اختيار المحررينثقافة

فيلم “لقشة من الدنيا”: أنسنة الواقع الوحشي

 

 

لم يكن “سوبيتاكس” فيلما عاديا بل هو صراع الكل ضد الكل، النفس مع الجسد، الواقع والمتخيل، المأساة وبصيص الأمل، الهامش والمركز وهو “حقيقتنا التي نخجل منها”، وفق تعبير مخرج العمل “نصر الدين السهيلي”، وجزء من الواقع الذي تعيشه فئة اجتماعية تونسية لا يملك بعضها حتى بطاقة هوية، فلقب بفيلم المهمشين.

 

 

يعد العمل وثائقيا تسجيليا وينتمي إلى سينما الواقع، دون توجيه أو تدخل من المخرج الذي اكتفى بمشاركتهم تفاصيل أيامهم وكان بمثابة الملاحظ بالمشاركة.

امتدّ تصوير الفيلم على أكثر من 5 سنوات، تخللته تقطعات، وتم عرضه للمرة الأولى في أيام قرطاج السينمائية 2018.

حضر أبطال الفيلم سهرة افتتاح المهرجان وكانت المرة الأولى التي يخطون فيها  السجاد الأحمر

شارك الفيلم في المسابقة الرسمية دون أن ينال أي جائزة حتى أن البعض من الصحفيين والنقاد اعتبروا أنّ المركز لا يعترف بسينما المفقرين والمهمشين.

 

 

المهمش داخل المركز

يعد المهمّش حمال أوجه ولكن أياّ من زواياه تتماشى مع طبيعة المركز؟ وهل يمكن بعد إدماج المهمشين في إطار المركز أن نتحدث عن “مهمش”؟ أم أنه تحول إلى مهمش مركزي”؟

مجموعة من الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن كلما تعمقنا في أحداث الفيلم وربطناه بالغضب بسبب عدم تتويجه والاعتراف به.

إذ لم يكن تتويج المركز للمهمش يوما تتويجا صادقا وإن كان فإما لدرء النقد أو للترويج لنفسه، فلما يغضب الهامش من نتيجة يعرفها سلفا؟

لا يمكن تنزيل “لقشة من الدنيا” في تصنيفات لجان التحكيم” لأنها تحتكم إلى قواعد، في حين أن العمل يتجاوز حلقة مبدعي المركز.

 

 

وإذا تحولت هذه العوالم الخفية إلى المركز هل ستقبل هذا السياق الجديد وهي التي طالما اعتبرته عدوا وغير متفهم لها ولمشاكلها؟

إنّ الفيلم على غاية أهميته ودقة موضوعه وقربه من فئة قد لا يستطيع غير السهيلي الوصول إليها لصداقة جمعته بهم أو لأنها تمثل تجربة شخصية عاشها أو عايشها في فترة ما، لا يجب أن يضع نفسه في جدلية الهامش والمركز لأن الفيلم يصور داخل الهامش ذاته مركزية القوة واستبداد القوي على الضعيف.

 

“لقشة من الدنيا” وثلاثية الفقر

سلط نصر الدين السهيلي الكاميرا أمام أشد أنواع العنف المادي والمعنوي لينقله إلى الشاشة على أمل التعريف بقضية “مسكوت عنها رغم معرفة الجميع بها” يمكن أن نسميها بثلاثية، المخدرات، الجنس والعنف.

رزوقة مطرود من إيطاليا بسبب المخدرات تجمعه علاقة بمتشرد آخر “لطفي ” المعروف بـ”فانتا”.

يقطنان في حمام مهدوم بحي باب جديد على بعد بعض الأمتار من الشارع الرئيسي للعاصمة التونسية (شارع الحبيب بورقيبة).

 

 

استهلك الثنائي المخدرات عن طريق حقنة السوبيتاكس، جمعتهما علاقة حميمية وعلاقة عنف وخضوع، حيث يمثل لطفي بضعفه أمام صديقه وتحت وطأة الضرب والسب والشتم الذي لم يخلو منه أي مشهد من مشاهد الفيلم.

وتكررت هذه المشاهد بنفس الطريقة طيلة حوالي ساعتين حيث اختلف المكان وحضر العنف، مما يدفع المشاهد للتساؤل حول جدوى هذا الكم من العنف اللفظي والمادي الذي يصل أحيانا إلى مرتبة الإرهاب النفسي على المشاهد.

منع الفيلم على من هم أقل من 16 عاما ولكن أغلب المشاهدين في قاعة العرض الخاصة بالصحفيين لم يكن لهم استعداد نفسي لمتابعة هذا الجحيم الواقع في العاصمة.

لم تدخل الكاميرا، رغم بعض الإشارات، إلى مضجع الثنائي الحميمي وعلل السهيلي ذلك باحترامه لخصوصيّاتهم ولكن للجمهور حق على المخرج أيضا خاصة أنّ أغلب المهتمين بالأعمال السينمائية هم من الشباب ومن الفئات الهشة نفسيا.

 

 

 

أنسنة الواقع الوحشي

بعد اكتشاف إصابة لطفي بالتهاب الكبد على غرار “ناقة” وهو أحد الشخصيات التي عكست من خلالها كاميرا السهيلي سلسلة مترابطة من العوامل الاجتماعية التي أدّت بأبناء الأحياء الشعبية إلى فخّ السوبيتاكس.

يصور لنا المخرج جوانب إنسانية في علاقة الهامش بالهامش، الذي يمثله رزوقة في تسلطه ولطفي في ضعفه وناقة التائه.

فرغم خزان العنف لم يترك رزوقة أصدقائه بل حاول معالجتهما، وهو الذي تسبب في إدمان لطفي، وبعد الفشل تعود مرحلة ما قبل المحاولة بمآسيها وآلامها لتتكرّر مشاهد العنف والبحث عن حقنة المخدر، جنة الفقراء الموعودة إلى حين.

انطلق الفيلم في الصيف وانتهى بعد خمس سنوات في الشتاء، المطر تنزل بغزارة ومشهد لطفي وهو يخرج من مضجعه إلى الشارع بعد صراع متواصل مع الحبيب ومع السوبيتاكس.

لا يدعي الفيلم معالجة درامية، لكن ما قاله لطفي خلال زيارة الطبيب بعد اكتشاف المرض بأنه السبب في ذلك وأنه لو علم مآلات المخدر لما استهلكه تبقى نقطة مضيئة في فيلم مشحون بالعنف.

 

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.