ثقافة

 التوريث الفني في تونس.. مدارس فنيّة ترحّل نجاحاتها لأجيال لاحقة

 

 

أصبح التوريث الفني ظاهرة في الأوساط الفنية العربية تحدثت عنها وسائل الإعلام غالبا بصورة ناقدة لإسهامها في وجود “فرقعات فنية” لا موهبة لها سوى الاعتماد على “إرث بابا أو ماما” (أو الاثنين أحيانا) في البقاء على قيد الحياة الفنية وربما الانطلاق بسرعة الصاروخ بمساعدة الوالدين و معارفهم والحصول على أدوار البطولة واعتلاء المسارح العريقة، ولنا في عديد الفنانين وأبنائهم خير مثال على ذلك.

لكن هل كل من يوّرث مساره وتوجهاته الفنية من موسيقى او مسرح او سينما بالضرورة مقحم إقحاما على الساحة الفنية ولا يضيف لها الشيْ الكثير، وهل تخلو جينات أبناء الفنانين من موهبة أصولهم، أم أن “ابن الوز عوّام” أحيانا كما يقول المثل المصري القديم؟

 

 

أمينة فاخت وابنتها على مسرح قرطاج صيف 2018

 

 

في تونس طفت على السطح في السنوات الاخيرة محاولات  “قسرية” لتمرير الشعلة الفنية من الأم/الأب إلى الابن/الابنة،  ودفعهم دفعا نحو النجاح بسلوك طرق ممهدة دون أشواك، منهم أمينة فاخت وابنتها التي فرضتها على جمهور مهرجان قرطاج في صيف 2018، بعد عودتها للغناء على المسرح، والفنان الشعبي نور الدين الكحلاوي وابنته التي تمشي على خطى أبيها في احتراف غناء “المزود”، و الفنان الأمين النهدي الكوميدي التونسي الشهير الذي حاول أن يدفع بابنه – محمد علي النهدي- إلى نفس مستواه لكنه فشل فشلا ذريعا في أن ينحت لنفسه مسارا خاصا به، والامثلة كثيرة.

لكن في المقابل، أضاءت مصابيح نجاح بعض الفنانين التونسيين طرقات أبنائهم، ليواصلوا استكمال مدارس فنية عريقة استمدت حياتها من تعاقب الاجيال الفنية عليها وتشبيب حضورها في الساحة.

آل غرسة..

 

الطاهر غرسة وولده زياد

 

أتاحت  ظروف ميلاد الطاهر غرسة سنة 1933 في حيّ تربة الباي بالمدينة العتيقة ومجاورته  للموسيقار والملحن الفذ خميس الترنان للترنان ان يتتلمذ على يد أشهر موسيقيي ذلك العصر ويلقن نوبات “المالوف  التونسي” شفاهة و يتقن بحور “الطبوع” ممن كان له الفضل في إبقائها على قيد الحضارة.

 

 

فلا عجب أن يصبح التراث و درره من أهم ما قدّم الطاهر غرسة للفن التونسي بدءا بحفلات الرشيدية و يرجع له الفضل في صيانة تراث تونسي الموسيقي من الإهمال والضياع. ولقرابة 60 عاما بنى الطاهر غرسة مدرسة فنية قائمة بذاتها وواصل على نهجها من بعد وفاته سنة 2003 ابنه الملحن والفنان زياد غرسة، الذي ارتدى عباءة أبيه  وتقفي أثر المخفي من درر التراث التونسي والاندلسي الأصيل، مع مزجه بنكهة عصرية أبقت على الطابع التونسي وفتحه روافد جديدة على الموسيقى العربية.

تسلم زياد غرسة قيادة الفرقة الرشيدية سنة 2006 عوضا عن الموسيقار عبد الحميد بنعلجية، بذلك يكون قد تعهد بالحفاظ على موروث والده الطاهر غرسة وتطويره ليبقى حلقة وصل بين الأجيال السابقة واللاحقة في مجال الموسيقى والتراث السمعي التونسي.

 

آل الصرارفي..

أمينة الصرارفي تحيي ذكرى والدها قدور الصرارفي

 

فاقت شهرة الملحنة والمغنية أمينة الصرارفي شهرة والدها  فقد أسست أول فرقة نسائية عربية هي فرقة “العازفات” سنة 1992، وسبقتها سنوات عديدة من الانخراط في المجال الموسيقي والفني كمغنية وعازفة، مواصلة لمسيرة والدها الملحن والمايسترو “قدور الصرارفي”، الذي قدم للموسيقى التونسية والعربية على مدار 4 عقود 250 لحنا متنوعا وقاد فرقا موسيقية عريقة في تونس منها : فرقة الهادي الجويني، الرشيدية، علي الرياحي و أسس فرقة الخضراء التي أشرف على قيادتها.

 

 

فاقت شهرة قدور الصرارفي الحدود التونسية، وكيف لا وهو الذي تتلمذ على يد أساتذة كبار مثل رفائيل سترينو و ولوي فافا واندري هيدو ، ورغم أن ابنته أمينة لم تعاصره كثيرا، فقد مات و هي بعمر 19 سنة، إلا أنها فترة كانت كافية كي يورثها شغفه بالكمان  والألحان وعشقه للتراث التونسي، لتستلم المشعل من بعده، وتقود فرقتها “العازفات” كي تصبح أفضل فرقة عربية بعد 25 سنة من تأسيسها.

 

 صليحة وشبيلة..

شبيلة راشد

 

لم يأت اسم “شبيلة راشد” من فراغ، بل أطلقه الملحن خميس ترنان على “عروسية بنت علي عباس” أو ابنة كوكب المغرب العربي “صليحة”  – وهو مؤنث شبل- إشارة إلى أن تلك “الشبلة من هذه اللبؤة (يقصد صليحة)، فقد  كان صوت شبيلة راشد من أقدر الاصوات التونسية على اداء الطبوع و المالوف، ونذرت حياتها للحفاظ على تراث والدتها صليحة و إحيائه، فاشتهرت بأداء أغنياتها و ترحيلها للأجيال اللاحقة لوالدتها، ما حفظها من الضياع والنسيان، ورغم التراث الفني الضخم الذي خلفته صليحة، فإن لشبيلة راشد 40 أغنية خاصة بها، و تتلمذت في معهد الرشيدية على يد أساتذة مهمين  مثل خميس ترنان وصالح المهدي، اللذين دعماها و قدّما لها ألحانا “اذا تغيب عليّ يا ولفتي”  و”يا خمّوري”  و”أقصد ربّي ما تخمّمش” وغيرها.

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.