مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

“تجربة ستانلي ميلغرام ” وسيكولوجية الشرّ عند الإنسان

عندما تصدر الأوامر من سلطة فاسدة، الكثيرون مستعدّون للتنفيذ!

 

 في سنة 1960 عبّر مواطن يهودي لعالم النّفس الاجتماعي “ستانلي ميلغرام” عن خوفه من تكرار تجربة “الهولكست” في الولايات المتجدة الأمريكية، ورغم أنّ ستانلي رأى في بداية الأمر أنّ مثل هذه المخاوف لا  مبرّر لها في  بلدٍ ديمقراطيّ كالولايات المتّحدة الأمريكية ، فإنّ حجج اليهوديّ استوقفته وأثارت عدّة تساؤلات في ذهنه.

 

فألمانيا قبل الحروب التي دخلتها ، كانت بلدًا لا يتجاسرُ على حرق كتاب واحد فما بالك بحرق مجموعات من البشر، كما أنّه لا ضامنَ في وجود أشخاص في الولايات المتحدة ليس لهم استعداد للعمل في معسكرات الاعتقال لو أُمروا بذلك. وعلى هذا الأساس  فمن لا يرفض الانخراط في مثل هذا الصنيع ، لن يرفض إعادة تكرار تجربة الهولكوست مرّة ثانية  في الولايات المتّحدة.

 

كل هذه الأسئلة والفرضيات ألهمت عالم النفس “ستانلي ميلغرام” للقيام بتجربة أيقونية في تاريخ علم النفس الاجتماعي، للبحث في مدى استعداد المواطن الأمريكي للقيام بأعمال تتنافى مع قناعاته ، وخاصّة ما تعلّق منها بإحترام الذات البشرية.

التجربة

بعد نزول إعلان في جريدة يطلب أفراداً للمشاركة في دراسة علمية تجريها جامعة بيل الأمريكية، تقدّم جمعٌ غفير من المتطوّعين . ووقع اختيار ألف شخص، كانوا جميعا من جنس الذكور و تَتَرواح أعمارهم بين 20 و  50 سنةً، وينتمون إلى مستويات اجتماعية وثقافية مختلفة (موظفون، طلبة، أستاذة..)

فسّر “ستانلي للمتطوّعين الهدفَ المعلنَ من التجربة وهي اختبار يهدف لقياس أثر العقاب في عملية التّعلم وقوّة الذاكرة وهو أمر مخالف للغاية الحقيقية غيرالمعلنة، فالتجربة ترمي في الأصل إلى قياس مدى انصياع المشارك لأوامر السلطة المتمثلة في “عالِمِ النفس” الذي سيشرف على التّجربة ، و الهدف الحقيقي هو دراسة قياس مدى استعداد المشاركين لإطاعة سلطة آمِرةٍ بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم و قناعاتهم .

تتمثل التّجربة في إجراء قرعة وهمية بين مُتطوّع  و مُمثّل ينتمي إلى فريق الاختبار و يكون على دراية كاملة بما سيقع . يلعبُ المتطوّع  في هذه التجربة دائما دور المُعلّم بينما يأخذ الممثّل دور المتعلّم، فالقرعةُ التي تمّت هي جزء من سيناريو التجربة لإيهام المتطوع بأنّ ما يجري كان بمحض الصدفة.

 

 

ثم يتّجه كل من المتطوّع والمُمثل إلى غرفتين متجاورتين دون أن يريا بعضيْهما ، ويقتصران على التّواصل الشفوي .

يجد المتطوّعُ نفسه أمام طاولة مُجهّزة بلوحة مفاتيحَ لجهاز الصدمات الكهربائية الذي تتدرج قوّتها من” 30  فولت إلى 450 فولت”. يوّجه المتطوّع للمُمثل أسئلةً محدّدة ، وعلى المعلّم إخبار المتعلّم بخطئه في كلّ مرّة ، و أن يُعلِمه في كلّ مرة أيضا بمقدار قوة الصّعقة التي سيرسلها إليه . ومع كل خطأ يزيد المعلّم من شدّة الصّعق بمعدّل” 15 فولت”.

ما كان غائبا على المتطوّع هو أنّ “المتعلّمَ الممثلَ” الموجود في الغرفة الثانية لا يُصعق بل هو يدّعي الإصابة بالكهرباء ، والصرخات التي تتعالى من الغرفة المجاورة ليست سوى تسجيل صوتيّ لصرخات متدرّجة بحسب معدّل الصّعقات و يرافق الصرخاتِ تظاهرٌ بألمٍ شديد أَلمَّ بالمتعلّم جرّاء تدهورِ الوضع الصحّي لقلبه ، مع قيامه بضرب متواصل على الجدار الفاصل بين الغرفتين طلبا للرحمة والتوقّف.

