منوعاتغير مصنف

التطير والتشاؤم :أصل الحكایة وقابلية التصديق عند الشعوب

 

إنتشر منذ يوم أمس مقطع فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي يظهر ذبح ثلة من الرجال لديك بواسطة قلم رصاص بطريقة فيها من الوحشية والدموية الكثير وسط ملعب كرة قدم بنية طرد النحس عن الفريق بعد سلسلة النتائج السلبية التي رافقته خلال مبارياته الأخيرة.

سلوك أثار حفيظة وامتعاض شريحة واسعة من التونسيين واعتبروا أن هذا السلوك مخالف لنظم وقوانين حقوق الحيوان،إلى أن وصل الأمر ببعضهم إلى طلب معاقبة الفريق ومحاكمة الذين ارتكبوا هذا الفعل.

 

 

وبعيدا عما تقدم نلاحظ أن هذا السلوك المشين لا يقتصر على هؤلاء فقط وإنما يدخل ضمن جملة من المعتقدات الراسخة في الوجدان الشعبي التونسي بل في وجدان الشعوب بصفة عامة، حيث لا تخضع هذه المعتقدات لأي ظوابط محددة ولا ترتبط بفئة دون الأخرى.

أي علاقة لذبح الديك بذلك الشكل بما يمثله من دموية ووحشية وبين طرد النحس وتحسين أداء فريق كرة قدم وإعادته إلى سجل الانتصارات؟

لا يمكننا فك ‘طلامس’ هذا الإحراج إلا بالعودة إلى تفكيك المنظومة الثقافية التي يتنزل خلالها مفهوم التشاؤم والتفاؤل عند الشعوب وكيفية ترسخ هذه الثقافة عبر سياقات زمنية مختلفة.

التشاؤم : معتقد قديم عند العرب

تخبرنا كتب الأثر الشعري القديم عند العرب عن حالة تاريخية رائدة في التطير وهي حالة الشاعر ابن الرومي، الذي اقترب من الانغلاق والانكفاء.

فكانت حياته مضطربة، وخضع للوهم والخوف والريب بسبب ما أصابه من نكبات وويلات وحوادث مأسوية في حياته. فأصبح يتوقع السوء دوماً، ويعتقد أن الحياة وجود خاطئ. كان يتشاءم من كل شيء، ويشعر بأنه “منحوس” قليل الحظ.

حيث يقول في إحدى أشهر قصائده : “قرَبت رجلاً رغبةً في رغيبةٍ وأخرَت رجلاً رهبةً للمعاطب”.

وبحسب نبيل خوري، الاختصاصي في علم النفس العيادي، “التطير موروث شعبي بدأ قبل الأديان السماوية الثلاث. حين مضى البشر يتفاعلون مع الطبيعة، فكان هناك إله للحب وإله للمطر وإله للبرق، وإله للشمس والقمر، وإله للعشق وغيرها بحسب حاجات الإنسان آنذاك”.

وأضاف: “أصبح هناك نوع من الترابط بين هذه الموروثات وبين الديانات السماوية، وعملت الأديان على نفي العديد من هذه الموروثات وتحريمها وعلى تشريع بعضها”.

ومع تكرار هذا النوع من الثقافة الشعبية، أصبح هناك اقتران بين موقف تشاؤمي ما وخطر معين، وتوصف هذه الحالة بـ”العزو”، أي أننا نعزو وقوع أشياء مسبباتها واقعية إلى مبررات مفترضة.

يقوم التطير على تغليب التشاؤم وربطه بحالات أو بأشخاص بصورة افتراضية، كأن نقول إن صباح اليوم لم يكن جيداً بسبب مصادفتي لشخص أو حيوان أو حصول حدث أو حادث”، بحسب خوري.

ويشار إلى أن العرب كانوا يتشاءمون من الطير، لذلك أخذ التشاؤم اسم التطيّر.

ومع تكرار هذا النوع من الثقافة الشعبية، أصبح هناك اقتران بين موقف تشاؤمي ما وخطر معين، وتوصف هذه الحالة بـ”العزو”، أي أننا نعزو وقوع أشياء مسبباتها واقعية إلى مبررات مفترضة. يقوم التطير على تغليب التشاؤم وربطه بحالات أو بأشخاص بصورة افتراضية، كأن نقول إن صباح اليوم لم يكن جيداً بسبب مصادفتي لشخص أو حيوان أو حصول حدث أو حادث”، بحسب خوري. ويشار إلى أن العرب كانوا يتشاءمون من الطير، لذلك أخذ التشاؤم اسم التطيّر.

 

بعض مظاهر التشاؤم عند الشعوب

لبعض الشعوب العديد من الاعتقادات الغريبة والتي لا تمت للعقل بصلة، فترى البعض يتشئم من الرقم 13 وآخرين من البومة ومن المشي تحت سلم خشبي مثلا وغيرها الكثير من المشائمات.

ومما يثير السخرية أنه لو سألنا المتشائم عن السبب في تشاؤمه من هذه الاشياء فعادة لن يعرف الاجابة وذلك كون تلك أمور يتوارثها الناس على مر الاجيال دون معرفتهم للاسباب الحقيقية وراءها.

وقد قام الباحثون والمهتمون بإحراء العديد من البحوث العلمية للقيام باكتشاف جذور الاشياء التى تبعث على التشاؤم واتضح لديهم ما يلي:

يتشاءم الاوروبين من الرقم 13 مثلاً دون أن يعرف غالبيتهم السبب في ذلك فنجد مثلاً أن معظم فنادقهم لا تحوى غرفا تحمل هذا الرقم ، ومن صور التشاؤم من هذا الرقم أيضاً أن الكثير من الامريكأن تخوفوا من فشل المكوك الفضائى ابوللو 13 فى رحلته الى القمر فقط لأنه يحمل هذا الرقم والطريف فى الامر أن أبولو 13 قد تعرضت لمشاكل كثيرة أثناء قيامها بتلك الرحلة إلى أن فشلت الرحلة الأمر الذى رسخ فى المعتقدات الغربية التشاؤم من هذا الرقم.

