مجتمعاختيار المحررين

هل اتاك حديث الكانون؟

تراث مغاربي

This post has already been read 19 times!

 

مجموعة من التفاصيل البسيطة قادرة على أن تشكل صورة المجتمع وطبيعته وثقافته وهي مرآة تعكس تلك الفسيفساء التي تشكله دون تعقيدات سواء في كلماتنا وسلوكياتنا اليومية أو في مهن وحرف نجيدها ولا نقدر أهميتها.

تلك الحرف التي توارثتها أجيال وحملت مشعلها حتى لا تنسى وتبقى تقليدا مهما في تاريخ المجتمعات فكل ما حافظت عليها الشعوب تكون قد تمسكت بهويتها وأصالتها وبزاد ثقافي مهم.

 

 

ولعل تونس من بين الدول التي تزخر بإرث ثقافي كبير ومميز وبحرف يدوية مختلفة لا يزال الاقبال عليها متواصل ومن أهمها

صناعة الفخار نظرا لطبيعة المنطقة تاريخيا وجغرافيا وبمناخ يسمح باستخدامها على طول العام ومن أشهر الأواني التي تشهد اقبالا متزايدا من قبل الحرفاء نجد “الكانون”.

 

 

 

فهل اتاك حديث الكانون؟

من زار تونس يعرف قيمته المادية والرمزية لدى الناس، هو عبارة عن موقد يصنع من الطين ويوقد فيه الجمر أو الحطب وله استخدامات عديدة تجعل منه قطعة أساسية في كل بيت.

صناعة الكانون:

تمر صناعته بعدة مراحل تبدأ باختيار الطين وتنتهي بتجفيفه وعرضه للبيع.

فبعد تجهيز الطين الذي يمثل المادة الأساسية لصناعته يعمل الحرفي على تشكيله بما يناسب الحجم المطلوب والغاية منه فينتهي وقد حصل على قطعة من الفخار الصلبة المكتملة بشكل دائري ويثقب فتحاتها من فوق من أجل التهوئة.

 

 

 

 

يضيف اليها نقوشا ليقوم بتجفيفها في المرحلة التالية بالاعتماد على أشعة الشمس أو على النار.

هناك من الحرفيين من يعتمد على الطريقة اليدوية فيشكلها بيديه وهناك من يعتمد على القوالب التي تسهل عليه الكثير.

الكانون أداة للطهي

رغم انتشار الأجهزة الكهرومنزلية يبقى للطهي على الكانون نكهة مميزة ولا يجيد أيا كان اتقانها فهي تحتاج صبرا ودقة وتوجها تقليديا في الطبخ.

 

 

وللجدات والأمهات في ذلك عبر وحكايات فتجد احداهن جالسة في وسط الدار بجبتها المخملية الفضفاضة يتوسطها حزام وتستخدم قطعة قماش تغطي به رأسها ليستقر أمامها كانون مليء بالجمر المشتعل تضع فوقه اناء لتطبخ فيه وتضيف المواد الأساسية للطبق وتتركه يغلي ولا تضيف اليه سوى بعض الماء وقد تنتظر ساعات الى أن يحضر الطعام.

 

 

ومن أشهر المأكولات التي تطبخ عليه “الملوخية” واللحم المشوي خاصة في عيد الأضحى و”السلاطة المشوية” وغيرها من الأطباق التونسية..

وسيلة تدفئة لا يمكن الاستغناء عنها

يحكى أن النار فاكهة الشتاء فلا يمكن مقاومة برده الا بقليل من الدفء.

ولئن تعددت المواقد ووسائل التدفئة في هذا الفصل فان للكانون مكانة مركزية لدى العديد من العائلات التونسية وله قيمة ثقافية واجتماعية هامة.

 

فقد رسخ هذا الموقد ثقافة أجيال تناقلته وأصبح يشكل جزءا من الذاكرة الشعبية ليحاكي الماضي للحاضر وسيكون الحاضر ماضيا ليشهد للمستقبل الآتي عن عائلات تجمعت حوله لتروي حكايات وروايات وأساطير تأبى النسيان.

فعندما يشتد البرد وتنزل المطر يقوم أحد أفراد العائلة بإشعال الفحم وعادة ما تكون هذه مهمة الأم وأحيانا الأب ويعرض للهواء حتى يصبح جمرا ثم يتم إدخاله حيث يجتمعون وتجرى العادة بأن يوضع عليه قشور البرتقال ليضفي رائحة معطرة للمكان ويقلص من رائحة الفحم أو ابريق الشاي فتفوح منه رائحة زاكية ويدفئ العقول قبل البطون..

أداة فعالة لحرق البخور والمواد المعطرة

على خلاف العديد من البلدان العربية التي تقوم بحرق البخور في المبخرة يعتمد التونسيون على الكانون الذي يكون أصغرحجما من العادي ويخصص لحرق بعض المواد المعطرة على غرار العود والعنبر …

 

 

ويزيد الاقبال على هذه العادة في المناسبات الدينية الكبرى كالأعياد ورأس السنة الهجرية وذكرى مولد محمد عليه الصلاة والسلام فيحضر الفحم ويرش البخور عليه ليتصاعد دخانه وتنتشر رائحته الجميلة داخل البيوت وتنتشي الأرواح فيضفي “قدسية” على المكان.

منذ العصور الحجرية امتهن الانسان صناعة الفخار وتوارثتها أجيال وثقافات وهي الآن من أقدم الحرف وأعرقها في تونس ورغم التطور الحاصل والذي أدى بالضرورة الى تلاشي بعض المهن يبقى لهذه الصناعة حرفيون يمتهنونها وأناس يفضلونها ويقبلون عليها.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.