ثقافةغير مصنف

رحيل الكاتبة ديزي الأمير: العراقية المغتربة التي  عاشت في دوامة الحب والكراهية

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

 

كأغلب الكبار عاشت الكاتبة العراقية ديزي الأمير في صمت ورحلت بمنتهى الهدوء.

 

ولم تتداول وسائل الإعلام خبر رحيلها سوى بعد أيام وهي التي رحلت يوم 22 نوفمبر تشرين الثاني بمدينة هيوستن الأمريكية حيث تقيم.

 

هي التي كانت توصف بكاتبة الحزن وهي التي تقاطعت سيرتها الإبداعية الذاتية مع مسار الحداثة الأدبية في العراق فهي من الكتاب الذين برزوا في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

 

وقد كان العديد من القراء والمتابعين للمشهد الأدبي يعتقدون أن ديزي الأمير قد رحلت عن الدنيا منذ أمد بعيد بإعتبار أنها دخلت طي النسيان منذ مدة ولم تعد أخبارها متداولة رغم مكانتها في المدونة السردية العربية عموما والعراقية على وجه الخصوص.

هي التي إختارت أن تكون غير معنية بالصخب الذي يصنعه الآخرون حولها مفضلة الإغراق في التفاصيل الصغيرة.

 

الزفرات الأولى لفتاة فقدت الأمان والحنان

وقد ولدت في جنوب العراق وتحديدا في مدينة البصرة عام 1935 وهي من أب عراقي كان يعمل في مهنة الطب وأم لبنانية.

وبدأت تخطها نصوصها الأولى في شكل زفرات على الورق تروي من خلالها وجعها الطفولي جراء إفنقادها لحنان الأم التي رحلت مبكرا وكان بياض الورقات ملاذها الذي تشكو إليه قسوة زوجة الأب وإساءاتها المتكررة.

ولم تكن نعلم وهي تلوذ بالقلم شغوفة بالكتابة أنها ستصبح ذات يوم من أهم الكاتبات العربيات من بنات جيلها.

وهي التي  نالت الإجازة في اللغة والآداب العربية من جامعة بغداد قبل أن تسافر إلى لندن لتدرس بجامعة كامبريدج .

ثم عادت إلى العراق لتباشر مهنة التدريس في بلدها قبل أن تنتقل إلى بيروت لتعمل في السفارة العراقية هناك ولتبحث عن جذورها المتصلة بأسرة والدتها في لبنان.

 

أسيرة الحب المبهم والنهاية الدرامية لعشق خليل حاوي

وعندما زارت الكاتبة التي لقبت بأسيرة الحب المبهم  منطقة ضهور الشوير حيث تقطن أسرة والدتها كانت على موعد هناك مع الحب حيث إلتقت الشاعر المبدع خليل حاوي وتوطدت الصلة بينهما إلى إعلان الخطوبة.لكن حب الكاتبة الهادئة والشاعر صاحب المزاج المتوتر لم يدم طويلا عصفت به الحالة النفسية لحاوي الذي كان شديد الثورة ومبالغا في التشاؤم والنقمة على كل ما يحدث حوله .

ويقال أنه كان يعاني من مرض الصرع ولعل هذا ما قاد إلى القطيعة بين العاشقين قبل أن يضع خليل حاوي حدا لحياته منتحرا عندما حدث الإجتياح الصهيوني لبيروت .

ولم تنته تبعات هذه القصة بالرحيل المأساوي لخليل حاوي فقد كانت هناك تداعيات حادة للكتاب الذي ألفته ديزي الأمير بعد رحيله ببضعة سنوات والذي وسمته ب ” خليل حاوي رسائل الحب والحياة”. وقد تصرفت في الرسائل التي كانت تأتيها منه حاذفة كل التفاصيل والإشارات الدالة عليها  وحتى ما لم يرق لها قبل أن تقوم بنشرها. وهذا ما أثار حفيظة شقيقه الناقد إيليا حاوي والذي هدد بنشر رسائلها العاطفية إليه أيضا .

كما كانت هذه الرسائل بمثابة الحدث الأدبي الكبير وتوجه نقد كبير لديزي الأمير عام 1988 ووصفت بكونها لم تراع الأمانة الأدبية وكانت إجابتها بمنتهى الهدوء أنها أرادت أن تمنح الباحثين مرجعا يمكن إعتماده كوثيقة لحياة الشاعر دون حاجة إلى التفاصيل.

وقد شكلت هذه العلاقة بين المبدعين ديزي الأمير وخليل حاوي مادة إعلامية مفضلة ومجالا خصبا للقراءات تواصل ما يزيد عن عقد من الزمن في المشهد الثقافي اللبناني. وتجاوز الإهتمام بعلاقة الحب بين الكاتبين الإنشغال بإبداعهما الأدبي.

 

 

صوت خافت  ينخرط في الحداثة الإبداعية ويخلص لوجع المرأة

وتعد ديزي الأمير من أبرز و أهم الأصوات النسائية  من جيل الـتأسيس في مجال الكتابة .

وقد تميزت بنبرة هادئة وصوت خافت في نصوصها القصصية التي تعبر من خلالها عن القلق الوجودي والمعاناة الإنسانية بمختلف أوجهها .كما لامست الكاتبة ديزي الأمير قضايا الغربة والحرية .

وقد إنخرطت مثل بنات جيلها في الحداثة الإبداعية كما إنحازت لوجع المرأة في سياق ذكوري جدا في تلك المرحلة التاريخية.

وقد كانت الكتابة لحظتها ضربا من ضروب النضال النسائي لتأكيد الوجود وتأصيل الكيان والتعبير عن المخاض الذي تميزت به مجمل المجتمعات العربية .

