اختيار المحررينثقافةغير مصنف

النرجسية: بين عشق الذات والاضطراب النفسي

 

تتموضع تحت أشعة الشمس، ترفع كاميرا الهاتف إلى الأعلى، تتأمّل عينيها لوقت طويل وتضيع في جمالهما، تعدّل أحمر الشفاه مرات عدة، تخبر نفسها كم أنها جميلة، ثم تحدّق في انعكاس كامل وجهها على شاشة الهاتف، تغرق في التقاط مئات صور السِّلْفِي ، فتسقط في قاع شبكات التّواصل الاجتماعي ولا تخرج منها      أبدا …

 

مشهدٌ يتكرّر للآلاف الفتيات والشبان الذين أصبحوا يعيشون في فلك ذواتهم، فيُذكّرنا بأسطورة “نرسيس” في الميثولوجيا اليونانية . و”نرسيس “هذا كان صيادًا شديدَ الوسامة ، وكثير الإعجاب بنفسه، لدرجة أنه حين رأى انعكاس صورته في البحيرة ولعَ بها ، دون أن يُدرك أنها مجرّد صورة مرسومة على سطح الماء. ولشدة تعلّقه بها عجز عن مغادرة مكانه ولم يعد يرغب في  مكان آخر، وطفقَ يحدّق في جمال وجهه إلى أن وقع في الماء فغرق. و ظهرت بعد فترة من غرقه في البحيرة أزهار نرجس جميلة ، فاقترنت باسمه  وبكل منّ يقع في حب ذاته… من هنا أتيت تسمية النّرجسية.

 

وتوّضح هذه الأسطورة الفكرة الأساسية للنرجسية ، وهي أن حبّ الذات قد يكون مؤذيًا للنفس، لكن صفة النّرجسية لا تعدُّ مجرّد صفة سيئة عند علماء النفس بل هي مجموعة من السّمات المصنفة في الدّليل التّشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM.

 

ولقد اختلطت المفاهيم بعد أن أصبح وصم الإنسان بالنرجسي أمرا شائعا بين الناس دون تدقيق  ، لذلك سنحاول توضيح بعض الخطوط العريضة للاضطراب النرجسي.

 

فهل يمكن أن نعزوَ حبّ النفس والاعتزاز بها وحمايتها أمرا خطيرا؟ وكيف يمكن أن نتعرف على النرجسية المرضية؟

 

 

النرجسية

النرجسية تعني حبّ الذات أو الأنانية المفرطة ، وهي مجموعة صفات تجمع بين الغرور والتّعالي والشعور بالأهمية ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين. إذ يعتقد النرجسيون أنهم الأفضل والأذكى والأهمّ، وبأنهم جديرون بمعاملة خاصّة . ويصنّف علماء النفس النرجسية كصفة شخصية إلى صنفين: نرجسية متضخمة ونرجسية هشّة.

 

تعدُّ النرجسية المتضخمة من أكثر الأنواع انتشارا ، وتتميز بالانفتاح على الآخرين والسيطرة عليهم في آن. ويتّصف النرجسيون المتضخمون  بالبحث الدائم عن إثارة الانتباه والسعي إلى السلطة. ويُكثر هذا النوع من النرجسيين في أوساط السياسيين، والقادة والمشاهير كالفنانين والممثلين والمثقفين.

 

 

 

وقد صنف علم النفس عدة شخصيات تاريخية  باعتبارها شخصيات نرجسية مثل “هتلر وشارلي شابلن وستالين…”

لكن يجب أن نحذر من التعميم، فليس كلّ من يسعى وراء مناصب السلطة يعدٌّ شخصا نرجسيا.فمنهم من يتوق إلى استغلال أقصى مهاراته ،أو المساعدة في تحسين حياة الناس عكس النرجسيين الذين يسعون إلى القوة والسلطة والجاه لما يرافق هذا من اهتمام مخصوص بهم  والإعلاء من شأنهم وهي غايتهم الأساسية التي يعيشون من أجلها .

 

أما النّرجسية الهشّة فهي تطبع نوعا من الأشخاص الهادئين والمتحفظين. إذ لديهم حسٌّ عالٍ من الاستحقاق، و يسهل تهديدهم وإهانتهم . بل يعاني البعض منهم من صعوبة إقامة علاقات مع الآخرين ، سواء منها العاطفية أو العملية.

 

وفى كلتا الحالتين، يميل النرجسيّون إلى التّصرف بأنانية ، فقد يتّخذ القادة النرجسيون قرارات مجازِفة  دون اعتبارٍ لخطورتها على أوطانهم أو شعوبهم، كما يمكن أن يكون الشركاء النرجسيون مخادعين ومستنزفين للطاقة، وعندما يحاول أحدهم انتقادهم فمن الممكن أن يصبحوا عدوانيين .

 

 

الاضطراب النرجسي

قد يتحوّل الأمر ليصبح نوعا من  “اضطراب الشخصية النرجسية – Narcissistic personality disorder  ” وهنا تتحوّل المسألة لتصبحَ أكثر خطورة ،لأنه اضطراب مزمنٌ وشامل يصيب الشخصية، ولهُ صفاته وملامحه السلوكية. ويصنّف باعتباره واحدا من ضمن عشرة اضطرابات للشخصية في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM IV TR 2000).

