الرئيسيثقافةغير مصنف

النســـــــــــــــــــــــاء في حياة غابرييل غارسيا ماركيز

 

 

أعترف بوضوح أنّي هجست بمذكرات الروائي الكولمبي الراحل غابرييل غارسيا ماركيز “عشت لأروي ” مرّات كثيرة وأنا أتنقل بانسيابية بالغة بين فصول ذاكرة  صمدت في وجه النسيان، ذاكرة اختلطت فصولها بين الطفولي بالسياسي والعبثي بالعاطفي والإبداعي دون أن ينفصل فصل عن آخر بل بالعكس كانت فصولها مترابطة بشكل محكم.

 

” الحياة ليس ما يعيشه أحدنا، إنّما ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه ” هكذا كتب ماركيز وهو يحاول استنطاق ذكرياته لتتحول عدّة مرّات إلى وثائق تاريخية يمكن أن نقرأ على ضوءها خلالها مسار اليسار في أمريكا اللاتينية من خلال شخوص كثيرة أشهرها فيدال كاسترو الذي كان حاضرا في هذه المذكرات.

 

غارسيا ورفيقة دربه مارسيدس

 

كتب غابرييل غارسيا ماركيز نفسه بتجرّد وبموضوعية في كثير من المواقف والمراحل المرتبطة بنشاطه السياسي والطلابي والإبداعي دون أن يسقط في النرجسية الداء الذي يصيب الكتاب والشعراء فتصبح ذواتهم متورمة ومتقيحة تثير شفقة أو سخرية من حولهم، كان ماركيز واثقا بما يقول، واثقا بما فعل، واثقا من حرفه أنّه سيخترق أعماق القرّاء وهم يبحثون بين الصفحات عن أسراره وعن عبق أمريكا اللاتينية التي لا نعرفها جيّدا كما يعرفها كاتبنا العظيم.

 

 

أكثر ما لفتني في هذا النصّ أي المذكرات علاقة غارسيا ماركيز بالنساء التي بدأت مبكرا في عائلة وفيرة العدد بين أمّه وأخواته وجدّته وخالاته وعماته، فهمت من خلال ما كتب عنهن لماذا كتب ماركيز عن النساء بحبّ ولطف، عن الغانية والعاشقة وعن الأمّ والشقيقة، وفهمت سرّ هشاشته الصادقة مع النساء التي ظهرت في رواياته وفي وصفه لشخوص النساء في نصّه.

 

 

 

حمل قلم ماركيز تفاصيل مدهشة عن عالم النساء بأنواعهن الكثيرة، كانت البداية انطلاقا من حضور والدته التي رافقها في مستهل كتابه إلى مدينة اركاتاكا بساحل الكارييبي وهي المدينة التي عاش فيها غارسيا ماركيز بعضا من طفولته والتي شهدت مولده في بيت جدّه الذي سيباع وهو سبب رحلة الأمّ مع ابنها ، في زمن الرحلة المفاجئة بين الابن وأمّه كان سنّ غارسيا  23، شابّ عشريني طافح بالحياة ويحلم أن يصبح كاتبا وصحفيا في ظلّ رفض العائلة لطموحاته إلا أنّه قاوم هذا الرفض طويلا إلى أن وجدت والدته الوصفة السحرية لإقناعه بتحقيق حلمة بشرط النجاح في الدراسة واقتلاع شهادة جامعية وهو ما يظهر ذكاء الوالدة في تعاملها مع ابنها وأبنائها العشر الآخرين.

 

 

طيلة الصفحات المتتالية نلاحظ تعلق الكاتب بوالدته حتى وإن غابت في بعض الأحيان إلا أنّنا نلاحظ وجودها الخفيّ ربّما لأنهما متشابهان كما باح لها في نقاش دار بينهما حول رغبة ماركيز أن يصبح كاتبا ورغبة والده في أن يحصل على شهادة جامعية.

 

– لا أدري لماذا تلحين إلى هذا الحدّ، مع أنّك تعرفين جيّدا أنني لن استسلم-قلت لها -.

