مدوناتغير مصنف

من النظام المستورد الى الاحتجاج المستورد.. اجيال فرنكوفونية مريضة في تونس

 

 

يتابع العالم برمته منذ تاريخ 17 نوفمبر الفارط إحتجاجات فرنسية عامة تحوّلت إلى مواجهات عنيفة وأعمال حرق في محيط قصر الإليزيه بعد دعوة حركة “الستوات الصفراء” إلى شل حركة السير في البلاد رفضا للزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات التي تم تضمينها في الميزانية الجديدة.

 

إحتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا تجاوزت الحدود لتطال بروكسيل وهولندا، ولكنها شهدت أيضا تركيزا تونسيا كبيرا مع تطوّراتها، على الرغم من تجاهل الإعلام الفرنسي المثير للإحتجاجات والمواجهات العنيفة، متابعة تونسية كبيرة بسبب ماض إستعماري لفرنسا في البلاد لم تعتذر عنه إلى اليوم، ولكن أيضا بسبب دعم فرنسا للدكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي خلال الثورة التونسية إلى ساعاته الأخيرة.

 

 

 

لم تقتصر المتابعة الكبيرة التي تحضى بها الإحتجاجات التي تشهدها شوارع فرنسا ومواجهاتها العنيفة على مجرّد تتبع الأخبار والصور ومقاطع الفيديو فحسب، فقد إنتشرت تغريدات مساندة لهذه الإحتجاجات في الأيام الفارطة. ولكن المثير أنّ أصوات بدأت تخرج من الظلام لتحاول إستنساخ نفس الإحتجاجات في البلاد بالتزامن مع فترة الإحتجاجات الإجتماعية الشتوية التي تحولت إلى ما يشبه التقاليد في تونس.

 

“السترات الحمراء” كلمة إنتشرت بكثافة على شبكات التواصل الإجتماعي في الساعات الأخيرة ضمن دعوات لحركة إحتجاجية في تونس ضد تدهور المقدرة الشرائية وغلاء الأسعار والبطالة رافعة هدفا لها إسقاط الحكومة في دليل قاطع على خلفيات سياسية تحرّك الداعين للتشكيل حركة شبيهة بحركة “السترات الصفراء” الفرنسية.

 

المثير أنّ أصوات بدأت تخرج من الظلام لتحاول إستنساخ نفس الإحتجاجات في البلاد بالتزامن مع فترة الإحتجاجات الإجتماعية الشتوية التي تحولت إلى ما يشبه التقاليد في تونس

 

على الرغم من أن الحالة الشعبية المساندة للإحتجاجات التي تشهدها المدن الفرنسية يحكمها بشكل رئيسي الموقف الرافض للسياسات وللنموذج الفرنسي مجتمعيا وإقتصاديا، إلاّ أنّ البعض يعملون بشكل ما على إستنساخ تجربة فرنسية أخرى في غير سياقاتها المجتمعية والجغرافية والتاريخيّة.

 

خلال أكثر من ست عقود من الزمن، إستنسخت تونس كل النماذج الفرنسية تقريبا وورثت بعضها عن الفترة الإستعمارية ولم تقدّم هذه النماذج للتونسيين حلولا لتجاوز إشكاليات متفاقمة.

 

فمشهد الإدارة المتخلّفة هيكليا ووظيفيا ومشهد الجامعات وطبيعة المادة التعليمية والثقافية في البلاد المستنسخ عن التجربة الفرنسية أثبتت التجربة أنه بذرة في غير تربتها.

 

 

بغايات سياسية وبنموذج فرنسي وبلون أحمر كلون الدماء، يسعى البعض للتعبير عن تبعيته لفرنسا باستنساخ حتى نموذج إحتجاجي لا يتماشى مع السياق التونسي بهدف نشر الفوضى

 

 

من النظام المستورد الى الاحتجاج المستورد

في ماي 1968، شهدت فرنسا ثورة تهدف إلى تغيير النموذج والنمط المجتمعي سارعت مستعمراتها القديمة، ومن بينها تونس، إلى الإنسياق وراء عناوينها، رغم أنها تعبر عن ثقافة وافدة تتعارض كثيرا مع الثقافة المحلية، وهو ما نتج عنه تحديث قسري إعترف بعض رواده مؤخرا، وعلى رأسهم الأستاذ عبد المجيد الشرفي، أنه كان تحديثا على مستوى القشرة، وأنه كان فاشلا.

 

تجربة التحديث القسري وإستنساخ شعارات ومطالب ماي 1968 الفرنسية في تونس أنتجت نظاما مستوردا معرفيا وتربويا وثقافيا، وساهمت في ترسيخ نمط مجتمعي على الطريقة الفرنسية، في إطار نشر مبادئ وعناوين ثقافة الفرنكوفونية حول العالم الذي تعتمده فرنسا كأداة للهيمنة الثقافية.

 

 

مشهد لإحتجاجات ماي 68

 

 

كلّ ذلك الذي تم إستيراده من فرنسا خرجت حناجر المنتفضين في الثورة التونسية لتؤكّد أنه خارج الزمان والمكان وأنه مرفوض في تونس، بالرغم من إيمان التونسيين العميق بالتطوّر والإنفتاح على التجارب الإنسانية الأخرى.

 

ولعلّ الإسناد المطلق الذي تلقاه حركة “السترات الصفراء” في فرنسا من التونسيين يعكس موقفا شعبيا رافضا للنماذج الفرنسية ويعلن فشلها في الخارج والداخل معا.

 

فرنسا التي تعاني من تراجع نفوذها في العالم، وحتى في منظومة الإتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة لازال لديها جهاز من “المخبرين المحليين” الذين يخدمونها ويعملون على تأبيد تبعية شعوبهم لها، في محاولة يائسة لإنقاذ الإمبراطورية المتهالكة، ومنهم من يعمل على ذلك الهدف في تونس بأشكال مختلفة، ليس آخرها ما ينادي به البعض من تحركات تحت يافطة “السترات الحمراء” في تونس.

 

بغايات سياسية وبنموذج فرنسي وبلون أحمر كلون الدماء، يسعى البعض للتعبير عن تبعيته لفرنسا باستنساخ حتى نموذج إحتجاجي لا يتماشى مع السياق التونسي بهدف نشر الفوضى، فلا السيارات التونسية تحتوي وجوبا على سترات حمراء، كما هو الشأن بالنسبة للفرنسيين الذين لا تخلوا سياراتهم من السترات الصفراء، ولا المطلب والتربة متشابهان، ولكنها حركة تطرح نقاط إستفهام حول الغايات غير المعلنة لمن ينادون بذلك.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.