مدوناتغير مصنف

 نساء على طريق الحرب

 

 قبل احتلال الضفة الغربية في حزيران 1967 بفترةٍ قصيرة ، كان عليّ الذهابُ إلى رام الله لتصديق شهادتي من معهد الطيرة في رام الله والتابع لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين . كنت أنهى سنتين من الحياة الدّاخلية في ذلك المعهد.

 

طالبة لم تكمل عامها السابع عشر، وتريد أن تكبرَ، بمفهوم ذلك العمر، أن أرتديَ حذاء بكعب مرتفع . وارتديته ومشيت في شوارع رام الله لأوّل مرة منتعلةً حذاءً بكعب عالٍ، وعلقت على كتفي حقيبة نسائية استعرتها من صديقتي وجارتي في غرفة المنامة وابنة مخيمي مريم؛ وأن يكون لي دفتر خاصٌّ لكتابة الرسائل ومُرّوس بقلبٍ أحمر ثم الدخول بجرأة وخفيةٍ معًا إلى عالم السجائر والتي تختفي من الحقيبة في عطلة نهاية الأسبوع التي نعود فيها إلى المخيم.

 

نقطع الطريق بين رام الله ومخيّم الكرامة شرقي الضفة الغربية عبر الباص السّريع بين القدس وعمّان والذي يتوقف على جسر نهر الأردن ،حيث نقطة تفتيش للشرطة الأردنية . تلك اللحظة التي يصعد فيها الشرطيّ المناوب درجات الباص وخلفه تتسلّل فيروز خارجة من أوراق الدفلى الوردية على ضفتي نهر الأردن ، تصعد بدورها درجات الباص خلف الشرطي . تسلّم على الجالسات على المقاعد وترمي على أحلام الطالبات أغنيتها للجسر الخشبي، كلاماً عن العودة حيث سنرجع يوما إلى بيتنا لنغرق بالدافئات المُنَى ، ونجفف دموع صليبًا مبتلا برائحة نبيّ.

 

فهنا جوار الجسر الخشبي عمّد (يوحنا المعمدان) مسيح فلسطين بماء نهر الأردن، ومن هنا رفع مسيحنا لإخوته المهجرّين عبر الجسر إلى المنافي صليبًا من ماء و صبار.

 

لم أكن أعرف أنها الرحلة الأخيرة للبنت التي تحلم، وأن عقوداً من الخيبات والهزائم وانكسار الأغنيات ستأخذ البنتَ لتكبر في ليلةِ حربٍ، تحت قصف الطائرات الإسرائيلية، مئة سنة في ليلة واحدة ودون أن يكون في قدميها حذاءً بكعب مرتفع.

 

ما أطول الطريق في الحرب وما أثقل الصّخرة على الكتف، ثمان وعشرون سنة المسافة ما بين رحلة حافلة القدس الأخيرة والعودة الملتبسة سنة 1995 بعد اتفاقية أوسلو .

 

سيظل الإحساس عصيا على الكتابة، خاسرا في الدخول إلى تفاصيل الرفض والاختيار في عودة ناقصة . لم يكن في الأفق إلاّ أن أختار العودة بكامل خيباتي وخيباتها الخاصة والعامة ومعي إرث أكثر ثقلاً ممّا يمكن لمرأة أن تعود به وحيدة دون منتظرين.

 

المرأة التي تركت خلفها قبورا بلا رخامة وموتى بلا فاتحة، هناك حيث في كل منفى قبرٌ وحقيبةٌ ، سأترك أبي في مقبرة كالحة وكابية في غبار الفوسفات في الرصيفة، وحيداً وعازفا عن الشعر، وسأترك حبيباً في مقبرة جماعية على طرف مخيم صبرا في بيروت.

 

زهيرة زقطان

 

إلى أين ستذهبين أيتها العائدة؟

لا بيتَ في الوطن ينتظرك، ولا أخت على الباب تساعدك في إدخال حقيبتك، لا أحدَ غير صديقة إيطالية تقيم مؤقتًا في الضفة الغربية هي التي تنتظرك في استراحة أريحا وستأخذك إلى رام الله.

قريتك اُحتُلَّت في الهجرة الأولى وأصبحت مستوطنة، والمكان الوحيد الذي كان يمكنك الذهاب إليه غرفة عائشة، جدّتي لأبي، في غرفتها ذاكرة ووسادة وحضن جدّة لم تكن تبصر الحفيدة.

في غرفة اسمنتيّة ضيقة استبدلتها وكالةُ غوث اللاجئين بدلَ الخيمة للمهجرين من قرى الخليل إلى مخيّم العروب بمساحة تقاسُ بعدد الأفراد، مساحةٌ تكفي لجدّة لا تبصر، تزرع في خطّ تراب رفيع عروق نعناع وزهرة واحدة من فصيلة عبّاد الشمس، تلك الزهرة الذّهبية الممتلئة ببذور البزر.

كنت أجلس على عتبة الغرفة أرقب نعاس الزهرة عند المغيب بالذات لأرى اللّحظة التي تميل برأسها إلى ساقها الرفيعة وتتكئ عليها بثقل يهدّ الكتف.

كان أبي يأخذني في عطلة الصّيف المدرسية إلى جدتي، وهناك في حوشها الضيق اتسعت ذاكرتي وتعلقت عيناي طويلاً في عروق الأثواب المطرزة على قامات خالاتي وجارات جدتي، وبالذات تعلقي بجارتها فاطمة أو “خالتي فاطمة” كما تعودت أن أناديها. الصبيّة الجميلة التي تقيم مع والدتها في الغرفة المجاورة لجدتي.

