعمارية لفرض هيمنتها على الآخر.

وعكس طابعه النقدي أهمية الكتاب وجماهيرية لم يفكر صاحبه في مداها حتى اليوم، حيث لاقى ردود أفعال عديدة من قبل مفكري جيله ومن سبقه إعجابا وانتقادا.

 

 

كما أحدث تغييرات كبيرة لنظرتهم إلى مسألة الاستشراق، باعتبار أن العمل كان قابلا للتأويل كل وفق منطلقاته، إلاّ أنّ سعيد أكّد على أن العمل يتمحور حول 3 أفكار رئيسية وهي انقسام العالم بين مشرق ومغرب وهو انقسام تاريخي أطلق عليه اسم “الجغرافيا التخييليّة”.

إلى جانب ارتباط هوية الشرق بالإسلام مع نهاية القرن التاسع وهو ما جعل الكتابة عن الشرقيين في أوروبا هجومية وعنيفة.

كما تناول الكتاب محاولة استكشاف الشرق مع غزو نابليون بونابارت لمصر عام 1798، حيث أصبح منهجا علميا للدراسة بعيدا عن الصور المتخيلة والأحكام المسبقة.

وبين عصر ما قبل “الاستشراق” وما بعده، تحتفي تونس بأربعين عامًا على صدور  كتاب المفكّر الفلسطينيّ إدوارد سعيد، من خلال الملتقى الدوليّ “استشراق إدوارد سعيد بعد أربعين سنة (1978-2018)”، يتنظيم من مكتب التعاون الأكاديميّ لمؤسّسة روزا لكسمبورغ ، وبالتعاون مع مخبر بحث التنوير والحداثة (جامعة المنار) ومخبر الثقافات والتكنولوجيات والمقاربات الفلسفيّة -فيلاب (جامعة تونس).

 

 

وتشارك على مدى الأيام الثلاثة مجموعة من الباحثين التونسيّين والعرب والأجانب بمداخلات تنطلق من كتاب “الاستشراق”، وأعمال أخرى لإدوارد سعيد ما يزال تأثيرها مستمرًّا، لتتفاعل معها نقديًّا وتتناول، عبر ما طرحته من مسائل ومقاربات، مواضيع تتراوح بين رؤية المستشرقين لصدر التاريخ الإسلاميّ وصولاً إلى بروز تنظيم “الدولة الإسلاميّة” ومرورًا بالثورات العربيّة، ولشخصيّة سعيد نفسه بما تمثّله من قيم وقضايا تبنّاها على امتداد مسيرته الحافلة.

وبين صالح مصباح، مدير مخبر التنوير والحداثة لمجلة ميم أنه “ليس غريبا أن ينتظم في تونس ملتقى حول إدوارد سعيد، فرغم عدم زيارته لها، يدين منهجيا بأشياء كثيرة ولدت في هذه البلاد، منها الكاتب آلبير ميمي، وميشال فوكو”.


وتابع “كان سعيد معارضا لاتفاقية أوسلو ونحن ننظر إليه في فلسطينيته وانفتاحه، وهو بذلك ينتمي إلى أكثر من واجهة”.

وأضاف أنّ “الاستشراق عنوان لكتاب إدوارد سعيد ولكنه أيضا عنوان المبحث الذي حاول سعيد أن ينظّر له”.


وأكد أن ملتقى ” الاستشراق بعد 40 سنة”،  يدفع للتساؤل حول نظرتنا اليوم لكتاب إدوارد سعيد، وطبيعة المجال الذي يخجل أصحابه من أن يلقبوا اليوم بالمستشرقين حتى أنهم يمارسون ذلك بطريقة أخرى، وهو ما يعرف بـ”ما بعد الاستشراق”.


وبيّن أن “مرور 40 سنة هي تعلة ولكننا “قفزنا” من أجل تصبح هذه التعلة وسيلة للتفكير”.

وأكد أنّ الملتقى يجمع اختصاصات مختلفة احتذاء بمنهج سعيد الفكري، حيث يجمع باحثين منحدرين من ثقافات وتخصّصات علميّة متنوّعة، تتراوح بين الأدب والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع.

من جانبه أكد مصطفى التليلي أستاذ التاريخ بكلية 9 أفريل، أنّ الكتاب نشر عام 1978، وكان له وقع على مستوى العالم، لأن ما قيل حول الشرق ينطبق على كل الحضارات غير الغربية، ولهذا السبب فتح المجال لإعادة نظر في مقاربات جديدة، في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية والنقد الأدبي.

وتابع في حديث مع ميم “منذ 40 سنة شهد العالم تحولات كبيرة منها سقوط برلين، انهيار المعسكر الاشتراكي وبداية التهليل لانتصار الليبرالية في المطلق وتحدث البعض عن نهاية التاريخ “فوكو ياما”.

وبين أنه سرعان ما شهد العالم تحولات أخرى، مع بروز خطر يهدد أوروبا، وظهور قوى جديدة لم تكن النظرة الليبرالية التي تصورت أنها ظافرة في بداية الألفية الثانية وصاحبة موقع أن توجد مرة أخرى فإذ بها تعود اليوم، على غرار روسيا التي عادت بثوب جديد ليقرأ لها ألف حساب على مستوى السياسة الدولية أو الصين التي أصبحت قوة اقتصادية رهيبة في طور الصعود”.

وأضاف “، لى المفكرين أن يواكبوا هذه التحديات من أجل توظيف جرأة التمشي الذي اختاره سعيد في إعادة النظر في المسلمات والصور النمطية لفسح المجال لمساءلة ما يعتبر حقائق ثابتة من خلال وسائل جديدة تساعد الباحثين على الجرأة أكثر أمام  الواقع ومتابعته والبحث عن إجابات لتطوير الفكر البشري”.

 

 

يرى التليلي أنه على الصعيد العالمي ترجمت العديد من المحاولات البحثية من خلال مجهود فكري في المجالات الجامعية والأكاديمية  للتعمق في دراسات الاستشراق، لكن المشكل الكبير يكمن في عالمنا العربي، الذي ظل يراوح وكأن أفكار إدوارد سعيد لم تسلّح الأكاديميين بالجرأة في التعامل مع الواقع.

وقال “إدوارد سعيد عولم المفكرين العرب وافتك موقعه على الصعيد الدولي لكن المشكل هو أن العالم الأكاديمي العربي عاجز عن مواكبة هذه الموجة”.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.