سياسة

حزب نداء تونس في منزلة بين المنزلتين..”معارض ولاّ  حكومة”؟

بقلم: فاتن العمري

 

 

“هو أنت معارض وإلا حكومة وألا حكايتك إيه؟” هذا ليس مقطعا من سكريبت مشهد فكاهي لأحد المسلسلات المصرية الكوميدية، بل هو في الحقيقة جملة تعبر عن حال حزب نداء تونس “الحاكم” أو الذي لم يعد يعرف مكانه بالضبط، بعد أن نزل إلى الشارع يوم أمس يشارك في التحرك العمالي الذي نظمه الاتحاد العام التونسي للشغل ضد “الحكومة”!!

 

هذا المشهد السريالي لن تجده إلا في تونس، حيث تجتمع الأضداد السياسية تحت سقف واحد مدافعين عن مطالب غائبة ومتبنين شعارات أحيانا ضد أنفسهم وكاشفين في نفس الوقت عن تمزق عميق في النسيج الإيديولوجي أو حتى انعدامه أصلا، فمن ينزل للتظاهر ضد نفسه لا يمكن إلا أن يكون ..نداء تونس!

 

تداولت مواقع التواصل أمس صورا غريبة أثارت استهزاء متابعي الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، الذي تم الحشد له منذ أسابيع تحت مظلة المطالبة بالرفع من الأجور وتحسين القدرة الشرائية، فإذا بهذه الشعارات الجميلة المغرية تتوارى أمام خطاب انتخابي وأجندة سياسية فضحت النوايا الحقيقية للاتحاد ومن سانده في التحركات الأخيرة،وأدخلت الأطراف المحتجة في حالة فوضى عارمة اختلط فيها الحابل بالنابل ولم يتبين فيها المعارض من  الموالي.

 

 

في خضم هذا التدافع والاحتلاط، تجاورت سيدتان، إحداهما تعلن خصومتها للأخرى بحكم الاجندة والتوجه السياسي والفكري، لكن مظلّة “الاتحاد” جمعت الفرقاء ليهتفوا يدا بيد نحو إسقاط الحكومة.. الاولى هي مباركة البراهمي، النائبة عن الجبهة الشعبية في البرلمان   والتي طالما استماتت في هجماتها على نداء تونس باعتباره صوت “صندوق النقد الدولي ” وحزب “رؤوس الأموال المرفهين” الذين “يمتصون دم الشعب التونسي المسكين”..

أما الثانية فأنس الحطاب النائبة عن نداء تونس، والناطقة باسم الحزب، التي عرفت بتجوالها بين شقوق النداء في رحلة البحث عن الذات السياسية السامية – ويبدو أنها وجدتها أخيرا- دون أن تعي في ذات اللحظة التي تهتف فيها إلى جانب مباركة البراهمي أنها  تعارض حزبها صاحب المرتبة الثالثة في البرلمان وصاحب الحقائب الوزارية الثقيلة في الحكومة، بل وحتى رئاسة الجمهورية والبرلمان..

 

 

غير بعيد عن حالة الانسجام بين أنس ومباركة، شوهد النائب سفيان طوبال، نائب نداء تونس الوفي، يدب في صعوبة على أرض الساحة التي اجتاحها الاتحاد الغاضب،  كان غريبا بحق أن ينزل هو الآخر لينادي بإسقاط حكومة كان لها صوتا هادرا أول تنصيب الشاهد – ابن النداء السابق- رئيسا للحكومة.. لكن يبدو أن الإجراءات التقشفية القاسية التي فرضها الشاهد أضرّت بحالة طوبال، لدرجة انه نزل يشتكي ضيق الحال وفراغ الجيب والخصاصة، رافعا شعار “ارحموا عزيز قوم ذل” آملا متأملا أن يكون له مكان في ركب الاتحاد الطامح لانتخابات 2019، بعد أن أيقن بأن عربة الشاهد امتلأت عن آخرها ولم يعد له مكان فيها، فقرر الدخول للتاريخ من  باب المعارضة هذه المرة..

 

يقدم هذا المشهد السريالي الساخر لمحة عن مآل كل السياسيين الذين لا يملكون خارطة طريق واضحة أو يلتصقون بهموم ومشاغل طبقتهم، فنداء تونس قام منذ تأسيسه على التقاء مصالح رجال أعمال انضمت لهم شظايا من حزب التجمع المنحل لتشكيل أصل تجاري يلبي مصالحهم، لكن عندما تغيرت المواقع والحسابات امتدت الأيدي لتصافح خصوم الأمس بحثا عن سند في مسلسل الحرب بين شقوق النداء..

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.