دين وحياة

الصّداقة في المجتمع الأندلسي.. إبن حزم وابن عبد البرّ نموذجًا

قيل لبُزُرْجَمِهر: مَن أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال ما أحِبّ أخي إلا إذا كان لي صديقا، وقال أبو عبد الله ابنُ عُرفة في شِعر له:

 

هُمـومُ رجـالٍ في أمـور كَثيرةٍ … وهَمِّي لمن الدِّنيا صديق مُساعِــدُ

يكون كرُوحٍ بين جِسْمين فُرِّقَا … فَجِسْمـاهما جِسْمان والرُّوح واحِد

 

 

الصداقة لو تتبعناها في معاجم اللغة العربية، لوجدنا قطب رحاها يدور على المحبة والمُخاللة والصِّدق في العلاقة، وهي إحدى أجمل العلاقات الإنسانية التي تنشأ بين الأقارب والأباعد، فقد يكون الوالد صديقًا لأبنائه وبناته، ويكون الزوج صديقًا لزوجته، ويكون الأخُ صديقًا لأخيه والجارُ صديقًا لجاره والعامل صديقًا لزميله.

كما يكون المعتنق لدِينٍ ما صديقًا لمن يختلف معه في الدِّين، والصداقات تنشأ بين أولاد الأسرة الكبيرة (أبناء العمومة والخؤولة) أو الحي الواحد، كما تكون بين المتباعِدين الذين جمعتهم مؤسسات العمل أو أماكن الدراسة أو التشارُك في هموم واحدة أو اختصاص علمي واحد أو غيرها من الأسباب التي تجعل اثنين فصاعدًا يقتسمون جزءًا كبيرا من حياتهم فيما بينهم، وكأن ذلك الجزء المشترَك الذي يجمعهم هو أوثق رابطٍ تُلغَى معه جميع الاختلافات حتى لو كَبُرت وتعاظمت.

وهذه الرابطة المقدَّسة مطلب إنساني لا يترُكُ ابتغاءَهُ، حتى أولئك المتزمِّتون في طبائعهم وأصحاب الأخلاق العسيرة في التعامل، فكلهم يسعى لاكتساب صديقٍ مهما كان الثمن، ولو أدَّى ذلك إلى التنازل عن كثيرٍ من المبادئ والكبرياء التي تصيب نفوسهم مع غير الأصدقاء.

وكأن هذ الرابطة هي السحر الذي يقتلع رواسب الجهالة ويسقي القلوب بالمودَّة والتصافي دون نضوب، ولو لم يكن من ميزات الصداقة إلا أنها ترتفع بالروح البشرية إلى مصافِّ الأرواح الملائكية لكفى بها مقصِدًا يتطلبه جميع العقلاء.

 

ولو أردْنا رَصْدَ هذه العلاقة في تاريخنا، لكتبْنا في ذلك مجلداتٍ لا تنتهي، وقد كانت الأبوَّة والأُخوَّة عند عرب الجاهلية قائمة على أساس الصداقة، فالأبُ يرى في ابنه صديقًا، كما أن الرجُلَ يتخذ من أخيه صديقًا تماما كما يتعامل الأصدقاء الأباعد، وهو الأمر الذي نجده كذلك في عبارة أحد ملوك الفرس التي صدَّرنا بها هذه المقالة.

حيث سُئل عن أحب الناس إليه وهل هو أخوه أم صديقه؟ فأجاب بعبارة تدل على أن مكانة الصديق أقرب من مكانة الأخ، وأن أخاه لن يكون قريبًا منه إلا إذا تعامل معه معاملة الأصدقاء فيما بينهم، ويجدُر بنا التنبيه إلى إحدى المقولات الصوفية الرفيعة التي تحدد مستوى الصداقة، وهي مقولة تُنسَبُ إلى ابن عطاء الله السكندري حيث يقول: “إذا زادت الأُلفة سقطت الكُلفة”.

 

ابن عبد البر

 

 

والمقصود بها أنه إذا تحقق التآلُف بين الناس سقط بينهم التكلُّفُ والتظاهر بالصفات التي لا يريدونها، فكلما زاد هذا التآلف أصبح الناس يتعاملون فيما بينهم بطبيعتهم من غير تصنُّع، فالصديق لا يكون صديقًا لنا إلا إذا وجدْنا أنفسنا معه على سجيَّتنا من دون أن نتكلَّف في الحديث والمعاملة، لأننا نتَّكل في ذلك على الانسجام الذي يحدث بيننا وبينه كصديقٍ بحيث لا نتوقع منه ردة فعل سلبية على تصرفاتنا الطبيعية، بل نرتاح لتفهُّمِه تماما كما يرتاح هو لتصرُّفاتنا، ونتعامل معه كما يتعامل الواحد منَّا مع ذاته.

 

وأودُّ أن أسجِّلَ في هذا السياق بعض المحطَّات المُشرقة في تاريخ المجتمع الأندلسي التي احتفظت لنا بصداقات على مستوى عالٍ من الروعة والجمال، وأخُصُّ بالذِّكْر الصداقة الرائعة بين إمامين من أئمة الدِّين والفقه كانا ينتميان لمذهبين مختلفين.

