مجتمع

لماذا ينتحر الأطفال؟ ومالذي يدفعهم إلى العنف؟

 

اليأس والتفكك الأسري وغياب دور الشباب وترويج المخدرات في الفضاءات العامة من قبل العصابات العابرة للحدود وتدهور الوضع المادي للأسر التونسية والخوف من الفشل المدرسي وغياب الاحاطة النفسية والاجتماعية وتراجع دور المؤسسات التربوية التي أصبحت تقتصر على التعليم دون التربية، أسباب دفعت الطفل إلى تغيير سلوكه وتصرفاته التي أصبحت تتسم بالعنف والانحراف  وأحيانا تنتهي بالبعض  إلى وضع حد لحياتهم في غفلة من الأولياء والمحيطين بهم.

 

 

ظاهرتان متلازمتان تفشيتا في تونس وخاصة في صفوف الأطفال، مما جعل الكثير من الجمعيات والمؤسسات الحكومية التي لها علاقة مباشرة بهؤلاء الأطفال يطلقون صيحة فزع بضرورة الاشتغال على هاتين الظاهرتين للحد منهما.

حالات ومحاولات الانتحار لدى الأطفال

 

 

ولرصد تطور حوادث الانتحار من عدمها، أنجز المنتدى الاقتصادي والاجتماعي العديد من  الدراسات الميدانية حول  الظاهرة ليتوصل إلى جملة من الإحصائيات والمعطيات.

وفي هذا السياق أكدت نجلاء عرفة المنسقة العامة للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي أنه تم رصد 51 حالة انتحار سنة 2016 في صفوف الأطفال الذين لم يتجاوزوا  15 سنة من بينهم طفل و23 طفلة، في حين تم تسجيل 44 حالة انتحار سنة 2017، لتتطور الظاهرة منذ بداية السنة الحالية إلى حدود شهر نوفمبربشكا لافت، حيث تم تسجيل 53 حالة من بينهم 23 طفل و30 طفلة.

 

نجلا عرفة: منسقة عامة بالمنتدى الاقتصادي والاجتماعي

 

 

وقالت نجلاء عرفة في تصريح لمجلة ميم إن الإناث اللواتي لم تتجاوز أعمارهن 15 سنة هن الأكثر تنفيذا لعمليات الإنتحار مقارنة بالذكور ما بين سنتي 2017 و2018، مفسرة ذلك بغياب المسالك الترفيهية المخصصة للفتيات وتعرضهن لضغوطات كبيرة داخل الأسرة وداخل المؤسسات التربوية .

 

تم رصد 46 حالة ومحاولة انتحار من بينهم 36 ذكرا و10 إناث ومنهم أربعة أطفال (دون 15 سنة) و9 ضحايا ما بين 16 و25 سنة أي أن بينهم يافعين .

وتمثل الفئة العمرية ما بين  26 و 35 سنة الأكثر انتحارا في مختلف الجهات وذلك بنسبة 50 بالمئة.

إحصائيات المنتدى الاقتصادي والاجتماعي خلال شهر نوفمبر 2018

 

العنف لدى الأطفال

وعن ظاهرة العنف في صفوف القصر ، تقول نجلاء عرفة خلال مشاركتها في الندوة العلمية التي انتظمت اليوم 6 ديسمبر 2018 حول “ظواهر الانحراف والإنتحار لدى الأطفال والشباب بتونس التشخيص والأسباب والحلول”، أن العنف ظاهرة تنخر  القصر في تونس حيث رصد المنتدى أن العنف الفردي ( البراكاجات والسرقة والعنف الجنسي والعنف الانفعالي) يعتبر من بين أكثر الأشكال التي تم تسجيلها في صفوف الأطفال الأقل من 15 سنة.

 

ندوة علمية“ظواهر الانحراف والإنتحار لدى الأطفال والشباب بتونس التشخيص والأسباب والحلول”

 

 

وتحدثت نجلاء عرفة  عن العنف الاجتماعي في صفوف القصر (لم يتجاوز سنهم 18 سنة)  والذي يبرز خاصة في الملاعب حيث تم تسجيل سنة 2016 حوالي 48 حالة عنف جماعي  يكون مصدره إما وحدات الأمن أو الأطفال، في حين تم تسجيل 103 حالة عنف جماعي سنة 2017 وفق قولها.

