مدونات

في تونس، خاشقجي ينتصر لدمائه

 

خبر الزيارة المشؤومة

نشر موقع رئاسة الجمهورية بداية الأسبوع خبرا عن زيارة يؤديها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى تونس يوم 27 نوفمبر الجاري يلتقي خلالها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ضمن زيارات لعدد من البلدان منهامصر والبحرين والإمارات و الجزائر وموريتانيا وهي جولة لا يُنظر إليها إلا بكونها محاولة لفك الحصار الدبلوماسي المضروب عليه أوروبيا خاصة بسبب ما علق به من شبهة جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي

كان للخبر وقع صادم على عموم التونسيين ولم تُثر أية زيارة مثلما أثارته هذه الزيارة من ردود فعل وحالات استنفار إلا زيارة شارون إلى تونس بقمة المعلومات سنة 2005 والتي ألغيت بسبب ردود الفعل القوية من قِبل أحزاب ومنظمات ومجتمع مدني.

خبر زيارة بن سلمان إلى تونس قابلها التونسيون بمواقف رافضة يمكن تبويبها على النحو التالي:

طبيعة رفض الزيارة

أ: ثمة موقف شعبي عبر عنه مزاج عام لدى التونسيين وهو موقف صادر عن شعور إنساني فطري بسبب مشاهد وأخبار متعلقة بجريمة قتل وتقطيع الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، وليس لهذا الموقف الشعبي أية خلفية سياسية أو إيديولوجية من النظام السعودي أو من ولي العهد محمد بن سلمان.

ب: موقف سياسي يعبر عنه جمهور واسع من الإسلاميين الذين يرون في النظام السعودي عدوا للربيع العربي وللإسلاميين تحديدا ويعتبرونه شريكا في المؤامرات التي حِيكت ضد ثورة يناير وهو بنظرهم شريك في المسؤولية عن انقلاب مصر والدماء التي اهرقها، وبالمشاركة في المحاولة الانقلابية على أردغان ليلة 15 جويلية 2016.  كما يرونه معاديا لحركة النهضة التونسية رغم اعتدالها وسلميتها وسعيها لمد الجسور مع كل الأنظمة العربية وتأكيدها عدم تصدير خطاب الثورة لأي بلد وعدم تدخلها في شؤون الدول الداخلية.

إسلاميو تونس يعتبرون النظام السعودي متآمرا أيضا على القضية الفلسطينية وشريكا في “صفقة القرن” ومفرطا في ثروات الأمة لما قدمه من أموال طائلة للرئيس الأمريكي ترامب في حين تعاني غزة حصارا خانقا وظروفا معيشية صعبة، أصحاب هذا الموقف يتحركون بشكل تلقائي منفرد ومواقفهم أساسا على صفحات الفايسبوك.

ج: موقف في علاقة بموقف محور المقاومة يرى في النظام السعودي نظاما معاديا للمقاومة متحالفا مع الكيان الصهيوني ومتورطا في كل الأزمات والحروب من سوريا إلى اليمن إلى الاعتداءات الصهيونية المتكررة على غزة.

أصحاب هذا الموقف لا ينظرون لبن سلمان باعتباره فقط مورطا في قتل الخاشقجي أو متآمرا على الربيع العربي وإنما يضيفون إلى تلك الجرائم اتهام النظام السعودي بكونه متحالفا مع الصهيونية ضد محور المقاومة وبكونه ممولا للفتنة في سوريا واليمن وأصحاب هذا الموقف يتحركون بشكل منظم وفق رؤية متجانسة ويستعدون لتنظيم مسيرات احتجاج صبيحة الزيارة بشارع الحبيب بورقيبية.

د: موقف جمعياتي حقوقي ثقافي عبرت عنه مجموعات متعددة منها “الخمسون محاميا” ونقابة الصحفيين التي أرسلت برسالة إلى رئيس الجمهورية تحتج على الزيارة ومجموعة من الفنانين والمثقفين، كل هؤلاء يلتقون في رفض الزيارة ويعتزمون التقدم بقضية لدى المحكمة الإداريةلاستصدار حكم بمنع الزيارة.

أصحاب هذا الموقف هم من مشارب شتى جمعتهم الفكرة الحرة والروح الإنسانية وأشواق الحرية والكرامة الآدمية ودماء المغدورين يلتقي فيه إسلاميون عروبيون ويساريون وقد عبر الناطق باسم الجبهة الشعبية حمةالهمامي عن رفض الزيارة قائلا:”هي استفزاز للشعب التونسي ولقيم ثورته ومبادئها….لا أهلا ولا سهلا بجلاد الشعب اليمني، بمتزعم التطبيع مع الكيان الصهيوني وبالمشتبه به بمقتل خاشقجي

الأصداء بالتأكيد قد بلغت محمد بن سلمان ولا شك أنه سيجد كما لو أن دماء خاشقجي تحاصره وتنتصر لمظلوميتها.

هل تُلغى الزيارة؟ 

هذه المواقف بتوصيفاتها الأربعة لا تتجاوز كونها مواقف أخلاقية لا يمتلك أصحابها وسائل التأثير في القرار السياسي الذي هو من صلاحيات رئيس الجمهورية والذي قد يكون له أهدافه الحزبية أو الانتخابية في غير علاقة بالمصلحة الوطنية والاستثمار والدعم المالي لاقتصاد البلاد.

قد يفلح المعترضون على الزيارة في استصدار حكم من المحكمة الإدارية ضد الزيارة ـ كما حصل سابقا مع زيارة رياضيين إسرائيليين ـ غير أن أحكام المحكمة الإدارية ليست أحكاما ملزمة وقد يكون إنفاذها في مناسبتين سابقتين إنما تم برغبة من الحكومة ذاتها لتجنب الحرج الشعبي وإنما استغلت حكم المحكمة الإدارية للتعلل بها أمام الأطراف الخارجية.

سيكون إنجازا عظيما لو تمكن الضغط الشعبي من تعطيل الزيارة وسيكون إنجازا منسجما مع الروح التحررية التي تغمر بلادنا العظيمة تونس، غير أنه ـ في حال حصول الزيارة ـ سيكون للتونسيين شرف الاعتراض عليها وشرف الانتصار لدماء المغدورين من سعوديين ومصريين وفلسطينيين ويمنيين وسوريين وغيرهم من ضحايا تحالف المتآمرين على أشواق التحرر في أمتنا.

وفي كل الحالات فإن الأصداء بالتأكيد قد بلغت محمد بن سلمان ولا شك أنه سيجد كما لو أن دماء خاشقجي تحاصره وتنتصر لمظلوميتها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.