وكانت مدوَّنة هذين المذهبين مليئة بالخصومات الفقهية والمناظرات العلمية في أصول الدِّين وفروعه، أحدهما هو الإمام الحافظ الفيلسوف أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي نسبًا الظاهري مذهبًا (384 هـ- 456 هـ) والثاني هو الإمام الحافظ المحدِّث الفقيه المؤرخ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النِّمري نسبًا المالكي مذهبًا (368 هـ- 463 هـ).

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

 

فأما ابن حزم فقد نشأ في تنعُّمٍ ورفاهية حيث كان أبوه وزيرًا من بيت علم ورياسة، فقضى ابن حزمٍ طفولته في قصور الوزارة بين الجواري والخَدَم، ولمَّا شبَّ مال قلبُه إلى طلب العلم عن إرادة فولاذية ومحبَّة في اكتساب المعرفة في وقتٍ كانت قرطبةُ فيه منارة للعلم وعاصمة للحضارة أشرقت على كل أوروبا آنذاك، والتقى في خلال ذلك بابن عبد البرِّ الذي كان هو الآخر من أسرة عريقة في العلم والفقه والقضاء،

ونشأت بينها مُرافقة في طلب العلم وحضرا معًا عند نفس الشيوخ والأساتذة سواءٌ في علم الفقه أو مجالس الحديث النبوي، وبينما كان ابن عبد البر ملتزما بالمذهب الرسمي في الأندلس وهو المذهب المالكي؛ راق لابن حزمٍ أن يدرُس المذاهب الأخرى حتى وجد نفسه عالِقًا بمدرسة أهل الظاهر، فنهل من كُتُب أصحاب داود الأصفهاني التي جلبها أمثال قاسم بن هلال وقاسم بن أصبغ البيَّاني من بغداد في رحلاتهم العلمية المشرقية.

ورغم اختلافهما في المذهب فقد تطوَّرت صداقتها إلى درجة أن ابن حزمٍ أخذ كثيرًا من الروايات الحديثية من طريق صديقه ابن عبد البرِّ وكان يصفه بـ”شيخنا وصاحبنا”، وحين ألَّف ابن عبد البر موسوعته الفقهية “التمهيد”، قال عنه ابن حزم: ” التمهيد لصاحبنا أبي عمر -يعني: ابن عبد البر- لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً، فكيف أحسنُ منه”.

 

وقد ذكرت كُتُب التراجم قصة طريفةً لهما وهما كانا يتمشَّيان في إحدى أزقة قرطبة فمرَّ عليهما غلامٌ وسيم فأعجب به ابن حزم، فقال له ابن عبد البر: لعل ما تحت الثياب ليس هناك، أي: لعلّ حُسنه في ثيابه فقط، فجاوبه ابن حزم بأبيات من الشعر قال فيها:

وذي عَذَلٍ فيمن سبانـيَ حُسْـنُــهُ … يُطيل مَلامي في الهوى ويقولُ

أمِـنْ حُسْـنِ وجـهٍ لاحَ لم ترَ غـيـرَهُ … ولم تَدْرِ كيف الجسمُ أنت قتيلُ؟

فقلتُ له: أسرفتَ في اللومِ فاتَّئدْ … فـعـنـديَ رَدٌّ لــو أشــاء طـويــلُ

ألــم تــرَ أنِّــي ظـاهــــريٌّ وأنَّـنـي … عـلـى مـا بـدا حتى يقـوم دليلُ

 

 

ابن حزم

 

تنُمُّ هذه القصة عن كثيرٍ من معاني الصداقة الحقيقية بين شخصيَّتين مرموقتين في المجتمع الأندلسي، وبعد هذا.. لا ننسى أن سِجالهما الفقهي كان يبلغ أشُدَّه في كتاباتِهما، فابن عبد البر كان يحمِلُ على الظاهرية ويرُدُّ على آرائهم التي خالفوا بها جمهور الفقهاء.

كما أن ابن حزم كان لا يترك شاردة ولا واردة من المذهب المالكي – وهو مذهب صديقه – إلا أتى عليها بالتفنيد مستعمِلًا في ذلك عبارات قاسية في كثير من الأحيان، وخلال ذلك هو يعرف جيدًا أنه حين يريد أن يسرُد حديثًا باستعمال الإسناد ليرُدَّ به على المالكية فإنه في كثيرٍ من الأحيان يرويه عن شيخه المالكي.. صديقه -أو خصمه في المذهب !!- ابن عبد البر بحد ذاته..

ما أجدرَنا أن نقتفيَ آثار هؤلاء الكبار، ونحن إذا التفتْنا إلى واقع الحال بين طلبة العلوم الشرعية سنجِدُ عداواتٍ لا تنتهي بين الطلاب والشيوخ إلا في القليل النادر، فهل كان الاختلاف في المذهب سببًا للعداوة؟ أوليس العلم رَحِمًا بين أهله كما قال علماؤنا؟

هكذا يجب أن نكون، أن نكون أصدقاء متحابِّين.. وإلا ما فائدة العلم والمعرفة إذا استعملناها لنقيض ما وُضعت له؟

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق