دين وحياةغير مصنف

التصوف التونسي في خطر: استمرار الموت والفلْكرَة المهرجانية: «يا بابا عْلي حمْلك كادْني!»

بقلم: د. عادل بن خليفة بالكحلة

 

للتصوّف المغاربي (ومِنه التصوّف التونسي) أعلامٌ وحركات أنقذت البلاد لما كانت في أحلك الأزمات. فهذا أبو مدين الغوث مع حركة التوابين يُصالِح بين السكان الأصليين وبني هلال، الذين «استتابهم» وعلّمَهم الفلاحة والاستقرار، ويعبّئ حركته للدفاع عن السواحل التونسية من النرْمان ولتوحيد المغرب العربي الكبير مع الموحدّين.

 

وهذا أبو الحسن الشاذلي مع حركته يقاوم الصليبيين في تونس ومِصر، حاملاً كل هموم العالم العربي- الإسلامي، ولذلك خلدته الذاكرة التونسية: «يا بَابَا عْلي حِمْلِك كادْني!» («يا أبي عليٌّ، لقد تأثرتُ لِحمْلك الثقيل!»).

وهذا الأمير عبد القادر، يُقاوِم ويُؤسِس أول دولة مغربية- مُواطنيّة، حديثة وديمقراطية. وهذا الأمير عبد الكريم يؤسِس أول وآخر جمهورية مغربية بدستور وحكم ديمقراطي، ويُقاوم إمبرياليتيْن قاسيتين دون ناصِر يَنْصُرُهُ.

وهذا الشيخ علي بن غَذاهم، شيخ الطريقة التيجانية بالمملكة التونسية، يرفض الحكم الدكتاتوري والتابع للإمبريالية، موحدًّا كل الشعب التونسي (باي الشعب)، ليموت شريفًا بحكم المؤبَّد.

 

اليوم، لا وجود لتصوّف تونسي يُعَلِّمُ الشعب قِيَم العمل والوحدة الوطنية والمقاومة للفقر والتبعية والدكتاتورية

 

اليوم، لا وجود لتصوّف تونسي يُعَلِّمُ الشعب قِيَم العمل والوحدة الوطنية والمقاومة للفقر والتبعية والدكتاتورية، بل هناك يافطة صوفية يَحْملها اليمين العلماني لضرب الإسلام الإخواني والإسْلام السلفي، لِشرعنة «تصوف» كاذب (الطريقة العلاوية- المَدَانية) كان قد نال وِسام الشرف الفرنسي في متسغانم وتونس لضربه للحركة الوطنية الجزائرية والتونسية؛ وكان ضمن جَوْقة بِنْ علي لاجتثاث الدين من تونس مَدْرسةً ابتدائية وثانوية وجامعةً، خائنًا بذلك العلمانية المستوعبة للدين، كعلمانية هنري كرْبان وميشال فُوكو (الصحافي في كُورْييه دِي لاسِيرا) وإدْغار موران وريجيس دبْريه وجان- لُوهِرْبَار.

وقد اكتشفنا ذلك أثناء مهرجان الموسيقى الروحانية بنفطة. وقد وجدنا في ذلك المهرجان فَلْكَرةً للتصوّف، وتشويها، لنجد رقص البارات والكاباريهات، العُهريّ، والفلامنكو، فيه؛ وبإدارة من أصدقاء الإمبريالية وتشويه الأرقام لتوجيه الرأي العام، وبتمويل ضخم مريب.

نريدُ استقلالاً ذاتيًّا لتصوّف تونسي، تقدميّ، تاريخانيّ، يتدخل كما عهدناه في أحلك الأزمات، ليعلّم شعبنا ويرسّخ فيه القِيم الإنسانية الضائعة، ويُواجه اللاَّمساواة بين الجهات والطبقات والجنسيْن، ويُصَالح، ويُنقذ السيادة والبيئة والفلاحة والإنسان، ويُقاوِم قَضْم الحدود الثقافية والسياسية والاقتصادية.

نريدهُ تصوّفًا يحمل إسلامًا اجتماعيًّا ولاهوت تحرّر إنساني، بعيدًا عن التوظيف السياسي والانتخابي (كما في انتخابات 2014 مِن اليمين المدعِي العلمانية في مقام الشاذلي)، وبعيدًا عن تكفير الإسلام الإخواني المُتَوَهِّب وعَن تكفير الإسلام السلفي المغاربي للاسلام الاجتماعي والسِّلم الأهلي والمساواة.

قال أبو الحسن الشاذلي: «إيثار الله بالمحبة يبْني على أربعة أصول: إيثار الوجود على كل موجود، وإيثار الصفات بالتحسين لكل موجود، وإيثار أفعاله بالرضا عند كل مفقود، وإيثار مُحابّه على محَابّ نَفْسْك..»

فالحبّ الصوّفي لله لن يكون إلا بانفتاح الطريقة اللُقْمَانية على الاجتماع و «تحسين كل موجود». أما إذا بقيت في زاويتها، أو مهادنِةً تطلب وِسام شرف فلا خير فيها.

د. عادل بن خليفة بالكحلة

                                      

باحث في الأنثروبولوجيا، الجامعة التونسية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.