يقول ميلغرام:” لقد قمت بإجراء اختبار بسيط لقياس كمّية الألم التي يمكن لشخص عادي أن يسببها لشخص آخر، تنفيذا لأمر صادرٍ عن عالمٍ يشرف على اختبار. سُلطةٌ مجردة تتعارض مع مبدأ (عدم إيذاء الآخرين) وهو ما يفترض أن يكون أحد أشدّ قيمنا صرامة، هذا (المبدأ) وتلك (السلطة) يلتقيان في تحدٍّ أمام صرخات الضحية (الممثل)

 

نتائج صادمة

قبل بدء الاختبار أجرى ميليغرام استبياناً وزّعه على مجموعة من علماء النفس حول توقعاتهم لنتائج الاختبار، فتوقّع أكثرُهم بأن عددًا قليلاً من المتطوّعين فقط  من سيصلُ إلى المرحلة النهائية بإرسال الصعقة القصوى . ورجحوا أنها ستكون بنسبة 1 . لكن في أوّل مجموعة تجارب أجراها ميليغرام وصل 65 ٪ من المشاركين  إلى الصعقة القصوى (450 فولط) وهي الصعقة التي تعني فعليا الموت.

وبالرغم من انزعاج بعض المتطوّعين واحتجاجهم على هذه التجربة إثر سماعهم لصراخ الممثلين وآهاتهم، فإنّ نسبةً كبيرةً منهم و تحت إلحاح العالم النفسي ، استمرّ بالعمل على الصّاعق لمدّةٍ أطولَ . فنسيَ المتطوّعون إنسانيتهم ، وأطاعوا العلماء طاعة عمياء متغافلين عن شدّة الصّدمات الكهربائية التي يرسلونها ومتجاهلين استنجاد المصعوقين وتوسّلاتهم .

الغريب في الأمر أنّ الكثيَرين استمرّوا بعد أن تلقّوا تطمينات تعفيهم من أي مسؤولية قانونية ، إضافة إلى أن بعض المشاركين دخلوا في حالة من الضحك الممتزج بانفعال شديد عند سماعهم صرخاتِ الألم الصّادرة عن المتعلّم الممثّل .

وفي حالة ما إذا أبدى المتطوّع في أيّ مرحلة من مراحل الاختبار رغبته في التوقّف عن العملية ، وجّه إليه العالمُ المشرف على الاختبار سلسلة متتابعة من التنبيهات، وفق التسلسل التالي:

“الرجاء الاستمرار… الاختبار يتطلب منك أن تستمرّ… استمرّ رجاء…

من الضروري أن تستمرّ… ليس لديك خيار… يجب عليك الاستمرار” .

وإذا ما ظلّ المشارك يعبّر عن رغبته المتكرّرة في التوقّف بعد ذلك، يتمّ إيقاف الاختبار،

كما يتمّ إيقاف الاختبار في حالة  قيام المتطوّع بتوجيه الصّعقة القصوى ذات شدّة 450 فولت ، مما يعني موت المتعلّم.

 

 

افترض عالم نفس الشر “زيمباردو”  أنّ مقدار الشّر في هذه التجربة  بدأ بمقدار صغير وهو” 15 فولت”، بمعنى أنّ المتطوّع رأى أنّ هذا المقدار بسيط جدًّا ولا يمكن أن يؤذيَ أحدًا، ولذلك لن يستطيع تقديرَ قيمته الحقيقة عندما يصل إلى” 400 فولت ” وإن كان يعنى ذلك الموتُ. وحينها لن يدرك الفاعلُ الدّوامة التي انخرط فيها، لأنّ مقدار الشرّ وصله بطريقة مقسطّة  متدرّجة ، ولأنه سمح لنفسه بتبسيط الأمر منذ البداية. وهو نفس الأمر الذي يحدث مع  آمر السجن في المعتقلات الفاشية، فعندما تأمره السلطة بإخضاع السجين وتعذيبه، فهي تقنعه بذلك على مراحل عدة، وكذلك يتصرّف كلّ من تناسى ضميره في زخم موجة الشرّ التّي يوضع فيها.

ويري “زيمابردو” أيضا أن ما حدث خلال التجربة هو نتيجة طبيعية لما يٌطلق عليه في علم النفس الاجتماعي “اللّاتفرد” ” Deindividuation وهو فقدان الهويّة الذّاتية أو الوعي بالذات في سياق الحالة الاجتماعية، فيدركُ الفرد نفسه عن طريق دوره الذي يؤديه لا عن طريق معاييره الأخلاقية والاجتماعية باعتباره فردا.

وتقترح هذه النظرية أنّ إحساس الفرد بالمسؤولية الشخصية يتناقصُ عندما يجد سلطة تأمره وتذوّب شخصيته لاسيما إذا ما اكتستْ هذه السلطة مسحة شرعيةَ  “عالمٍ يرتدي بزة بيضاء في مختبر علميّ”وبالتالي يميل الإنسان إلى فقدان الموانع الفردية والمعايير الاجتماعية والأخلاقية.

