مجتمعالرئيسي

مبروكة العلاقية، شقيقة عمر المختار .. جاندارك ليبيا

المجاهدة التي أثخنت في الطليان

 

أن تولّي وجهك صوب تاريخ النضال والمقاومة ضدّ المستعمر الغازي في الوطن العربي، فتلك مغامرة ليست سهلة بالضرورة كما يمكن أن تتصوّر، لا فقط لصعوبة التمرين في حدّ ذاته بحكم هيمنة سرديّة واحدة عليه أهملت كل التفاصيل والسرديات المهمّة والمفصلية الأخرى، ولكن لكون من يؤرّخون ويدرّسون التاريخ يتجاهلون فلسفته. وليس أقل خطورة من ذلك أنّهم كسولون في البحث والإنتاج، ومجتهدون في تعميد السرديّة “الغازية”.

 

عندما قدم”الطليان” إلى ليبيا غزاة، كانوا يظنّون أنّهم لن يواجهوا مقاومة تذكر، بحكم التصوّر الذي كان لديهم عن طبيعة الشعب الليبي الذي اعتبره أحد جنرالات الحرب آنذاك “شعب بدوي مشتّت على رقعة جغرافيّة واسعة”.

 

فكان أن أنتجت حركة المقاومة الليبيّة أحد أبرز رموز حركات التحرّر في التاريخ، الشيخ عمر المختار الذي لا يكاد يوجد من لا يعرفه اليوم أو لا يعرف قصّة صموده وذوده عن الأرض والعرض، وحتّى محتوى المحادثة الأخيرة التي دارت بينه وبين “غراتسياني” والتي رشحت منها في الأذهان مقولة خالدة “نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت”.

ألهمت مسيرة أسد الصحراء أجيالا ولاتزال، حتّى أنه كان حاضرا في الثورات العربيّة بشكل كبير ومثير في ظلّ خواء الساحة العربيّة والإسلاميّة في القرون الأخيرة إلى “أسطورة كبيرة جامعة” وإلى قائد رمز، ولكن قصّة المختار نفسها قد حجبت قصصا كبيرة أخرى وأسماء لامعة أخرى لمن كانوا أشقّاء له في السلاح، أثخنوا في “الطليان” وروت صحافة الحرب الغربيّة فصولا من بطولاتهم، بل وتغنّت ببعضهم بأشكال مختلفة.

 

 

صورة للشيخ عمر المختار بعد تنفيذ حكم الإعدام

 

 

في الشعوب الذكوريّة، تسجن أدوار النساء في الرواية الشفويّة فحسب، ولاترتقي حسب رأي متناقليها إلى أن تكون قصصا ملهمة أو “زعامات نسائيّة” كبيرة وواسعة الانتشار، ربّما ذلك ما حكم على مبروكة العلاّقيّة بأن تكون منسيّة وأن تسقط من التاريخ رغم قصّتها الفريدة ومسيرتها المقاومة، وهي التي خلعت ثوب أنوثتها وهي تشهد حادثة مقتل والدها غدرا بالرصاص في خيمة العائلة، قبل أن تتحوّل إلى “مقاتل” في صفوف المجاهدين لا يبرز من أنوثتها سوى وشم بنقاط زرقاء على ذقنها.

 

 

المجاهدة مبروكة العلاقية

 

 

حلقت مبروكة العلاّقيّة شعرها، وتدرّبت على الرماية وركوب الخيل في سنوات الصغر، وتحوّلت بين المجاهدين إلى “الشيخ مبروك” مخترقة كلّ التقاليد والعادات والقوانين الأهليّة، وكانت ضمن الصفوف الأولى في الإغارات الشهيرة على أرتال من جيوش المستعمر التي قدمت من وراء البحار غازية أرضا لا ترى أن أهلها أجدر بها، فتفجّرت ألغام “دود الأرض” تحت أرجلهم في جغرافيات وعرة جعلت موسوليني وسيشليانو وبادوليو يعقدون الاجتماعات المتتالية، و يغيّرون الخطط والتكتيكات دون فائدة تذكر. فحتّى مشهديّة إعدام المختار قد عادت بالسلب عليهم وأشعلت جيوبا من المقاومة في معارك لا رجعة فيها حرّرت الأرض.

 

 

المجاهدة مبروكة العلاقية

 

 

كتب مراسل جريدة “بازل جورنال” السويسرية الذي كان يغطي العدوان الإيطالي على ليبيا متحدّثا عن “مبروكة العلاّقية”: “كانت تمتطي جوادا أسود، وتنادي رفاقها بالهجوم على الطليان والصمود , كانت بملابس الرجال, وكانت تقود المهاجمين, ورغم إصابة يدها اليسرى بجرح كبير، إلا أنها واصلت النداء للرجال بالصمود والاستمرار في الهجوم, إنها جان دارك ليبيا”، و بنفس الإعجاب كتبت تمدحها وشقيقاتها الكاتبة التركية “فاطمة علية”.

مبروكة العلاّقيّة، الشيخ مبروك أو جاندارك ليبيا، كلّها أسماء لنفس المسمّى، مجاهدة ليبيّة، كانت “شقيقة المختار” في السلاح، سطّرت جزءا من معارك تحرير ليبيا خالعة ثوب أنوثتها معلنة غضب أنثى عربيّة لنفسها ولأهلها ولأرضها دونما عقدة أو موانع.

 

خديجة الجهمي

 

 

ولم يكن مراسل “بازل جونال” وحده معجبا بها، فالمراسل الحربي الإيطالي كتب يقول “كنّا في السابق نرى المهاجمين متشابهين فوق خيولهم، لكنّنا رأينا مرّة بينهم امرأة في لباس الرجال لا تخشى صوت الرصاص، هذه المرأة أعجبت حتّى القائد الإيطالي نفسه بشجاعتها وإقدامها”.

الليبيّات اللواتي يأسرهنّ الخوف من طبيعة تقلّبات الأوضاع الصعبة في ليبيا اليوم، هنّ حفيدات “خديجة الجهمي” التي سطّرت تحت وطأة الاستعمار رسالة موجّهة إلى موسيليني تطالبه فيها بالرحيل عن أرض أهلها ومنح ليبيا استقلالها، قبل أن تتطوّع ممرّضة إبّان الحرب العالميّة الثانية لمداواة جرحى بنغازي تحت القصف.

و هنّ أنفسهنّ حفيدات “مبروكة العلاّقية” المرأة الليبيّة التي خلعت ثوب أنوثتها وحلقت شعرها ولبست ملابس المقاتلين الرجال والتحقت بالمجاهدين الليبيين كمقاتلة تحت قيادة “سوف المحمودي”، ثم كقائدة لمجموعة من الفدائيين الذين يهاجمون معسكرات وتجمعات الطليان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.