اختيار المحررينثقافة

عندما تنحاز السينما إلى الذاكرة الوطنية: فيلم تونسي يخلّد ملحمة الدغباجي

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

 

من أهم التيمات التي تبدو قليلة ومحتشمة سواء في الدراما او السينما في تونس ولا يلتفت إليها المسألة التاريخية. إذ من الملاحظ أن صناع الإبداع الفني في مجال التمثيل بالذات لم ينكبوا كما يجب على الإهتمام بالوقائع التاريخية المهمة التي عاشتها تونس في التاريخ  القديم والحديث والمعاصر.

 

كما أهمل هؤلاء أيضا العناية بالرموز الثقافية أو ما يمكن وسمه بالشخصيات الإعتبارية المهمة التي كان لها شأن في صنع الأمجاد التاريخية.

والحقيقة أن علاقة النخبة التونسية في مجملها بتاريخها يعد نقطة إستفهام كبرى على إعتبار أن بعض المؤرخين تم إتهامهم بالإنحياز والتعامل بإنتقائية في النظر إلى الوقائع والشخصيات خاصة في مجال تاريخ الحركة الوطنية لاسيما وأن أغلبهم كتبوا التاريخ تحت رقابة الفاعل السياسي.

 

ولعل هذا التقديم ضروري لتنزيل الحدث الذي نهتم به منزلته التي يستحق.

فقد أفادت بعض المصادر الإعلامية مؤخرا أن هناك فيلما بصدد الإنجاز يتناول سيرة الدغباجي وهو إنتاج تونسي إيطالي مشترك سيكون الجنوب مكان التصوير فيه.

وهو يتنزل في إطار إحياء رموز الذاكرة الوطنية وتحديدا أولئك الذين أهملهم التاريخ الرسمي وفي مقدمتهم الدغباجي الذي إختار صناع الفيلم أن يشتغلوا على التوثيق لشخصيته وما حف بها من وقائع تتقاطع مع تاريخ تونس وهو الذي كان شخصية ملحمية بكل المعاني.

 

 

 

وقد قام بكتابة هذا العمل الذي يوثق للذاكرة الوطنية نبيل ميهوب ويقوم بإخراجه محمد علي ميهوب.

ومن أهم المعطيات الأولية  الواردة حتى اليوم عن هذا الفيلم نذكر إعتماد المخرج على عديد الوجوه الشابة خاصة من أبناء الجنوب وهو المنطقة التي ينحدر منها الدغباجي مع العلم أن معدل أعمار أبطال الفيلم يتراوح بين العشرين والثلاثين سنة.

هذا مع الإشارة إلى أنه لم يتم بعد الإختيار النهائي لأبطال الفيلم. والذي ينتظر أن يتم تصويره على إمتداد 12 أسبوعا في الجنوب التونسي ومدة عرض الفيلم قدرت بشكل أولي بحوالي ساعتين وربع.

ومن المنتظر أن يكون هذا العمل ملحميا وضخما وسيتم الإهتمام خاصة بالأزياء المميزة لتلك المرحلة التاريخية التي عاشها الدغباجي تماما مثل تصوير المعارك والذي يتطلب مؤثرات خاصة تتسق مع كل هذه التفاصيل خاصة ونحن نعلم طبيعة المرحلة التاريخية التي عرفت أحداث كبرى ومفصلية.

ونظرا للطبيعة التاريخية والتوثيقية إلى جانب البعد الروائي لهذا الفيلم فقد إعتمد كاتب السيناريو والمخرج على بعض المراجع المهمة التي وردت فيها سيرة الدغباجي وبالتحديد كتاب محمد المرزوقي حول هذه الشخصية. بالإضافة إلى عديد الوثائق التاريخية على غرار أرشيف  الجيش الفرنسي بوزارة الخارجية الفرنسية.

 

 

وتعد سيرة الدغباجي من الملاحم الشعبية التي تم تداولها جيلا بعد آخر ودونها الشعر الشعبي في قصيدة  كتبها الشاعر علي الحمروني بعنوان “المشهور الدغباجي” وفيها وصف الذين تتبعوا أثر هذا المقاوم الكبير الذي وسمه بصاحب ” العركة المرّة”.

