الرئيسيثقافة

صليحة: الصوت البدوي الملحمي الذي اخترق الحاضرة

 

 

لوعة الفوندو وحرقته وهو ينساب من حنجرتها التي أنعشت الفن التونسي الأصيل بعد أن خاب الأمل وانقطع الوصال البيني.

صليحه عمق الجرح التونسي وفرحه الخالص، وهي الملحمة التي أشعلت في القلوب نيران الغربة والفراق والموت والهجرة وغمرته حسنا ببخنوق وعرضوني زوز صبايا.

وهي التي لامت الخليلة بعد أن أخلفت الميعاد، وماللقاء بين المتحابين في زمنها سوى ضرب من التهور العاطفي في سبيل حبيب قد يجمعها بها القدر وقد لا يلتقيان مرة أخرى.

 

 

صالحت صليحة تونس ،الشمال بالجنوب والشرق بالغرب ولملمت الفرقى وبعثت الأمل، حاملة معها مشوارا فنيا زاخرا رافقه فيها ألمع الوجوه الثقافية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي.

ستون عاما على رحيلها ليست ذكرى وفاة بل مخاض ولادة عسير يأخذنا لنكتشف عوالم المطربة الأولى في تونس، التي خرجت من ريف محافظة الكاف نحو النجومية في الحاضرة، فنالت من الريف ما لم ينله غيرها وطوعت الحاضرة كما لم يطوعها أحد قبلها.

عاشت “صلوحة ينت ابراهيم” في تونس الحاضرة وتعلمت ثقافة المدينة العتيقة بعد اشتغالها بمنزل أعيان البلاد قبل استقطابها في المعهد الرشيدي.

تعلمت مخارج الحروف واللغة العربية ولحنت لها القصائد والأغاني فملكت رصيدا متنوعا بين الأغاني التراثية والتقليدية الملحنة بالتعاون مع خميس ترنان علاوة على القصائد ذات النمط المشرقي.

 

 

 

جمعت بين الصوت البدوي القوي والطبوع التقليدية التي وقع تقديمها في إطار المعهد الرشيدي، فمست صنفين من الجمهور وهو جمهور الحاضرة والأرياف والمناطق الداخلية.

ومثلت بذلك نموذج المطربة التي “ترعرعت في الوسط الفني البدوي الريفي منفتحة على الغناء الحضري في دور الأعيان مثل دار محمد باي، حيث  اكتشفها حسونة بن عمار ثم الباجي السرداحي عازف العود وفي مرحلة ثانية احتضنها الموسيقي الليبي البشير فحيمة شهر فهمي الذي قدّمها في حفلاته في أواخر الثلاثينيات قبل أن تنضم إلى فرقة المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية وتتربع على عرش الغناء به بداية من سنة 1941، أين حظيت بعناية الشيخ خميس ترنان وبعض الموسيقيين والشعراء من أعلام الرشيدية في ذلك الوقت”، وفق تصريح الباحث الموسيقي وعضو الهيئة المديرة للرشيدية، علي السياري.
ساعد السياق الثقافي صليحة على الشهرة والتفرد، باعتباره كان مهيئا لأن تتصدر المطربة التونسية المشهد الفني وتفوز بحظوة الجمهور، خاصة مع الدور الكبير الذي لعبته الإذاعة التونسية من خلال بث أغانيها وانتشارها محليا ومغاربيّا.

ومثل المعهد الرشيدي منعرجا مفصليا، حيث جمع مجموعة من الفنانين وأدباء ملتفّون حول هذه المؤسسة إضافة إلى اللجان الأدبية.

 

 

 

يرى الفنان التونسي، جلول الجلاصي، أن صليحة  تضاهي أم كلثوم بجمال صوتها ومقدرتها الفنية، وإن تميزت بعدها شبيلة راشد (ابنتها) لكنها تبقى متفردة من خلال بحة صوتها  ولونها الخاص وقيمة الملحنين الذين تعاملت معهم.

وتابع الجلاصي،” شافية رشدي وحسيبة رشدي هنّ أشباه مطربات، لا يملكون الطاقة الفنية التي تملكها صليحة، التي لم تتكرر حتى اليوم”.

وقال لميم “صليحة من الكاف  مثل الشيخ المقرئ علي البراق، أصواتهم ترجعنا إلى تونس، بتفاصيلها وأزقتها وأريافها ومدنها ورائحة أكلاتها مهما أخذتنا الحياة ومهما سافرنا في رحبها”.

 

 

في المقابل لا يفضل  السياري تلقيبها بأم كلثوم تونس، لأنّ أم كلثوم مقياس الغناء في المشرق أما صليحة فهي نموذج الطرب المغاربي في شمال افريقيا.

إذ تميزت وفق تعبيره بالفوندو، وهو مصطلح إيطالي حديث نسبيا، ووقع استعماله مع بداية القرن العشرين، حيث أطلق على الأغاني التي رأى أصحابها أنها ترتقي إلى مرتبة المالوف باعتبار أن المالوف هو أرقى ما توصّل إليه الإنتاج الفني في شمال افريقيا.

وتابع “تميز صوتها بالجمع بين القوة ومدى الطبقة، الإحساس والقدرة على تمثّل الطبوع التونسية وأدائها، أما شافية رشدي فكان لها، وفق رأيه، مكانة هامة حيث تصدرت قائمة مطربات الرشيدية حتى عام 1940 ومع بداية 1941 برز نجم صليحة الفني وافتكت مكانها في المؤسسة.

وبين السياري أن تفرد  صليحة كان بأدائها لأغلب القوالب الفنية منها، القصيد، الأغنية في جميع أغراضها وأنماطها من بدوي وحضري وشعبي وطرابلسي ، كما غنت المالوف وسجلته كمنشدة في المجموعة الصوتية للرشيدية في خمسينيات القرن العشرين بإشراف الشيخ خميس ترنان وإدارة الأستاذ صالح المهدي.

 

 


تميزت أعمال صليحة بملحميتها، لتشكل مع كل رائعة جديدة قصة، بطلها قد يكون خيالا على غرار “خيل سالم”، التي ارتبطت بقائد قبيلة المحاميد الليبية الذي مات غدرا فعاد محملا على فرسه، أو “فراق غزالي” التي تتحدث عن قصة حب الشاعر التونسي أحمد بالشاوش، الذي أحبّ فتاة من الجنوب لكن والده عارض العلاقة فترك المنطقة وهاجر ليكتب “العين تنحب من فراق غزالي”.

كما تصور في أغنية “مع العزابة” قصة  تهجير قبائل وسلات وتشتيتهم على إثر الفتنة الباشية والحسينية، حيث تبكي أمّ فرقة ابنتها  البكر.

جمعت صليحة أبرز الفنانين والمثقفين في عصرها وكانت فنانة اجتماعية تحظى بقلوب الجماهير العريضة والأقرباء من الوسط الفني، وكانت مرحة، محبة للحياة ببساطتها الكافية.

مثلت وفاتها خسارة للوسط الفني، لكنها تبقى أهم وأعظم مطربة في تاريخ الفن التونسي، التي اكتسبت فن الريف وشهرة الحاضرة.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.