مجتمعاختيار المحررين

المحلل لطفي المسعودي: الأرجح أن تحل الأزمة في فرنسا بالتوافق عبر المفاوضات

الاحتجاجات في فرنسا والسيناريوهات المحتملة... قراءة لمختلف تفاصيل المشهد مع الكاتب والصحفي لطفي المسعودي

 

من المتوقع  أن يعلن رئيس الحكومة الفرنسية  أدوارد فيليب اليوم الثلاثاء تعليق الضرائب على الوقود، في خطوة تهدف إلى وضع حد لموجة العنف التي شهدتها احتجاجات “السترات الصفراء” حسب ما أوردته بعض المصادر الفرنسية.

وسيترافق هذا التعليق مع تدابير أخرى تهدف إلى التهدئة بعد أسبوعين من الاحتجاجات في كامل أرجاء البلاد.

وكان فيليب قد استقبل عددا من رؤساء الأحزاب وزعماء الكتل النيابية للتشاور معهم بشأن الحلول الممكنة لأزمة السترات الصفراء. في حين قرر الرئيس الفرنسي، أيمانويل ماكرون تأجيل زيارته التي كانت مبرمجة إلى صربيا، بسبب الاحتجاجات.

وحول آخر المستجدات والتطورات على الصعيدين السياسي والميداني كان ل”ميم”  الحوار الآتي مع الكاتب والصحفي لطفي المسعودي مراسل قناة الجزيرة في باريس.

 

 

  • برأيك، بعد خروج الاحتجاجات عن السيطرة الأمنية، هل ستستجيب وزارة الداخلية لمطلب النقابات الأمنية وتعلن حالة الطوارئ؟

أرى أن حالة الطوارئ هي آخر ما يمكن أن تفضّل سلطات باريس أن تجد نفسها مجبرة على إتخاذه من إجراءات. فكما تعلمون،  فرنسا خرجت من حالة الطوارئ منذ أشهر معدودة بعد أن تمّ تبني قانون الإرهاب الجديد.

كما أنّ آراء الطبقة السياسيّة تُجمع على ضرورة الإبقاء على سلاح الجيش الفرنسي موجها إلى أعداء البلاد الخارجيين والحال أنّ الأزمة اليوم منطلقها حراك داخلي مطلبي يتعلّق بمسائل تمسّ الجوانب المعيشية اليومية للفرنسيين من مقدرة شرائية وتنقّل.

ثُمّ إنّ فرض حالة الطّوارئ لا يحلّ الأزمة وإن كان قد يساهم بقدر كبير في الحدّ من أعمال التخريب التي رافقت احتجاجات أصحاب السترات الصفراء منذ انطلاقها.

وإنّما الخشية من أن ينعكس فرض حالة الطوارئ سلبا على اقتصاد البلاد، وخاصة على قطاعات مثل السياحة. وقد شهدت فرنسا خلال الأيام الأربعة الأخيرة إلغاء حجوزات لخمسة وعشرين ألف ليلة فندقية بسبب الأحداث الأخيرة فما بالك إن فرضت حالة الطوارئ بما يعكس عن البلد صورة منفرة من الناحية الأمنية يصعب التنقل فيها!

 

 

 

 

  • كيف لإجراء فرض حالة الطوارئ أن يخرج الحكومة الفرنسية من أزمتها؟

فرض حالة الطوارئ لا يحدث بين ليلة وضحاها هنا في فرنسا. فإن قرّر مجلس الوزراء اتخاذ هذه الخطوة فيسكون لزاما المصادقة عليها في مجلس النواب في ظرف عشرة أيام! يعني أنّ الوصول إلى إقرار حالة الطوارئ قد لا يمنع سبتًا أسود آخر في باريس.

وهذا ما جعل رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشيه، وهو المخوّل دستوريا بتسلّم مقاليد الرئاسة إن قرّر الرّئيس ماكرون الاستقالة وهذا طبعا أمرٌ مستبعدٌ جدّا حاليّا، ما جعل لارشيه يرى أنّ أقرب الحلول للخروج من أزمة السترات الصفراء، وأسلمها لفرنسا هو تراجع الحكومة عن إصلاحاتها الضريبيّة والتخلّي كليّا عن الزيادة في الضريبة الموظّفة على المحروقات والتعويل على سدّ عجز الخزينة الفرنسية من الأموال المستنزفة عبر مسالك التّلاعب الضريبي.

وقد أكّد في هذا الصّدد أنّ الحلول التمويليّة البديلة متوفرة وأنّ سلطات السوق الماليّة الفرنسيّة سبق لها وأن أعلمت حكومة إدوار فيليب والرئيس ماكرون بعمليّات تلاعب ضريبي كشفت أساليبها بدقّة تستنزف سنويا قرابة مليار ونصف المليار من اليوروهات يقوم مستثمرون أجانب بتحويلها إلى ملاذات ضريبية خارج فرنسا معتمدين طرقا ملتوية للتهرّب من دفع ضريبة الثلاثين في المائة الموظفة على القيمة المضافة المترتبة عن أنشطتهم داخل فرنسا.

