ثقافة

الكسكسي طبق وحدة وهويّة

 

 

 

يعتبر الكسكسي الأكلة الشعبية الأولى بدول شمال إفريقيا دون منازع، إذ تحرص العائلات على إعداده بطرق تقليدية ليكون مؤونة طيلة السنة ويسمى في تونس ب”العولة”، ويقع تحضيره في طقس احتفائي بين نساء العائلة والجيران، فهو ليس مجرّد أكلة فقط بل يرمز أيضا إلى التكاتف والتعاون بين الأسر.

 

 

 

ورغم وجود الكسكسي المعلبّ مازلت بعض العائلات مصرّة على تحضيره في المنزل، المكوّن الأساسي لهذا الطبق، القمح الذي تمّ طحنه وتحويله إلى دقيق ثمّ تقع غربلته بغرابيل متنوعة بإضافة القليل من الماء والملح في القصاع التي تتحلق حولها النساء ويهزجن بالأغاني التراثية القديمة ويرتحن بين الحين والآخر لشرب الشاي أو المياه الغازية التي يحملها رجال العائلة تحفيزا لهن على العمل.

 

 

 

تقوم ربّة البيت بتحضير الكسكسي الذي حضرّ في نفس اليوم باللحم والخضروات ويسمّى بالكسكسي الأخضر، حفاوة واعترافا بجميل ضيفاتها اللواتي ساعدنها في إعداد مؤونتها. وبعد أن تتم عملية غربلة الكسكسي بالماء يجفف فوق ملاحف بيضاء تنشر فوق السطوح وتحت أشعة شمس الصيف إذ لا يحضر الكسكسي إلا صيفا لينتفع به بقيّة فصول السنة، صورة ملاحف الكسكسي المنتشرة فوق السطوح مظهر يحيلنا على إحدى أوجه الهويّة المغاربية.

 

 

 

يعود تاريخ الكسكسي إلى ما قبل الميلاد، وتنسب أصوله للأمازيغ، السكان الأصليون لدول شمال إفريقيا. وفي هذا السياق ذكر المؤرخ شارل اندريه جوليان أكلة “الكسكسي”  في كتابه “تاريخ شمال إفريقيا” إذ يقول في إحدى صفحات الكتاب “اشتهر الأمازيغ في كل العصور بقوة بنيتهم وطول أعمارهم، … وقد كانوا قنوعين ونباتيين في غالب الأحيان وقد كان الفلاحون يأكلون الكسكسي منذ العهد الروماني”.

 

 

 

 

ويعتبر هذا الطبق طبق الولائم والأفراح وطبق الأحزان أيضا، فكما يقدّم في الأعراس مزينا باللحم والخضروات ويمكن إضافة البيض والزبيب والحلوى، فإنّه يقدّم شاحبا في الجنائز لا يوجد سوى حبّات الحمص وقطع اللحم، إنّه طبق موغل في الرمزية تجاوز أن يكون مجرّد أكلة، بل أيضا يحمّله المغاربيون مشاعرهم وأحزانهم، طباعهم التي لم تتغيّر منذ قرون الحفاوة بالضيف سواء الذي قصدهم في فرح أو مأتم.

 

 

 

نقل الكسكسي إلى فرنسا ومطاعمها وأصبح يقدّم في مطاعم جزائرية ومغربية وتونسية، “الكسكسي” طبق المستعمرات القديمة التي  ارتكبت فيها فرنسا الاستعمارية أبشع المجازر ضدّ الشعوب والمقاومين، بل وأصبح الأكلة المحببة لدى الفرنسيين، لعلها من مصادفات الأقدار أن يأكل المستعمر بحبّ ونهم طبقا من أطباق مستعمراته القديمة التي مارس عليها كلّ عقد الاستعلاء والتفوّق.

 

 

 

 

لقد اعترف الفرنسيون من خلال إقبالهم على الكسكسي المغاربي بهويّة دول شمال إفريقيا التي حاولوا فرنستها لعقود طويلة وصلت إلى قرن ونيف في الجزائر.

أثار طبق الكسكسي أزمة سياسية في فرنسا السنة الماضية بسبب تواجد الرجل الثاني في حزب مارين لوبان المتطرّف النائب ” فرانسوا فيليبو ” في إحدى المطاعم وأمامه طبق من الكسكسي، وقد وردت تعليقات عنصرية مقيتة بشأن هذا الموضوع واعتبر شقّ من الجبهة الوطنية، اليمين المتطرف الفرنسي، أنّ هذا الأمر معارض تماما لمبادئ الحزب المعادي للمهاجرين وثقافاتهم.

 

لقد تجاوز الكسكسي قيمته الغذائية إلى قيمة وجودية أخرى، إنّه يرمز إلى الهويّة لمجتمعات لم تفقد خصوصياتها الثقافية بل مازالت تحتفظ بجزء كبير منها كنوع من المقاومة ضدّ ثقافة العولمة “البيتزا والهامبرغر “. وأيضا مازال يذكر الفرنسيين بعقود طويلة من الاستعمار والاستعلاء الفرنسي ضدّ شعوب قدّمت لمقاوميها الكسكسي في الكهوف حضرته النسوة في ديارهن وحملنه للمقاومين نحو الجبال والمغاور، لم يخفن سلطة المعتدي ولا ترهيبه من أجل أن تشرق شمس الحرية يوما على بلادهم.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.