اختيار المحررينثقافة

أدب السجون العربي .. مرآة الخفايا المظلمة

سلسلات ميم: أدب السجون

 

 

“في السجن انهارت كل الأشياء الجميلة أمامي وسقطت كل جماليات الحياة. ولم يبق امامي سوى الرعب والفزع فقط لا غير، فقد فوجئت بالقسوة والرعب وبضغوط قاسية على شخصي الضعيف، اذ لم اكن مؤهلا آنذاك نفسيا او جسديا لما أتعرض له من هوان وذل. وبدلا من أن أرى السماء، رأيت الحذاء، حذاء عبد الحميد السراج، وهذا ما أثّر على بقية حياتي. نعم رأيت مسقبلي على نعل الشرطي ومن خلال عرقه المتصبب فرحا بما يحدث من تعذيب”. 

 

 

بهذه الكلمات حاول الشاعر محمود الماغوط أن يختزل الصورة المرعبة للسجون السوريّة في زمن “رجل الرعب” عبد الحميد السرّاج الذي حكم البلاد بالحديد والنار.

 

 

محمد الماغوط

 

 

غير بعيد عن سوريا يكتب الروائي الأردني أيمن العتوم عن تجربته السجنيّة في رائعته “يا صاحبي السجن” قائلا: “أخطر ما في السجن أن تفقد احترامك لذاتك، لأنك إن فعلت صارت رقبتك بيد جلادك، وصرت تتقبل منه الصفعة في وجه الكرامة على أنها قبلة في خدّ الرضى!!”، ليس وحده ولا هو الأخير، فالإصدارات كثيرة ومن أشهرها على الإطلاق “شرق المتوسّط” للروائي عبد الرحمن منيف التي يرسم فيها من خلال حوار “متخيّل” مع إبهام ساقه اليسرى الذي بقي العضو الوحيد الذي أمكنه تحريكه أثناء تعذيبه بخرطوم المياه صورة السجن باعتباره موتا حتميّا لا محالة.

 

 

أيمن العتوم

 


الروائي المصري صنع الله ابراهيم صوّر معاناة الضحايا من قمع النظام المصري كمأساة الفلسطينيين من قمع الإحتلال، وكتب يقول في رواية “شرف”: “لم يجد الأهل وسيلة للتعبير عن رأيهم سوى الحجارة، تصورت الشرطة أنها تواجه انتفاضة على الطريقة الفلسطينية، وردت بإطلاق الرصاص على الطريقة الإسرائيلية!” أمّا وراء القضبان، فيسرد من خلال حواراته مع رفاق الزنزانة كلّ العلل والهنات التي أصابت المجتمع المصري من إنتشار الجريمة إلى الفساد والقمع وغيرها.


أدب السجون في العالم متّسع جدّا ويشمل الكثير من التيارات والقوى، ولكنّه بدأ يظهر عربيّا في تاريخ ليس بالبعيد بعد أن أدخلت الترجمات القارئ العربي إلى سجون العالم التي لا تقلّ وحشيّة عن السجون العربيّة، باعتبارها المكان الذي تُنتزع فيه كل مقوّمات الإنسانية من المسجون قبل حتّى الوقوف على مشرحة سجّانيه.

 

 

الروائي المصري صنع الله ابراهيم

 

 

عالم ما وراء القضبان الذي يغوص فيه أدب السجون العربي يرسم ملامح السجن الأكبر، فالخيط الناظم مرتبط بالنظام السياسي والحاكم، والمأساة مرتبطة بالمحكوم الذي تحجب ظلمة الزنزانة ورائحة الموت لونه أو جنسه ودينه وخلفياته الفكريّة، بل يعامل كعدوّ للأمّة كأنما إجتمعت كلّ شرورها فيه دون غيره.

 

الثورات العربيّة وتنوّع المحامل التي تورد الشهادات عن التجارب السجنيّة فتحت الباب على مصراعيه مجددا لموجة جديدة من الإصدارات في أدب السجون العربي من تونس إلى ليبيا ومصر وصولا إلى سوريا، غير أن الضحايا لم يكتفوا بالأدب المكتوب، فهاهي الشهادات الموثّقة بالفيديو وهاهي الجداريات واللوحات والمقالات والتحقيقات والقصص الإخباريّة تروي ملامح عالم ما وراء القضبان، أين تحتضن العتمة وشبح الموت من لم يتّسع حضن الوطن لهم.

 

 

سجناء ألكتراز

 

 


تلقى الروايات والسير والتقارير والقصص والنصوص من جنس أدب السجون رواجا كبيرا لدى القارئ العربي في السنوات الأخيرة، ربّما لأنّ عدد المساجين قد بات كبيرا جدّا لدرجة أن الجميع لديهم أقارب أو اصدقاء قد زاروا “زنازن الموت”، ولكن الثابت أن السجن العربي الكبير قد بات لا يقلّ هولا وظلمة عن السجون الصغيرة، فيرسم القارئ لنفسه في مرآة ما يقرأ حدودا إمّا للخوف والخنوع أو للمقاومة والتحدّي، وفي الحالتين كانت للتجارب السجنيّة باعتبارها كتابة خاصّة للتاريخ قدرة على دغدغة شعور ما داخل كلّ عربي.


مذكرات مانديلا في سجن دولة الفصل العنصري أو قصص وأفلام سجناء الحرب الأهلية في آيرلندا الشمالية أو معتقلي الأنظمة الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية أو سجناء ألكتراز، جميع هذه السجون أغلقتها التحولات الديمقراطية خلال الثلث الأخير من القرن العشرين ومازالت السجون العربيّة مصدر رعب للبشر بعد تتالي التقارير التي تفضح ما يقع داخلها من ممارسات وحشيّة رغم كلّ الشهادات المروّعة. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.