ولكنّ السلطة التنفيذية متجاهلة كذلك تصويت مجلس الشيوخ ضدّ قانون الزيادة في الضرائب الموظفة على المحروقات، لم تفعل شيئا حيال ذلك ومضت في إقرار ضرائب إضافية إمعانا في إثقال كاهل المواطن الفرنسي الّذي لم تعد موازنته العائلية تحتمل المزيد من الضرائب، وفي الوقت ذاته فوتت على نفسها فرصة لتعديل توزيع الأعباء الضريبية بين الفقراء والأغنياء.

وربّما هذا ما جعل الرّئيس السابق فرنسوا أولاند يرقّيه مجازا إلى مرتبة “رئيس فاحشي الثراء” مستعيرا اللقب الشعبي الّذي بات ماكرون معروفا به في أوساط الطبقة الشغيلة في فرنسا “رئيس الأغنياء”.

 

 

  • هل يرجح أن تتخلى الحكومة إذن عن هذه السياسات التي من الواضح أن قطاعا واسعا يرفضها؟

عموما جميع رؤساء الأحزاب الّذين تمّ استقبالهم الاثنين في ماتينيون ليتشاور معهم رئيس الحكومة إدوار فيليب بشأن الحلول الممكنة للخروج من أزمة السترات الصفراء أجمعوا على ضرورة التّخلّي أولا على خطط الحكومة الترفيع في الضرائب مطلع العام الجديد كمنطلق لحوار وطني بناء.

ووحده ستانيسلاس غيريني مفوض الحزب الحاكم في هذه المشاورات مع ساكن “ماتينيون” قدّم فرض النظام على النظر في مسألة الضرائب معللا رأيه بضرورة تهيئة وضع مساعد على التفاوض أوّلا.

وقد جاءه الردّ سريعا من المتحدثين باسم حركة السّترات الصفراء حين أعلنوا رفضهم عرض ماكرون للحوار وألقوا عرض الحائط بدعوة ممثلين عنهم للجلوس إلى إدوار فيليب في ماتينيون. وهنا تكمن مؤشرات على أن حركة السترات الصفراء التي تطورت مطالبها في الأيام الأخيرة إلى حدّ المطالبة باستقالة الرّئيس تريد ضمان إلغاء حزمة الضرائب الجديدة كحدّ أدنى للقبول بدخول ماتينيون.

 

 

 

  • ما المحرك لهذه الاحتجاجات؟ هل تعتقدون أنها ذات خلفية مطلبية إجتماعية  بحتة أم أنّ وراءها خلفيات سياسية؟ أم تحرّكها أيادي خارجية للإطاحة بماكرون؟

حكاية الأيادي الخارجيّة برأيي أمر مستبعد، في أزمة لم تكن مفاجئة وكانت تتفاعل ببطء منذ أشهر، وحتّى الحكومة الفرنسيّة ذاتها لم ترم بالمسؤولية في ما حدث على أيادٍ خارجية. ولا أحد يمكن أن ينكر الصبغة المطلبيّة البحتة لأصحاب السترات الصفراء. وما محاولات الحكومة لفتح أبواب الحوار معهم مؤخرا إلا دليل دامغ على ذلك. فلا نتصور أن فرنسا الدّولة ستقبل فتح حوارا مع طرف تحركه أيادٍ خارجيّة!

حركة السترات الصفراء لم تنطلق من فراغ ومنذ فترة كان الوضع يسير باتّجاه بروز أمر من هذا القبيل.

فالرئيس الفرنسي في تنقلاته كثيرا ما كان يُواجه من أفراد الشعب بانتقادات لاذعة بسبب الإجراءات غير الشعبية الّتي تتّخذها الحكومة بين الحين والآخر.

ونستذكر هنا أزمة التّخفيض في معاشات المتقاعدين حين واجهته إحدى العجائز بقولها باكية “لماذا تريد أن تقتلنا هل هذا جزاؤنا بعد سنوات طويلة من العمل؟”.

 

 

  • ما القطرة التي أفاضت كأس الإحتجاجات برأيك؟

هنالك أسباب وجيهة لانفجار الوضع الاجتماعي في فرنسا الّذي اتخذ شكل حركة السترات الصفراء الاحتجاجيّة.

والضريبة الإضافيّة المزمع فرضها على المحروقات بداية العام القادم كانت القطرة الّتي أفاضت الكأس إذ أنّ سبعين في المائة من الفرنسيين يملكون سيّارات وأربعون في المائة من الشعب الفرنسي ليس له بديل عن السيّارة لتأمين تنقلاته إلى العمل ومنه ولقضاء مختلف شؤونه، بل إنّ بعضهم تعتبر السيارة هي مورد رزقه الأساسي والترفيع في نفقاته على المحروقات يعتبر تضييقا عليه وتهديدا لمستواه المعيشي وتقييدا لحركته ولقدرته على الانتاج.