ويرى الباحثون أن سبب تشاؤم الغربين من هذا الرقم هو ارتباطه بيهوذا الخائن الذى خأن المسيح عليه السلام فى قصة العشاء الاخير اذ كأن ترتيبه الثالث عشر من الاشخاص المدعوين.

أما البومة فهى أشهر نذير شؤم على الاطلاق وتتصدر قائمة الأشياء التي تدعو إلى التشاؤم عند كثير من الناس ويعود سبب هذا التشاؤم منها لما يعرف عنها من أنها تعيش نهارا فى المبأنى المتهالكة المهجورة ولا ترى الا ليلا كما أن هناك اعتقاد بدائى يذهب الى أن روح الميت تخرج على هيئة طائر البومة لتصرخ حزنا على جسده الذي تم دفنه فى القبر.

كما أن بعض الناس تتشاءم عند المرور من تحت سلم خشبى، وقد اتضح أن السبب في ذلك يرجع الى القرون الوسطى عندما كأن معظم احكام الاعدام فى اوروبا تنفذ باستخدام سلم خشبى مستند الى الحائط ويتدلى منه حبل يشنق المجرم ومنذ ذلك الحين ارتبط وضع السلم بهذه الطريقة باذهأن الناس بفكرة الاعدام ومن هنا نشأ التشاؤم من هذا الامر.

وللغراب مكانته أيضاً في مفهوم التشاؤم حيث يعتبر نذيراً للشؤم فى الحضارات الغربية والشرقية لأنه ارتبط بقتل قابيل لاخيه هابيل ولدى سيدنا ادم ولم يعرف القاتل كيف يتخلص من الجثة إلا بعد أن شاهد غرابا يحفر الأرض ليدفن غرابا آخر ميتا.

 

التشاؤم في الإسلام

نهى الإسلام عن التشاؤم وسماه تطيرا وقد وردت أحاديث كثيرة بهذا الصدد نذكر منها ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” الطيرة شرك “، قال ابن مسعود: وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا  وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله توكلوا “.

والتطير في الاسلام أصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي وكانوا قديما … ینفِّرون ویھیجون الطیور فإن أخذت ذات الیمین تبركوا بھا ومضوا في سفرھم وحوائجھم، وان أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرھم وحاجتھم وتشاءموا بھا فكانت تصدھم في كثیر من الأوقات عن مصالحھم، فنفى الشرع ذلك وأبطله ونھي عنه، وأخبر أنه  لیس له تأثیر بنفع ولا ضر فھذا معنى قوله صلى الله علیه وسلم “لا ِطَیرة ” وفى حدیث آخر “الطَیرة شرك” أي اعتقاد أنھا تنفع أو تضر إذا عملوا بمقتضاھا معتقدین تأثیرھا فھو شرك لأنھم جعلوا لھا أثرا في الفعل والإیجاد.

إشكالية التطير في دنيا الناس اليوم

طالما بقي العلم قاصرا عن تفسير بعض الأمور، سيظل الانسان في حاجة إلى إيجاد تفسيرات بديلة يعوض بها مساحة جهله، خصوصاً في ما يتعلق بترابط الجسد والروح والعوامل الطبيعية التي تؤثر على حياته.

ويرى بعض علماء الإجتماع  أن “العالم العربي يمر حاليا بحالة من التدين أكثر من ذي قبل، ومن الطبيعي أن يرتفع الإيمان

بهذه الموروثات، ويأخذ حيزا أكبر”.

وتعتقد بعض الجماعات أن نهاية العالم ستحصل مع بدايات الألفية الثالثة، وبعض المعتقدات المسيحية اليهودية تتوقع أن الكرة الأرضية ستنفجر حين تلتقي 3 كواكب أو عند مرور نيزك فوق الكرة الأرضية، أو خسوف الشمس وكسوف القمر. هذه الموروثات موجودة أيضاً عند قبائل الإنكار والإزتيك والمايا، قبل  آلاف السنين.

تكثر هذه الأفكار في المجتمعات الفقيرة وعند المتقدمين في السن، وسكان الأرياف. فسكان المدينة يتأثرون بسياق مدني سريع لا تفسح له مجالاً لمضيعة الوقت.

يرى كثيرون أن التطور العلمي ألغى هذه المعتقدات بنسب عالية، لكن هذا لا يعني أن الإنسان أصبح قادرا على التخلي عن إيمانه واعتقاده بها بشكل نهائي “.

يشاع عند العرب أنك إذا شعرت بحكة في يدك اليسرى يعني أنك ستتلقى مبلغاً من المال. وحين ترف العين اليمنى، فهذه دلالة على أنك سوف تقابل شخصا غائبا منذ مدة. وطنين الأذن اليمنى يدل على الخير، وتجري العادة عند الكثيرين بتوزيع الخبز والملح والسكر على الجيران، كنوع من النذور لجلب الخير…

أشياء نعايشها في كل ثنايا حياتنا وتفاصيل أيامنا ويبقى تصديقنا لها وتماهينا معها معبرا عن ضعف التربية الروحية التي بداخلنا  والتي تعكس تمسكنا بهذه التفاصيل كأشياء قد يكون وراء التخفي خلفها خلاص ولو كان وقتيا.

الوسوم

محمد أمين السعيداني

مقدم أخبار وبرامج سياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.