 

في هذا الاضطراب يتضخّم شعور الشخص بأهميّته ، وتتولّد فيه حاجة ماسة لأن يكون موضع إعجاب عند الجميع، وتتدنّى عنده مشاعر التّعاطف مع الآخرين كما يعاني المصاب به من صعوبة التّعاون مع الآخرين.

 

وعند التطرّق إلى الاضطراب النرجسي يجبُ الإشارة إلى أنّ هذا النوع من الاضطرابات يمكن أن يختلط بعدة أمراض نفسية مشابهة “كَالسَّاديّة” التي تخلق “نرجسية خبيثة” ، و يمكن أن يتقاطع مع الشخصية الهيستريائية ،والشكّاكة والانطوائية،    و اضطراب جنون العظمة.

 

 

كيف يتكون الإضطراب النرجسي؟

رغم أن الطبيب “هافلوك إليس” هو أوّل من استخدم مصطلح النرجسية، فإنّ “فرويد” يعدُّ أوّلَ من استخدم هذا المفهوم من زاوية التحليل النفسي، وقد فسرّ أننا نمتلك جميعاً رغبات نرجسيّة أو حبّا لذواتنا. ويعدّ ذلك من الاحتياجات الطبيعيّة التي يجب إشباعها، لأنها تشكّلُ مرحلةً من النّمو تتطوّر فيما بعد إلى حبّ للآخرين. لكن في حال عدم إشباع هذه الرّغبات يحدث الانكفاء على الذات والتثبت عند مرحلة حبّ الذّات الأولى.

 

فالنرجسيّة المرضيّة من وجهة نظر تحليليّة، هي نتيجةٌ لعلاقة باردةٍ غير متعاطفة وغير ثابتة مع الأبوين في مراحل الطّفولة الأولى، لذلك تُعتبر تعويضا مرضيّا عن تلك المرحلة.

 

وقد تمّ لاحقا توسيع نطاق فكرة فرويد “الأذى المبكّر للذات (الأذى النرجسي)” من خلال مجموعة كبيرة من المحللين النفسيين مثل “كارل أبرهام” الذي رأى أنّ سببها هو التعرّض في الطفولة لضربات موجّهة للنّرجسية من خلال فقدهم الإشباعَ النرجسيَّ.

 

ووفق المحلّل النفسي “هاينز كاهوت” فإن الغضب ضدّ الإخفاقات البيئية المبكرة التي تترك المرضى يشعرون بالسّوء حيال أنفسهم بعد تعرضهم في مرحلة الطفولة لتحديات على نحو مفاجئ هي نتاج لذلك الحدث السّيء . فالشخص المصاب بالنرجسية يشعر بأنه يُعوض نفسه عن مساوئ مرحلة سيئة ما، أَلمّت به في حياته كالمرض أو موت أحد المقربين.

 

 

النرجسية وثالوث الظلام

 ثالوث الظلام أو الثالوث المعتّم هو موضوع في علم النفس يرّكز على ثلاث سمات في الشخصية المضطربة، وهي النرجسية و المكيافيلية ، والاعتلال النفسي . وقد سمّي بالثالوث المظلم لأنّ هذه الشخصيات تعتبر مظلمة وحاقدة…

والأشخاص الذين يتّسمون بدرجة عالية من هذا الثالوث المعتّم يكونون أكثر عرضةً لارتكاب الجرائم، وخلق مشاكل حادة في البيئية المحيطة، لاسيما إن كانوا في مناصب قيادية.

و على الرّغم من أن العناصر الثلاثة المكونة للثالوث المظلم متباينة من جهة المفاهيم، إلا أن الأدّلة التّجريبية توضّح أنها متداخلة، وتكون مصاحبة لنمط الشخصية القاسية-المتلاعبة.

الأعراض

من أبرز الأعراض التي نجدها عند المصابين بالاضطراب النرجسي نجد:

تضخيم قيمة الذات ، والانشغال بخيالات النجاحات كالقوة والذكاء والجمال، إذ يعتقد المصاب بالاضطراب النّرجسي بأنه شخصية متميزة وبأنه عصيٌّ عن الفهم   إلاّ من قبل المتميزين مثله، لذلك فهو توّاق للإعجاب والإطراء لأنه يظن أنّه يستحقّ أن يكون متميزا وأن يُعامَل بشكل استثنائي.

قلّما يتعاطف هذا النوع مع الآخرين ، لذلك فهو يحاول التركيز على ذاته في العلاقات الشخصية التي يعسر عليه المحافظة عليها، إضافة إلى أنه يكون مفرط الحساسية تجاه الانتقادات ، وليست له القدرة على النّظر إلى العالم من منظور الآخرين وليس لديه شعور بالنّدم أو الامتنان.

