مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

نساء لا تنجب ذكورا وخطيئة الأرحام.. حالات وصلت إلى حد الطلاق

سمر حسن- القاهرة- مجلة ميم

 

 

“يا مخلّف البنات يا شايل الهمّ للممات” “أم البنت مسنودة بخيط، وأم الولد مسنودة بحيط”.. لم تكن هذه الكلمات مجرّد أمثال شعبية بهدف الضحك والتَّنْكِيت، بل هي ثقافة متأصلة في الوعي الجمعي المصري، وكأن إنجاب الإناث ذنب يقترفه رحم المرأة. ففي الوقت الذي أثبتت فيه المرأة المصريّة تفوقها في شتّى المجالات، وتقلّدت المناصب السياسية والدبلوماسية ،لازالت تُعَيّرُ إلى حدود الوقت الراهن بكونها أنثى تحتاج دائما وأبدًا إلى “ظلّ راجل”.

إنكار النسب والجريمة أنثى

طرحت مجلة “ميم” سؤالا على المجموعة المغلقة  “طلاقي بداية حياتي” وهي مجموعة تجمع المطلّقات فقط ، بنيّة الاستفسار عن وضعية السيّدات اللائي طُلّقن بسبب إنجابهن للبنات. حيث تم التفاعل مع السؤال المطروح، ورُصدت أكثر من حالة طلاق بين السيدات المتواجدات داخل المجموعة  بسبب إنجابهن إناثا.

من ضمن الحالات نذكر “منال محمد” ، سيدة تعيش في إحدى محافظات دلتا مصر ,تزوجت عن حب، ورغم ذلك حدث الانفصال عقب الزواج بفترة قصيرة، وهي حامل. حيث لخّصت تعامل زوجها معها في الكلمات التّالية “الضرب والطرد من مسكن الزوجية والتّشهير بصُوري على الأنترنات” وتُضيف إنّه لم يكتفِ بذلك فحسب بل إنّه رفض الاعتراف بالطفلة. وبينت السيدة الثلاثينية أن الزّوج لم يواصل إجراءات التقاضي في إنكار النّسب خوفا من نتائج التّحليل الجيني  DNA و التعويض لها  بتهمة قذف المحصنات إذا ثبُت النسب”.

طلقها الزوج غيابيًا عقب الولادة بستّة أشهر، وسرعان ما دخلت دوامّة المحاكم حتى حصلت على النفقة “أنا ماشية في القضايا بشخصي دون محامي لأنو مش معايا أوفّر أتعاب المحاماة”. بلغت الابنة عامها السابع، ولم يرها الوالد سوى مرتين حيث تقول منال : “شافها مرّتين، مرة وهي عندها سنة ونص، ومرة تانية وهى عندها ستّ سنوات”.

اشتركت “فايزة علي” مع منال في قضية إنكار الزوج لنسب المولودة. فائزة التي تزوّجت سنة 2011، وأنجبت طفلتها الأولى بعد الزّواج بعام،تحولت معاملة زوجها  إلى الضرب والإهانة المستمرة على إثر ذلك مباشرة. أما عن أهل زوجها ونظرًا لأنها تقيم معهم، فالأمر لم يكن مختلفا كثيرا حيث أنها تتعرّض للاهانة الدائمة من شقيق زوجها بتهمة إنجابها لأنثى.

ولكي تهرب فايزة من الحالة التعيسة ، أسرعت في  الحمل الثاني أملًا في أن تنال رضاء الزوج وعائلته و يُبارك رحمها بذكر، ولكن النتيجة كانت صادمة للزوج الذي علم أنّ الله رزقه ببنت ثانية. تذكرت الزوجة ما حدث لها من أهوال في الحمل الأول حيث تروي قائلة:

“أهله قاطعوني وجوزي حرمني من زيارة أهلي ومن الأكل والشرب، ودخلت مستشفي الزهراء الجامعي، رَمَاني هناك شهرين لحد ما تعبت نفسيًا وخرجت، وَدَّاني عند أمّي”، ونتيجة لذلك فقد  “قعدت عند أمي لحدّ يوم الولادة وبنتي اتولدت في التامن وكان وزنها  750غرام”، وأخبرها الطبيب بأن المولودة توفيت، بينما كانت المعلومة زائفة، وما زالت المولودة حية . و لكن ألاعيب الوالد تواصلت ,فقد أَخذ الطفلة لمكان لا تعلمه والدتها، وعلمت بعد فترة أنها في حضانة مستشفى أبو الريش منذ 66 يومًا: “رُحت أخدها بالبطاقه بتاعتي، قالي أنا مش عاوزها، وبعدين ضربني في وجهي، وخيطت 15 غرزة ودخلت المستشفى” ليطلقها زوجها بعد كل ما حصل  غيابيًا. ولم تسلم المولودة من أذيّة الوالد “فمن كتر ضربه ليّا، وكان بيِدّينِي برشام عشان تنزّل الحمل ،طلع عندها نسبة ضمور في المخ”، تقول فائزة.