ولكن من هو هذا المشهور الدغباجي الذي ظل إسمه خالدا في الذاكرة الجماعية الشعبية على إمتداد عقود ؟؟؟

إنه محمد بن صالح  الزغباني الخريجي وكنيته الدغباجي ولد عام 1885 بقرية وادي الزيتون التابعة لمدينة الحامة التابعة لمحافظة قابس الحالية والواقعة بالجنوب التونسي.

 

وتم تجنيد الدغباجي عام 1907 حيث قضى 3 سنوات من التجنيد القسري من قبل السلطات الإستعمارية ثم عاد إلى مسقط رأسه ثم عاد مرة أخرى للإلتحاق بالجندية وذلك حتى 1913.

ولم يطق هذا المناضل صبرا على هذه الوضعية وشعر بالمهانة وهو يقاتل تحت راية المستعمر الفرنسي ففر وإختار أن يقاتل المستعمر الفرنسي حينا والإيطالي حينا آخر.

وقد آمن الدغباجي بالنضال المشترك بين البلدان الإسلامية وقد كان بمثابة الأسطورة حيا وميتا وقد قبع في الوجدان الجمعي منذ بداية إلتحاقه بالنضال ضد المستعمر حتى اليوم.

وقد فجر الإحساس بالظلم والحيف رغبته في قتال المستعمر الغاشم وقد كانت الإنطلاقة من الفرار من معسكر الذهيبة بتطاوين إبان الحرب العالمية الأولى والتحق بصفوف المقاومة حيث كان يهاجم الحصون الفرنسية الواقعة على الحدود من الأراضي الليبية  وعرف ببسالته وشجاعته التي لا نظير لها وخاصة حسن رمايته حتى بات بطلا تروى عنه الحكايات وذلك إبتداء من عام 1918.

 

 

وقام الدغباجي بتكوين مجموعة من الفدائين عادت إلى تونس متخفية لتذيق الويلات للمستعمر الذي بلغه هذا الخبر فقرر الإنتقام بشكل بشع من أهالي قرية الدغباجي وأذاقوهم  شتى أنواع العذاب فسجنوا الرجال وجمعوا النساء في محتشد وقام بردم منابع الماء. وكان الهدف هو محاصرة المقاومين وفي مقدمتهم الدغباجي الذي كان المطلوب رقم واحد لفرنسا التي عمدت إلى إيجاد فخاخ ومكائد للإيقاع بهذا البطل وقد تفطن إلى ذلك وعبر في رسالة عن تمسكه بالنضال بروح وحدوية عالية تشمل المغرب العربي الكبير من مصراتة إلى فاس.

وتوالت بطولات الدغباجي والمقاومين الذين كانوا معه ووجهت ضربات موجعة إلى السلطات الإستعمارية الغاشمة. وذلك في معارك كثيرة تذكرها كتب التاريخ بالتفصيل.

 

 

وفي يوم 27 أفريل عام 1921 تمت إقامة محاكمة الدغباجي ورفاقة غيابيا وصدر حكم بالإعدام في شأنهم وهم الذين إلتحقوا بالتراب الليبي. وقد تكفل السلطات الإيطالية الإستعمارية في ليبيا تسليم هؤلاء الثوار الشجعان ذوي البطولات إلى سلطة المستعمر الفرنسي .

وفي يوم 1 مارس 1924 كان يوما مشهودا في تاريخ تونس حيث إقتادت السلطات الفرنسية الدغباجي إلى ساحة السوق في وسط بلدته وأعدمته .

وقد أظهر البطل الملحمي شجاعة كبرى وهو يواجه الموت رافضا أت توضع عصابة على عينيه وتوجه بالقول لزوجة والده متحديا : ” لا تخشي علي يا أمي فإني لا أخاف رصاص الأعداء ولا أجزع من الموت في سبيل عزة وطني ” وكانت كلمات ” الله أكبر ولله الحمد ” آخر ما نطق به الشهيد البطل حينما كان صوت زغاريد زوجة الأب يواجه لعلة رصاص المستعمر والتي أظهرت هي الأخرى شجاعتها وإفتخارها به.

ولعل هذا ما جعل سيرة الدغباجي تخلد في الوجدان والأذهان ويتم تداولها بشكل شفوي في السير والملاحم الشعبية والأغاني والأشعار البدوية التي جعلته رمزا من رموز الكفاح في سبيل التحرر.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.