لذلك تعالت الأصوات التي تعتبره إجراء مجحفا بحقّ الجميع قد يترتب عنه زيادات في أسعار المواد الاستهلاكية كذلك.

هنا لا يجب أن نغفل أنّ احتجاجات السترات الصفراء كانت في عديد من الأحيان غطاء لتحركات بعض الجماعات العنيفة كالبلاك بلوك والجماعات اليمينية وحتّى اليساريّة المتطرّفة وما أحداث النهب والتكسير والحرق إلاّ شاهد علي ذلك. وقد أعلن المتحدثون باسم أصحاب السترات الصفراء مرارا وتكرارا تبرّأهم منها وإدانتهم لها.

 

 

 

 

  • هل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خاطئة جلها أو كلها إذن؟

لا، ما ذكرته لا يعني أنّ إجراءات الحكومة الفرنسيّة خاطئة على طول الخطّ! ويمكن القول أنّ الحكومة الفرنسيّة، ومن سوء حظّها قد وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه فهي مجبرة على استجابة سريعة وفوريّة لتجنيب البلاد أيّ منزلق عنيف آخر لحركة السّترات الصفراء، وإجراؤها المنتظر قد يرغمها على التضحية بسياساتها الرّامية إلى تحقيق انتقال إيكولوجي هو في نظرها بات في حكم الخطوات الواجب اتخاذها بصفة عاجلة لانقاذ كوكب الأرض من تبعات انخرام بيئي قد يتهدّد وجود الإنسان على ظهر الأرض بصفة مباشرة إذا استمر نمط عيش الإنسان في الإضرار بالبيئة والتسبب بانخرام المناخ.

وللتّذكير فإنّ مسألة الانتقال الإيكولوجي كانت من بين وعود ماكرون الانتخابيّة حيث وعد بتأمين انتقال الاقتصاد الفرنسي من الاعتماد على الطاقة الأحفوريّة إلى الطاقات البديلة الأكثر نظافة والصديقة للبيئة.

وما تضييق الخناق على اعتماد الفرنسيين على السيارات التقليدية عبر فرض ضريبة إضافيّة على المحروقات، إلا خطوة أولى في هذا الاتجاه لتشجيع الفرنسيين على الانخراط في مشروع الانتقال إلى الاعتماد على السيارات الكهربائيّة منعدمة الانبعاثات الغازية ( حتّى وإن كان هذا النوع من السيارات ذاته مسببا لتلوث من نوع آخر بسبب بطارياته المستعصية على الرسكلة والّتي يصعب التخلص منها دون التسبب في لوث) ولكن يبدو أنّ هذه الخطوة كانت موجعة جدا ومكلفة جدا جدا للمواطن الفرنسي وخاصة ساكن الأرياف التي لا تتوفر على بدائل نقل جماعي.

وعلى الحكومة إيجاد حلول بديلة أو تغيير التكتيك من أجل تنفيذ برنامجها الانتقالي بصورة أكثر سلاسة لا يكون لها انعكاسات سلبية ثقيلة على نمط عيش الفرنسيين.

فهنالك من الفرنسيين من بات يتندر بأنّ وزارة “الانتقال الإيكولوجي التضامني” ليست وفيّة لاسمها ولا تسعى لتحقيق هذا الانتقال بطريقة تضامنية بين الفرنسيين! وحتّى أنصار البيئة لم يبدوا معارضتهم العلنيّة لحركة السترات الصفراء وإن كانوا لا يدعمونها. وربما ما يعزّز موقفها اليوم في وجه الحكومة أنها باتت في استطلاعات الرأي تلقى دعم أكثر من ثمانين في المائة من الفرنسيين في وقت تتراجع فيه شعبية الرئيس ماكرون ورئيس الحكومة إدوار فيليب إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ فرنسا.

  • حسب رأيكم ماهي السيناريوهات المحتملة إذا ما تواصلت الاحتجاجات؟

إذا ما تواصلت الاحتجاجات أرى أن الحكومة الفرنسية ستكون مجبرة على التّخلي عن حزمة الضرائب الجديدة كي لا تتهم بجرّ البلاد إلى وضع غير محمود!

ولكن السيناريو الأقرب هو أن يتمّ التوافق على مخرج من هذه الأزمة عبر منفذ المشاورات التي كلف الرئيس ماكرون رئيس الحكومة إدوار فيليب بخوضها مع زعماء الأحزاب ورؤساء الكتل النيابية وقد بدأت فعلا يوم أمس الإثنين. والأيام كفيلة بكشف مآلات الأمور.

 

الوسوم

محمد أمين السعيداني

مقدم أخبار وبرامج سياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.