 

بطلان وفسخ عقد الزواج

 

الانتصار على الألم

“بابَايا و مَامْتي انفصلوا، ومامتي وقتها كان عندها 25 سنة، وكان ذلك بسبب أنها مجبتش ولد، وسابْها وسابْ بناته علشان هو مش عايزهم”،  هكذا عبرّت “مي عادل” صاحبة الثلاثين عامًا عما عايشته من ذكريات طفولة مؤلمة بين عنف الوالد وأروقة المحاكم.ثم عادت بالذاكرة 27 عامًا إلى الوراء لتسرد تفاصيل مأساة والدتها، التي استمرت في الزواج لمدة ثلاث سنوات فقط، أنجبتها خلالها  هي وشقيقتها التي تكبرها بعام ، سرعان ما تحول الوالد إلى وحش لا يعرف قلبه الرحمة، واستخدم كافة أساليب العنف مع والدتها، فقامت والدتها بطلب الطلاق . و بالفعل نالت الطلاق وحكمًا بالنفقة بقيمة مالية جيدة. لم يرض الوالد بذلك بل قابل ذلك برفع قضية ضمّ لبناته دون علم الأمّ،وكان الحكم في قضية الضمّ لصالحه.

“كان يُوم أسود علينا كلّنا” هكذا وصفت “ميْ” الحكم، بينما لم تقف الأمّ موقف المتفرجة، بل هربت ببناتها من المنزل، وتنازلت عن كافة حقوقها ونفقتها، ودفعت للوالد أموالاً من ميراثها مقابل التنازل عن حضانة الأطفال، وتبين “ميْ” أنه خلال رحلة المفاوضات، طرحت الأم سؤالا على الوالد مفاده : “هل ستتكفّل بتربية البنتين؟” فكان ردّه: “مين قال كده أنا هرميهم في ملجأ وهحرق قلبك عليهم”.

 

محضر إنكار النسب

 

في نهاية المطاف تركت والدة “ميْ” كل شيء لتنجوَ من عنف وضرر الوالد، وذهبت إلى منزل أهلها .و لخّصت الأمّ أمنياتها في هذه الكلمات “عاوزة عوضي فيهم يا ربّ، وهدّيله درس عمره ما ينساه ، أنّو البنت بمِيتْ راجل.”، وبالفعل حقّقت الأم هذه الأمنية بعد مرور 28 عامًا على طلاقها وتزوجت ابنتها الكبرى.

تتصدّر مصر قائمة الدول الأكثر تسجيلا لحالات الطلاق،حيث بلغت عدد شهادات الطلاق أكثر من 198 ألف حالة عام 2017، أي بمعدّل حالة طلاق  كل 4 دقائق، ويتجاوز مجمل الحالات  لليوم الواحد 250 حالة، وفقًا للنشرة السنوية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامّـة والإحصاء.

أوضحت مؤسسة مبادرة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن أسباب الطلاق تتنوع بين الخيانة الزوجية والعنف الزوجي والوضع الاقتصادي المتردّي، مؤكّدة  أن نسبة الطلاق بسبب إنجاب الإناث أقل مقارنة بالأسباب الأخرى، غير أنها تظل من بين الأسباب المؤدية إلى طلاق بعض الحالات، وذلك لأن الزّوج  يلجأ في أحيان كثيرة إلى الزواج بثانية، ويحافظ على الزّوجة الأولى لتربية بناتها.

لقد أثبت العلم أن السّبب في تحديد نوع الجنين هو الحيوان المنوي للرجل، وليست بويضة الأنثى. فالحيوان المنوي للرجل يحتوي على الجنسين الذكر والأنثى، لأنه يحمل الكروموسومات (XY) أي ذكر وأنثى، أما بويضة المرأة فلا تحتوي سوى على جنس الأنثى دائمًا، لأنها تحمل الكروموسومات (XX) أي أنثى فقط  ،ورغم كل هذه الحقائق العلمية المتأكدة فإنّ مسؤولية نوع المولود مازالت تٌلقى دائما على أرحام الأمّهات.

 

 

أُبُوَّةٌ على ورق

إلى جانب الحالات التي وصلت إلى حدّ الطلاق، نجد سيدات أخريات يخترن الصمت على البوح بأوجاعهن، ويستبدلن المعاناة بالاستثمار في تربية بناتهن. و من تلك السيدات نجد السيدة “وفاء علي” .

لم تنجب وفاء لمدة خمس سنوات عقب الزواج، وذاقت شتى أنواع العذاب من طرف أهل زوجها، حيث تعرضت لكافة أنواع الخرافات من أجل الإنجاب “دخلوني المقابر وقفلوا عليا، ورحت مرات كتيرة جدا للزار”، وأنجبت طفلة ،واستمرّت في الإنجاب حتى وصلت إلى مرحلة انجاب بناتها الخمس من أجل إنجاب ولد إرضاءً للزوج وأهله.

ولكي تأمَن منْ أذى أهل الزوج تركت “وفاء” مدينتها بأسرها وذهبت إلى محافظة أخرى، تركها الزوج بمفردها وتزوج مرة أخرى واستقرّ بإحدى الدّول العربية: “تقبّلت كل الإهانات من أهل جوزي ومعرّفْتِشْ ولادي بأي حاجة عشان يطلعوا أسوياء”، وجدت نفسها بمفردها لم تكمل تعليمها الجامعي بسبب الزوج، إذ أننا لم تجد مخرجا سوى أن تدشّن مشروعا خاصّا بها لكي تنفق على بناتها.

جسّدت وفاء المقولة الشهيرة “من رحم المعاناة يولد الأمل” إلى واقع معيش، بوصول بناتها الخمس إلى أفضل الكلّيات، وذلك بفضل مجهودها الخاصّ وكفاحها المتواصل عشرات السنين دون الاعتماد على طليقها.

الفنّ والفضفضة وسيلة للعلاج

بينت الإخصائية النفسية “ميرفت محمد الفايد” مديرة المؤسّسة المصرية للتنمية والجودة “إفديك” أن كثيرا من  السيدات من ريف محافظة الغربية يترددن على المؤسسة لتقديم الشكاوى المستمرة،نتيجة عنف الأزواج بسبب إنجاب الإناث، والتّي تصل إلى حدّ الضرب،واستشهدت بعشرات الحالات التي ترددت على المؤسسة.

“سيدة” أنجبت أربع بنات، تتعرض إلى اللّوم الدائم من قبل حماتها،حيث وصل الحال بحماتها إلى الذهاب إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج بنيّة الدعاء بأن يرزق ولدها بذكر يحمل اسمه حسب وصفها.ّ كما استشهدت الأخصائية النفسية بحالة أخرى أنجبت ثلاثة بنات “جوزها كان بيعيّط على المخدّة طول اللّيل عشان مجبش ولد”، وكان يردّد كلمات من قبيل “مين هيحمل اسمي”، “مين هيحفظ عرضي ويحافظ على أرضي بعد موتي”.

وفي علاقة بالدّور الذي تضطلع به المؤسسة عقب استقبال شكاوى السيدات، وضّحت “ميرفت فايد” أن الوسيلة العلاجية الأولى لهذه المشكلة، هي العلاج بالفنّ . فدشنت مسرحية تحمل اسم “أنا إنسانة”،حيث تركز المسرحية على سيدة أنجبت ثلاث فتيات، والزوج ينتظر مولوده الرابع بلهفة المشتاق، فتخرج “الداية” وتخبر الزوج بابتسامة تملأ وجهها: “مبروك جالك بنت”. لم ينتظر الزوج أن تكمل الداية حديثها لينهالَ عليها ضربًا وهو يبكي بشكل هستيري ويتمنّى وفاة المولودة لأنّها أنثى .

وقالت مديرة المؤسسة: “سرعان ما انسجم الجمهور مع العرض، وسيطر البكاء على الجميع، وعلى الرغم من ذلك وعقب انتهاء المسرحية استطلعت آراء الحضور فوجدت عددا كبيرا من السّيدات تتمنى إنجاب الذكور، مبرّرة ذلك بأنها ثقافة متأصّلة في المجتمع المصري من الصّعب إزالتها، ولكنها تعمل جاهدة على تعديل هذه المفاهيم.

 

مبادرات لدعم المطلقات لعدم إنجابهن ذكورا

 

وتتمثل آلية العلاج الثانية، في جلسات الفضفضة التي تُعقَد بشكل دائم داخل مقرّ المؤسسة بإحدى مراكز محافظة الغربية، للسيدات بنية الاستماع إلى شكاويهن ووضع حلول لهنّ من قبل الأخصائيين النفسانيين في الوحدة، كما تعمل المؤسسة حسب قول مديرتها، على إزالة الصّورة النّمطية السائدة في المجتمع المصري حول “خلفة البنات” وذلك بواسطة عقد ورشات في المدارس الابتدائية والإعدادية لتصحيح تلك المفاهيم الخاطئة عند الأطفال، كما تعقد الورشات التدريبية باستمرار داخل المؤسسة في وحدة تعديل السلوك، مؤكدة أن أكثر روادها من الذكور وليسوا من الفتيات.

“رحم المرأة هو المسؤول على جنس المولود”، فكرة ضاربةٌ في أعماق الجهل الانساني،تجاوزتها عديد المجتمعات، ومازالت تعشش في عقول آلاف الأزواج خاصة في مصر و بعض المجتمعات العربية،فكرة كفيلة بتدمير الآلاف من العائلات وتشريد الآلاف من النّساء والبنات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.