وقد جمعت بين الكتابة وممارسة النشاط الثقافي من خلال عملها لمديرة للمركز الثقافي العراقي في بيروت إبان إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وواصلت عملها إلى حين حدث الإجتياح الصهيوني للعاصمة بيروت وذلك عام 1982 وهو الحدث الذي شكل منعرجا خطيرا في تاريخ القضية الفلسطينية وعلاقة العرب بالكيان الغاصب إجمالا.

ونظرا لهذه الأحداث فقد إختارت ديزي الأمير العودة إلى العراق.

 

 

بيروت تفجر موهبتها فيولد ” البلد البعيد الذي تحب ”

ويمكن القول إن الموهبة الأدبية الحقيقية لديزي الأمير قد برزت بشكل جلي في أجواء بيروت الثقافية حيث كان المناخ مساعدا على تفجر موهبتها في نصوص قصصية .

وكانت باكورة إنتاجها ” البلد البعيد الذي تحب ” مجموعة من النصوص القصصية كرست إسمها الأدبي في المشهد الثقافي البيروتي وفرضت وجودها في أجواء تنافسية مهمة أيضا .

فقد كانت بيروت في تلك الفترة ضاجة بالحياة والإبداع عامرة بأجمل الكتاب على غرار نزار قباني وغسان كنفاني ومحمود درويش في فترة ما  وغيرهم .

وفي خصوبة بيروت تفتقت موهبة ديزي الأمير التي ستصبح لاحقا صوتا أدبيا له شأن.

وأخلصت ديزي الأمير للقصة القصيرة التي وجدت في محملا أدبيا قادرا على أن يعبر بكثافة وعمق عن المعاني التي تروم التعبير عنها.

ويمكن القول إن الفترة الممتدة ما بين عامي 1969 و 1996 هي المرحلة الأكثر خصوبة في حياة ديزي الأمير التي أصدرت حوالي 7 مجموعات قصصية هي : قائمة الإنتظار حكاية إمراة عراقية في الغربة . و الحكاية الأندلسية إلى جانب ثم تعود الموجة بالإضافة إلى في دوامة الحب والكراهية و وعود للبيع والبيت العربي السعيد وأخيرا جراحة لتجميل الزمن.

 

 

قالت وقيل عنها :

من أجمل ما قيل عن نصوص الكاتبة الراحلة ديزي الأمير ما خطه الشاعر اللبناني سعيد عقل الذي قال : ” كلمات ديزي الأمير كصوت فيروز، شيء من الغيب يُحَب. ساحرة الهنيهات السعيدات، وما همّ أنهن أحيانا مثقلات بالكآبة. من أين تجيء بهذا البث الناعم الفني في عصر القصة المواء والقراء الذين يحبون الصدم والقضم؟”.

وقد أوجزت العراقية التي كانت الغربة قدرها وصف كتابتها بالقول :” تميز قصصي عن سواها من الكتابات النسائية، بطريقتي التي لا تحوي غرابة ولا تثير العجب. كل شيء في حياتي وكتابتي طبيعي، لم أكتب كي أجعل الرجال يغرمون بي، وربما كنت محافظة بسبب تربيتي العراقية، لا أسير مع رجل وحدي إلا وأتلفت، أمر مضحك أليس كذلك؟ “.

وعنها قالت الشاعرة والناشطة العراقية وداد الجبوري ، وذلك عندما قامت بتكريمها عام 2009 في بيروت مشيرة إلى النسيان الذي لفها وحالة التنكر الذي جوبهت بها رغم خدماتها الطويلة للثقافة والإبداع في بلدها ،:

” لا  غريب أن يموت المبدع العراقي غريباً ومنسياً فقد سبق ديزي الأمير كثيرون، وسيكون هناك غيرها كثيرون أيضا“.

سر المذكرات

عاشت الكاتبة العراقية الراحلة ديزي الأمير حياة ثرية ومفعمة بالحيوية وضاجة  بالأحداث بدءا بولادتها في بيئة مسيحية جنوب العراق وإفتقادها للحضن الدافئ مبكرا.  ثم مغامرتها في الدراسة التي لم تنته كما تحب بعد أن إنتهت رحلة دراستها في جامعة كامبريدج لأن والدها لم يدفع لها الرسوم المطلوبة.

هذا وصولا إلى رحلتها البيروتية وبحثها عن علاقات القرابة التي تربطها بأهل والدتها ثم حبها المستحيل للشاعر خليل حاوي.

ثم زواجها من رئيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي حبيب صادق،  ثم حصل الطلاق في العام 1975 بعد مرور سنتين على زواجها منه.‏

كل هذه الوقائع يقال أنها كانت مادة لمذكرات كانت الكاتبة الراحلة ديزي الأمير قد حبرتها ولا أحد يعلم مصيرها ومدى إكتمالها من عدمه.

ومن أهم ما جاء في هذه المذكرات كما تم تداوله في بعض المواقع التوقف عند علاقتها بالشاعرة نازك الملائكة والتي قالت عنها صديقتي وهي الوحيدة التي إختصتها بهذه الصفة.

رغم أن نازك الملائكة كانت أكبر سنا وأكثر نضجا كما تقول ديزي الأميرعنها وهي التي تعرفت عليها في المرحلة الجامعية وكانت تصغرها بسنوات وهي من جيل شقيقتها الصغرى .

وكانت الأمير تنظر إلى نازك كمثل أعلى وتعشق نظرتها العميقة للأشياء وكانت ثمة علائق عائلية بينهما وزيارات متبادلة .

والحقيقة أن مصيرهما أيضا كانت متشابها رغم أن غربة الملائكة كانت في القاهرة في حين كانت وجهة الأمير بيروت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق