مدوناتاختيار المحررينغير مصنف

الجنسانية، المرأة والدين والمجتمع

 

ظهر مفهوم الجنسانية منذ  سنوات قليلة ويعتبر من المصطلحات الحديثة في العلوم الاجتماعية، وتجمع الجنسانية بين الجنس و الهوية والنوع الاجتماعي، الايروسية والاستثارة والإنجاب والميولات الجنسية “السلوك والنشاط والانجذاب ” والتعبيرات الجسدية والرغبات وتعبّر  الجنسانية عن الكينونة النفس_جسدية للإنسان التي تتشكل عنده منذ لحظة وعيه.

 

تعرّف منظمة الصحة العالمية مفهوم الجنسانية بالفرق بين الجنس والجنسانية.  إذ يشير الأوّل إلى الخصائص البيولوجية والاجتماعية للذكر والأنثى فيما تعبّر  الجنسانية عن تداخل النفسي والبيولوجي والاقتصادي والتاريخي والثقافي.

يمكن اعتبار الجنسانية بناء اجتماعيا وثقافيا إذ يولد الذكور ذكورا وتولد الإناث إناثا ولكنهم فيما بعد يتعلم  أو يقع تدريبهم كيف يصبحون كذلك وهي ما تسمّى بعملية التنشئة الاجتماعية.

يمكن على ضوء مفهوم الجنسانية قراءة المعطى البيولوجي، كخطوة أولى استكشافية لتحديد أحد أهمّ الجوانب الإنسانية التي يغفل المجتمع عن الاعتراف بها  أو يقمعها تحت سلطة الثقافي والديني.

أشرنا في مقال سابق إلى أنّ مجلس النبيّ محمد ” صلي الله عليه وسلّم ” قد تناول هذه القضايا الحارقة والمؤرقة لنا اليوم.  فبقدر ما كان الرسول منفتحا في تناوله لهذه المواضيع، بقدر ما أصبحنا نحن اليوم نهرب منها بل ونضع الحواجز أمامها ونكفرّ أو “نعهرّ” إن صح التعبير كل من يتناول هذه المواضيع.

وهو ما يحدث معي كلما كتبت حول موضوع الجسد والجنسانية، وهو ما يطرح السؤال: لماذا لا يتصالح المسلم اليوم مع مفهوم الجنسانية وينطلق من خلالها في تحقيق سعادته الشخصية والتي ستنعكس مباشرة على أداءه في المجتمع؟

حمل النصّ القرآني رؤية الإسلام حول الجنسانية، الزواج والإنجاب والمتعة الجنسية بما يخدم النظام الاجتماعي الإسلامي.   فالتزواج سنّة الحياة  ” خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها” سورة الزمر.

وحرّم الإسلام المثلية وبعض الممارسات والسلوكات الجنسية بين الأزواج وقام بتنظيمها وقننها بما يلائم نظرته، فجماع الرجل لزوجته من الدبر أو في حالة الحيض محرّم والعلاقات بين الجنس الواحد محرّمة، حسب كتب السنّة.

كما حدد تقنيات مؤسساتية لإنهاء الزواج وتجديده في حال الطلاق بثلاث.

خاض النصّ القرآني في مسألة الشهوة والممارسة الجنسية والقائمة على التوافق والتقارب، مما يخلق المودّة والمحبة بين الزوجين. ويمكن أن نبني من خلال النقطة تحديدا أفكار المساواة والحداثة الجنسية بين الطرفين.

وتحدثت آيات كثيرة عن الجنس والمتعة والشهوة، وهو ما يشير إلى تصالح الإسلام مع الشهوة الجسدية والتعامل معها كنقطة أولى في الصيرورة الإنسانية، طالما أنّ الجماع (ونحن نتحدث هنا عن علاقات الزواج طالما أنّ الإسلام حرّم العلاقات خارج إطار الزواج) سيؤدي إلى المتعة  والإنجاب وهو إعادة عملية الخلق حسب المخيال الإسلامي.

من هنا يمكننا فهم الجنسانية في السياق الإسلامي حسب ما تحدّث عنه الدكتور عبد الوهاب بوحديبة في كتابه “الجنسانية في الإسلام”

 

الجنسانية هي حضور في جسدي غير أنّها حضور في جسد الآخر، والجنسانية تجاوز للعزلة، وهي دعوة موجهة إلى الآخر وذلك بدء من المستوى الشهواني وباعتبارها ذات ماهية جماعية فينبغي أن تضبط الجنسانية في استخدامها الحقيقي 

 

 

ينظر الإسلام إلى الجنسانية على أنّها عملية إتحاد بين الجنسين تؤدي حتما إلى إعادة الخلق وتعمير الأرض، وهي علاقة لها قوانينها ومكاسبها، فالمتزوج والمتزوجة لها الحصانة وتدعى المتزوجة بالمحصنة ويحرم قذفها أو ثلبها.

احتفى الإسلام بالزواج كأرقى العلاقات بين الجنسين يقول بوحديبة في هذا السياق

 

لا يجوز أن يغيب عن البال المعنى السوسيولوجي الحقيقي للنكاح. فهو باعتباره عملا يستدعي اعترافا عاما به، لا يمكن له أن يختزل إلى مجرّد تشريع للصلة الجنسية، فالزواج هو الفعل الذي يجرّد سنة الحياة ويمنح الجنسانية مدلولا جديدا

 

لا تكتمل المرأة إلا بالرجل ولا يكتمل الرجل إلا بها إنّها علاقة تكاملية وليست علاقة سيّد بعبد كما يحاول البعض تقديمها.

بعد قرون من الإسلام ومن محاولات تحرير مجتمعاتنا من التخلف والجهل يمكننا اعتبار أننا نعيش أزمة جنسانية في مجتمعاتنا الإسلامية.

وهي متأتية من الجهل والتطرّف بعد أن تدخل بعض الفقهاء والشيوخ في مرحلة أولى  وجعلوا من هذه المواضيع مطيّة للإساءة إلى المرأة وتغييبها كذات ورغبة  في انحياز واضح إلى الذكورة.

وقد شكلت قراءتهم ارتدادا واضحا عن مجهود نخبة من الفقهاء المثقفين الذين خاضوا في مثل هذه المواضيع بكثير من الجرأة في فترات سابقة، أمثال الشيخ النفزاوي في كتابه ” الروض العاطر في نزهة الخاطر”.

في هذا السياق تتحدث الأستاذة فاطمة المرنيسي على أنّ الاعتراف بفاعلية الجنسانية الأنثوية يؤدي حتما إلى الانفجار الاجتماعي “إنّ غياب  الجنسانية الفاعلة يصوغ المرأة في قالب الكائن المستكين والمازوخي”.

 

فمتى تمكنت المرأة من جوانب جنسانيتها، كلما كانت مسيرة تحررها أسرع، فهي تسحق عن وعي فكرة الوعاء الجنسي وتؤسس لرغبتها بوعي، دون أن تسقط في فخ الذكورية المتفوقة أو النسوية المتطرفة.

أي أنّها تعي أنّها إنسان في الدرجة الأولى، بعيدا عن التقسيم الجنسي  ولها الحق في تقرير مصير جسدها وأن تمتلك كلّ مفاتيحه.

فمتى امتلكت المرأة مفاتيح جنسانيتها ستقرر بمفردها مصيرها بعيدا عن الغلوّ والتطرّف الحداثي والديني.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.