 

تأنيث العنف

ولا يقتصر العنف على الذكور فقط فالإناث أيضا لهن نصيب من ذلك، حيث أصبحنا نتحدث في تونس على ظاهرة تأنيث العنف، وأصبحت الفتاة مصدر مباشرا للعنف، وفي هذا الإطار لاحظت المنسقة العامة بالمنتدى الاقتصادي والاجتماعي أن الفتاة أصبحت تقوم بعمليات سرقة و”براكاج” وفي بعض الأحيان ارتكاب محاولات قتل وعلى سبيل الذكر الحادثة التي ارتكبتها إحدى الفتيات التي قامت بطعن سائق سيارة تاكسي.

 

تأنيث الإنتحار والعنف في تونس: أكثر نسب الانتحار والعنف في صفوف الفتيات

 

لماذا ينتحر الأطفال ومالذي يدفعهم للتفكير في وضع حد لحياتهم؟

وتطرق المختص في علم الإجتماع  وأستاذ علم الاجتماع  ورئيس المنتدى الاقتصادي والاجتماعي سابقا، الدكتور عبد الستار السحباني إلى مجموعة من النقاط المهمة المتعلقة بدراسة ظاهرة الانتحار لدى الأطفال، حيث بين أن الفرق بين الطفل والكهل وبين الطفل والشاب في عملية الانتحار هو أن الشاب يمكن أن ينفذ محاولة انتحار وكذلك نفس الشيء بالنسبة للكهل في حين أن الطفل يمر مباشرة إلى الإنتحار.

 

الدكتور عبد الستار السحباني: المختص في علم الّإجتماع  وأستاذ علم الاجتماع بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

 

وأضاف لميم أن: “أكثر حالات الإنتحار التي يقوم بها الطفل هي الإنتحار شنقا،  مشيرا إلى أن إقدام الأطفال على وضع حد لحياتهم لا يأخذ بعد مسرحي حيث لا يتم في الفضاءات العامة وإنما يختار مكان منزويا بعيدا عن أعين الآخرين.

وأرجع السحباني عدم تفطن الأبوين لانتحار ابنهما إلى عدم معرفتهما بالأسباب المباشرة  بسبب عدم خضوعهما لتكوين وتدريب حول سلوك الأبناء والتغيرات النفسية التي تطرأ عليه، بما يعني  أن الطفل عندما يمر بوضع نفسي صعب للغاية ويصبح مرتبكا الأولياء لا يلاحظون ذلك.

ونبه المختص في علم  الاجتماع إلى ضرورة أن يقوم المختصون بتوعية الأولياء في المؤسسات التربوية وعبر وسائل الإعلام حتى يتفطنوا للتغيرات التي تطرأ على تصرفات أبنائهم.

وإجابة  عن سؤال “لماذا ينتحر الأطفال ومالذي يدفعهم للتفكير في وضع حد لحياتهم؟”يقول المختص في علم الإجتماع  الدكتور عبد الستار السحباني في حوار مع “ميم” إن تفكير الأطفال في الانتحار واقدامهم على هذه الخطوة الخطيرة يعود إلى عدة أسباب من بينها تأثير الألعاب الإلكترونية مثل لعبة “الحوت الأزرق” التي أودت بحياة عشرات القصر في عدة دول كتونس والجزائر ومصر.

 

 

هناك علاقة بين الفعل الانتحاري وبين المؤسسة التربوية التي كانت تلعب  دورا تربويا تعليميا  إلا أنها أضحت اليوم مؤسسة تعليمية لا غير بعد أن تخلت عن الجانب التربوي. 

 المختص في علم الاجتماع: عبد الستار السحابني

زمن الإنتحار؟!

وبين السحباني أن الدراسات التي قام بها المنتدى الاقتصادي والاجتماعي أثبتت أن حالات الانتحار في صفوف التلاميذ  لا تتم في فترات العطل المدرسية وإنما خلال السنة الدراسية وتحديدا في فترات الإمتحانات.

واعتبر  محدثنا أنه لم يتم خلال السنة الدراسية الفارطة 2016-2017 تسجيل حالات انتحار بسبب دخول الأساتذة في موجة من الاحتجاجات وحجب الأعداد مما ساهم في تراجع نسب الانتحار في صفوف التلاميذ.

كما نبه  المختص في علم الاجتماع إلى ضرورة تطويق المدارس التي تشهد حوادث متكررة لعمليات الانتحار بسبب تأثر التلاميذ بها وانتشار عدوى الانتحار فيما بينهم، وهذا “التطويق لا يتم إلا بتأطير الإطار التربوي والأولياء والتلاميذ بدرجة أولى بهدف إخراجهم من مصيدة الانتحار” بحسبه.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.