 

 

 

الناس يقتدون ببعضهم البعض 

رأى المشرفون على هذا البحث أن مجموعةً من العوامل قد تزيد في تنمية مقدار الطاعة أو تخفيضها ، ولذلك وقع تقسيم المتطوّعين إلى مجموعات صغيرة تحتوي كل واحدة منها على خمسين متطوعًا .ويقعُ في كل مجموعة إضافةُ متغيّرٍ تجريبي لفهم محفّزات الخضوع.

ولأنه كثيرا ما ترتبط الطّاعة والعصيان بالجماعات، توقّع المشرفون على ضوء دراسات عدّة أنه من الممكن أن يكون للجماعة تأثيرٌ واضح على ردود الأفعال تجاه السّلطة . ولذلك عمدوا في أحد المجموعات إلى إضافة “متغيّر تجريبي” ، تَمثّل في حشر ممثلين وسط المتطوّعين، ولكن يلعبون هذه المرّة دور المعلّم، والمطلوب من الممثل أن يؤدي دورَ المتمرّد فيعلن أنّه لن يستمرّ في صعق المتعلم إذا ما أخطأ . في هذه الحالة لاحظ القائمون على الاختبار أنّ المتطوعين يقلّدون المتمردين على أوامر العالم النفساني ويرفضون مواصلة تجربة الصّعق.

 

 

يشير “ميلغرام” إلى أن النتائج التي تابعها في المختبر مقلقةٌ جدا، ويرجّح أن الطبيعة البشرية وحدها غير كفيلة بالاعتماد أو الثقة أو الاعتماد الكلي  لتُبعد الإنسان عن القسوة، والمعاملة اللّاإنسانية . فعندما تتلقى الأوامر من سلطةٍ فاسدةٍ نسبةٌ كبيرة من النّاس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون دون التفكير فيما سيلحقه الأمر من ضرر بالبشر، مادامت الأوامر صادرةّ عن سلطة شرعية.

 

 

فعندما رفض الممثّلون الانصياع للأوامر تبعهم في ذلك 90 ٪ من المشاركين وتحدّوا العالم . أمّا في تجربة أخرى فعندما نفّذ الممثلون أوامر السلطة بحذافيرها، لم يقم المتطوّعون بأي ردة فعل تُذكر.

في هذا الإطار نستحضر ما أشار إليه غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير وهو أنّ الرّوح الفردية للأشخاص تنصهر داخل جماعة لتصبح روحاً واحدة ، فتنخفض الملكات الذهنية الذاتية والتمايزات الشخصية و تنحسرُ القناعات والمبادئ، فيسهلُ على الفرد أن يقوم بتصرفات سلبية لم يكن يفكّر فيها يوما و لا يستطيع القيام بها منفردا مثل عمليات الاختطاف والتحرش والاجرام والقتل.

 

 

 

سيكولجية الخضوع و الطاعة 

إن الفرد الخاضع لسلطة ما، لا يرى نفسه مسؤولاً عما يبدر منه من سلوك، إذ يرى نفسه بيدقا على رقعة شطرنج تحركّه أيادٍ علوية . وخلال التجربة التفت رجل إلى العالم وسأله:

“الرجل سيموت… من سيتحمّل المسؤولية ؟” وبمجرّد أن قال له المُختبِرُ أن  المسؤولية الكاملة تقع على كاهل المشرفين حتى استمرّ المتطوّع  في عمليةّ الصعق دون شعور بالخوف. ثمّ إذا توغّل الشخص في التجربة غدَا مشغولاً بالتفاصيل الدّقيقة لإجراءات التجربة، أي أنه يصبح ّمطبوعاً ومأخوذا،فيفقد بصيرته وسيطرته على أفعاله بصورة كاملة، وإن بدت عليه علاماتُ الإرهاق والتعب الناتجة عن الضغط النفسيّ و الصراع بين الضمير والتزامه بالطاعة.

 

 

أثار قبول الشعب الألماني لنظام معسكرات الموت في العهد النازي الكثير من الأسئلة المتعلّقة بالطبيعة الإنسانية والخضوع للأوامر السلطوية، وقد مثّلت هذه الأسئلة شرارة انطلاق تجربة فارقة في تاريخ علم النفس ،أعيدت في أكثر من بلد و كانت النتيجة متقاربة بشكل كبير

فجعلت الإنسان يتساءل أولا عن المدى الذي تستطيع أن تصل إليه السلط في إخضاع الفرد وتجيشيه لتحقيق مصالحها، وثانيا عن مفهوم الشر من زاوية جديدة فكما يقول دوكستويفسكي” أسهل شيء أن تُنكر على فاعل الشرّ فعلته و أصعب شيء أن تفهمه.

 

 

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.