فنظرت إلى عيني على الفور وسألتني مبهورة :

-ولماذا تظن أنني أعرف

– لأننا أنا وأنت متشابهان (ص 32)

فاضت تفاصيل الأمّ كثيرا في معظم صفحات الرواية بل ربّما أجزم أنّ محبّة ماركيز لوالدته وتقديره لها كانت سببا في أن يكون رحيما وشغوفا بالنساء ” كانت أمّي تمشي منتصبة جدّا بخطواتها الخفيفة، متعرقة بصورة تكاد لا تلحظ في فستانها الحدادي، وبصمت مطلق. ولكن شحوبها القاتل وجهها الحادّ كانا يشيان بما يحدث لها من الداخل. ص 36، في صفحة أخرى نلاحظ انبهار الكاتب بوالدته وتعلقه الشديد بها منذ طفولته وهو يبحث من خلال الذكريات عن وجه والدته وتفاصيلها الصغيرة حتّى أننا نخال أنّ الكاتب شاطر والدته طفولتها بل وكان حاضرا معها” لقد أدركت، منذ أن بدأت الوعي ضخامة وثقل تلك المأساة في بيتنا. ولكن تفاصيلها بقيت غائمة.فأمّي لم تكن قد بلغت الثالثة من عمرها، تذكرتها على الدوام، كحلم غير محتمل وكان الكبار يشوشونها أمامي لتختلط الأمور عليّ “.

 

 

ربّما ينبهر البعض بتفاصيل التحوّلات السياسية والثقافية التي شهدتها كولومبيا مسقط رأس الكاتب وموطنه الأصلي طيلة القرن السابق إلا أنّي كنت منبهرة بعلاقة ماركيز بالنساء اللواتي مررن في حياته وقدرته العجيبة في سرد تفاصيلهن الكثيرة وتعاطفه الواضح مع هواجسهن وأحزانهن ربّما يعود هذا إلى تأثير النساء في طفولته وحضورهن الباذخ في بيت الجدّ ” أظن أني مدين، بجوهر طريقتي في الحياة والتفكير، لنساء الأسرة ونساء الخدمة الكثيرات اللواتي رعين طفولتي”، يظهر تعاطف ماركيز مع قصص الحبّ الممنوعة مع العاشقات المقهورات وهو يتحدث عن عشق أبيه لأمّه وكيف ناضل كلّ منهما من أجل المحافظة على هذه العلاقة وتتويجها بالزواج كما يتحدث عن صبر والدته على طبائع والده الغريبة وصولا إلى خيانته ما بعد الزواج وكيف تقبلت طفل زوجها وأدمجته داخل العائلة والسبب أنّ دمه الذي يسري في عروقه هو نفس الدم يسري في عروق أبنائها.

 

مع مارسيدس وابنيهما

 

 

وزّع غابرييل غارسيا ماركيز محبته على جميع النساء حتى ولو كانت امرأة عابرة ولكن ماركيز لا يؤمن بامرأة عابرة لكلّ امرأة نصيب في كتابه حتى ولو عاش معها بضع لحظات، يتحدث ماركيز في إحدى الصفحات عن  نساء ينتمين إلى معشر الغائبات أو العابرات كما يقال ” في بيت برينسي الجميلة البعيدة عن كلّ الأحكام المسبقة التي حالفها حسن الحظ بعدم الزواج منّي لأنّها كانت مجنونة بحبّ شخص آخر، أو في مكتب التلغراف، حيث كانت ساريتا التي لا تنسى تبعث بالدين وقد دفعت لي أكثر من مرّة قيمة الحوالات مقدّما لتخرجني من المازق . ومع ذلك فإنّ أقلهن بعدا عن النسيان لم تكن محبوبة أحد بعينه وإنّما حورية محبّي الشعر جميعهم اسمها سيسيليا غونثالثبيثانو”.

 

 

طيلة رحلتنا مع فصول ذاكرته لم نقرأ لماركيز حتى ما بين السطور تحقيرا للمرأة بل كان نصيرهن ورفيقهن ، رفيق المغمورات والمنسيات والمهمشات وبائعات الهوى كنّ حاضرات في ذكرياته وكأنّه يحاول أن يعرّف المرأة بأنّها وجوه كثيرة من نساء كثيرات مختلفات ولكن يليق بهنّ الحبّ والاحترام.

 

نكتشف طيلة الصفحات (680 ص) حياة ماركيز الكاتب والصحفي والراقص والمشاغب والشغوف والعاشق وصولا إلى ماركيز المناضل واليساري الذي ناضل طويلا من أجل قضايا الحرية والكرامة والمساواة، أوجه كثيرة لشخص واحد جعلت منه أن يكون أيقونة من أيقونات الأدب في أمريكيا اللاتينية.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “النســـــــــــــــــــــــاء في حياة غابرييل غارسيا ماركيز”

  1. أسلوبك أستاذة خولة كالعادة فريد يتميز بسلاسة اللفظ و عمق المعنى و الوسطية و هذا ما يجعله يشغل دائما إطار المعقول ،و هذه المباديء تجعل من أبحاثك مرجعا يؤخذ به لا رأيا شخصيا يفرض فيرفض..تحية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.