 

 

 

تأثير وجود مضطرب نرجسي في حياتنا

رغم أن بعض السمات النرجسية تظهر على الكثير من الناس، فإن اضطراب الشخصية النرجسية يصيب قرابة 8% من الرجال ونحو 5 % من النساء، لذلك يعدّ خوض علاقة حب أو زواج مع رجل نرجسي تجربة صعبة، ولكنها لا تقل صعوبة عن  الانفصال نظرا للضغوطات والتلاعب “Manipulation” التي يقوم به الزوج النرجسي.

وفي هذا الإطار تقدم الاختصاصية في العلاقات الأسرية  “كاريل مكبرايد”  في كتابها “هل سأتحرر يومًا منك؟” مجموعة من النصائح إذا فكّر المرء أن يطلق نرجسيّا.

وقد جاء في حوار لها في نيويورك تايمز،  أنه عندما يكون شخصٌ ما مفعما بإعجابه لذاته وكثير التباهي والحديث عن نفسه، فإن هذا لا يضرًّ أحدا ، لكنّ المشكل في التعامل مع “اضطراب الشخصية النرجسية”، ومعايشة شخص غير قادر على التعاطف مع الآخرين أو الاستجابة عاطفيًا للشريك أو الأطفال. فما يميز النرجسيين هو أنّهم عادةً ما يبدؤون العلاقات بأسلوب ساحر ومغرٍ، لكن سرعان ما يتحول الأمر إلى حرب عاطفية.

فعندما يدخل الناس في علاقة مع شخصيات نرجسية، فإن العلاقة تتحول لتجربة مريرة للغاية بالنسبة لهم ولأطفالهم الذين قد يتحوّلون بدورهم إلى أطفال نرجسيين. وحين يتخذون قرار الرحيل عن هذا الشريك لإنقاذ ما تبقّى من أنفسهم ويتقدمون بدعوى للحصول على الطلاق، فإن الكابوس يزداد بشاعة…

ففي هذه الحالة فإن هذا لن يشبه الطلاق العادي، لأن هذه الشخصيات لا تستسلم أبدًا، فهم يسعون للانتقام، وتعتبر المحاكم بيئة مثالية للنرجسيين، حيث يمكنهم خلالها الدخول في معركة مع الشريك والسّعي باستمرار للانتقام منه.

 

 

فهل من حلّ للاضطراب النرجسي  ؟

تجدر الإشارة إلى أنّ أصحاب الاضطراب الشخصية النرجسية لا يسْعَوْن لطلب المساعدة، علاوة على افتقارهم إلى القدرة على التواصل مع مشاعرهم وميلهم لإلقاء اللّوم على الجميع، فمن الصّعب جدّا علاجهم، إضافة إلى أنهم لا يعترفون باضطرابهم لتلقّي العلاج.

تقوم طرق علاج اضطرابات الشخصية النرجسية  على العلاج النّفسي . ولا تُوجد أدوية معينة خاصة بهذه الحالة ولكن ينصح ُبمضادات الاكتئاب لتحسين الحالة المزاجية  في علاج حالات الاضطراب من هذا النوع.

ومن أهمّ أنواع العلاج النّفسى الذى يمكن تقديمة : العلاج المعرفي السلوكي حيث يهدف لاكتشاف الأفكار والسلوكيات الخاطئة واستبدالها بأخرى صحيحة . أما العلاج الأسَري فيكون بالاشتراك مع الأسرة كلّها في جلسات، بهدف التعرف على المشكلات ومواجهتها. ويعدّ العلاجُ الجماعي طريقة أخرى جيدة حيث يتقابل المريض مع آخرين يعانون من نفس المشكلة بهدف تبادل الخبرات و الاعتراف بالأخطاء.

و يتطلب العلاجُ صبرا ووقتًا طويلا لأن الشخصية النرجسيّة تتكوّن بصورة متدرّجة على امتداد سنوات ، فيكون الهدفُ العاجل من العلاج هو التّعامل مع المشكلات الخاصّة بالإدمان أو ضعف الثقة بالنفس ،أما الهدف  الآجلُ  فيتمثل في تغيير القناعات والسلوكيات وإعادة تشكيل الشّخصية.

 

 

ذكرنا في المقدمة تشابه قصّة الفتاة المهووسة بتصوير نفسها مع أسطورة “نرسيس”، ورغم أن الباحثة النفسية “جيسى فوكس” ترى أن المهُوسِين بالسِلْفِي ليسوا بالضرورة نرجسيين، لأن هذا السلوك أصبح يمثلُ الاتجاه الغالب على شباب هذا العصر، فإنّها لا تنكر الارتباط بين سلوك التصوير المتكرّر للذات  “السلفي” والنرجسية. فالاهتمام الزائد بالنفس قد يدل على وجود مشاكل في الشعور بالأمان، والميل إلى تضخيم الذات …

 

و قد يعني هذا أيضا أن مجتمعاتنا أصبحت بدورها تعيش نرجسيّة جماعية لاسيما في المجتمعات التي تقدّر الفردانية والترقية الذاتية، فالنرجسية  أصحبت صفة مقبولة اجتماعيا منذ السبعينيات، أيْ عندما أصبح تقديس الفرد  وتضخيمه من أهمّ أولويات المجتمعات الحديثة .

 

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.