 

كلّ ما عليَّ الآن هو أنْ ألمَّ هزائمي وأن أقيمَ في المنتصف بين منفى و وطن، وأكتب عن نساء على طريق الحرب

 

فاطمة التي كانت تمتلك ماكينة خياطة عليها علامة “سنجر” والتي سأعرف من همس النساء حين تذهب لإعداد الشاي أنها امرأة مطلقة أعادها زوجها إلى بيت أمها لأنها لم تنجب أولادا. كان تجمع النساء حول ماكنتها يتم بتلقائية يومية ،بعد صلاة العصر. تخرج النّساء من حرارة الغرف الاسمنتية آتياتٍ بحصائر القشّ يفرشنها في الحوش الضيق ، وجوار كل واحدة كيس خيوطها وقماشتها وبالإبرة يبدأن بزراعة النجوم على قماشة الحبر. وتبدأ الخيول تركض على عروق الأثواب وتأتي من بعيد عصافيرُ القرى وتحطّ على وسائد الأولاد. وبتناغم فطري مع دقات فاطمة على ماكينة السنجر، وبالتوازي تمشي رواية القرى،

كنت أرى في الوصف شكل البيوت وسنابل الصبر وعرائش العنب وخبايا القمح والطحين، وأغطية الستان الوردي والأزرق على ألحفة النوم.

كانت الذاكرة تنمو في كل صيف وترتّب ما ترى وما تسمع وترصد وتراكم بهجمات صغيرة حين تطلّ فجأة عروسٌ آتية بمنديل كسوتها كي تخيط لها فاطمة جهاز عرسها، هناك دبّت البهجة والدهشة في جسدي.

أيّةُ لحظة تشبه ذلك الكشف المبهر عندما تفتح فاطمة منديل علاء الدين ؟

كنت أتجول في حديقة من الأقمشة تتحسّسها أصابع النساء، تلك اللحظات التي قادتني فيما بعد إلى عالم لوحاتي.

كانت فاطمة تربّي هذا الحبّ وتعطيني القصاصات الزائدة من الأقمشة وتعلّمني كيف أخيط ثوبًا لدميتي القماشية التي فاجأتني بها ذات صيف.

في المنافي فيما بعد كانت الذاكرة كمرجوحة تذهب وتأتي يحضر وجه فاطمة كلّما تحضر عائشة، فاطمة الجميلة بطيورها المطرزة على كتفي ثوبها وموسيقى ماكنتها الرتيبة وغرفتها المرتّبة.

 

ما أطول الطريق في الحرب وما أثقل الصّخرة على الكتف، ثمان وعشرون سنة المسافة ما بين رحلة حافلة القدس الأخيرة والعودة الملتبسة سنة 1995 بعد اتفاقية أوسلو .

 

الذاكرة تكبر وعائشة وفاطمة تبتعدان، لم تعد جدتي في المكان، رحلتْ في الانتفاضة الأولى في لحظة حظر التجول، كانت وحيدة في غرفتها والجيبات العسكرية تحيط بأزقة المخيم.

لا أدري من استدعى شبابًا من المخيم لدفنها. تعدّدت الروايات وكل ما عرفته أن شباباً من المخيم دفنوها على عجل وقبل أن تنتهي مدة منع التجول في مكان ما لا نعرفه. و لا أحد سيدلّني عليه. رقدتْ وحيدةً بلا اسم أو علامة تدل عليها، تاركة للحفيدة ذاكرة تلك الليالي التي كنت أرقد ملتصقة بها وضوء السراج الرفيع يعكس شبحي وشبحها على حائط الاسمنت المقابل لفرشتنا، حيث تتعلق مكحلتها المطرزة على الحائط منذ انطفأ نور عينيها ولم يعد لاستخدامها أية ضرورة. وصورة لأبي بالأسود والأبيض كانت منسوخة عن صورة هوية عمله في بنك الأمّة في مدينة الرملة.

لم أذهب إلى مخيم العروب حتى الآن، ما عرفته أنّ غرفتها أضيفت إلى جيرانها وأنّ فاطمة أيضا تركت المخيم وأنّ لا إرث لي غير تلك الذاكرة، وأنّ هزائمي تتزاحم في أوردتي وأني أقيم في المنتصف ما بين موتَى المنافي وموتَى بلا عنوان في الوطن، وأنّ الشوارع لا تحفظ الخطوات ولا تصغي لثرثرة المارّين فوقها والذاكرة ليست قدرا مكتوباً على الطرقات، وأنّ هزائم الحروب مكتوبة قدرا على النساء.

لم أذهب أيضا إلى حيفا، لم أرَ البحر الأبيض المتوسط، لذا لن أكون في انتظار مراكب الإغريق وهي آتية إلى شواطئ أسدود، لن أرى بحّارَتهم وهم يعقدون حبال مراكبهم آتين إلى النسّاجات الكنعانيات لشراء قمصان من البرتقال هدايَا يعودون بها لزوجاتهم.

كلّ ما عليَّ الآن هو أنْ ألمَّ هزائمي وأن أقيمَ في المنتصف بين منفى و وطن، وأكتب عن نساء على طريق الحرب.

زهيرة زقطان

كاتبة وباحثة وفنانة فلسطينية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.