اختيار المحررينثقافةغير مصنف

حطب سراييفو ونيران الجزائر

 

بعد آخر أعماله الرّوائية التي أعاد فيها شخصية تاريخية منسية إلى الفضاء الأدبي-الثقافي بعنوان “أربعون عاما في انتظار ايزابيل” يفتتح الكاتب والروائي سعيد خطيبي موسمه الأدبي برواية “حطب سراييفو ” الصادرة عن منشورات ضفاف اللّبنانية ومنشورات الاختلاف الجزائرية.

 

يشتغل سعيد خطيبي في هذا العمل الروائي على عامل الذاكرة في رسم صورة بانوراميّة عن الواقع الحياتي الذي يطبع يوميات “سليم وإيفانا” الشخصياتِ المحوريةِ في الرّواية، ضمن جغرافيّة متباعدة ومختلفة ولكنّها متقاربة من حيث الهواجس والطموح.

لقد أقام سعيد خطيبي جسورًا مشتركةً بين شخصياته رغم التّباعد الجغرافيّ والاختلاف الحضاري. جسورًا تتقارب فيها المآسي والجروح، تتقاسم الآلام والأحزان، تلتقي المشاعر الإنسانية وتتوافق رغم البعد المكاني والزّماني، في مواجهةٍ لمشاعر الخوف والبحث عن الأمن ونسيان هواجس الحرب والدّمار والرّغبة في ترك الخراب، والهجرة بعيدا عن الموت والمقابر بلا عنوان.

يفتتح “خطيبي” الرواية على يوميات سليم وهو في أحضان مدينة الجزائر العاصمة، صحفيٌ يشتغل في القسم الثقافي، يطارده شبح الموت والاغتيالات، ينتقل إلى القسم السّياسي فيغطي إعلاميا مختلف الأحداث الدّموية والمجازر التي عرفتها الجزائر خلال التسعينات. عملٌ يرهقه نفسيا وبدنيا، فيقاوم سليمٌ الوضع بكل سلبياته مستسلما لوضعٍ لم يختره.سعيد

 

 

تروي ايفانا من مدينة سراييفو حكايات المدينة، تاريخ الأمكنة، تقدم لوحة عن سراييفو إنّها فسيفساء بشرية وعرقية، تقاسمت الجغرافيا الواحدة عنوة وقهرا. فتركت أبواب الاقتتال مفتوحة وفجوات الكراهيّة والمعاداة تنمو داخل الوطن الواحد المتعدّد. وبينما يحتفل العالم بسقوط برلين كانت اللعنةُ تحلّ على البوسنة والهرسك بعد تفكيك يوغسلافيا. إيفانا التي تحبّ المسرح وتتمنّى أن تكون كاتبة مسرحية ، تحاصرها المدينة الملعونة والحرب الدائرة حولها، فتفرض عليها  تراجيدية الأحداث والحرب خيار المغادرة والفراق، والأفق الوحيد هو الهجرة إلى سلوفينيا .

ينتقل بنا سعيد خطيبي إلى مشهد آخر، فيرتمي هذه المرّة في أحضان سلوفينيا. يقدّم لنا فيها الروائي معالمَ تلك المدينة الباردة والساكنة، مساحات شوارعها، أضواءها، أنوارَها وطقوسَ ساكنيها. وفي مسارات متغايرة تقفز إيفانا الحدود ويجتاز سليم المطارات وتكون سلوفينيا نقطةَ اللّقاء.

تفتح هذه المدينة مشاغل جديدة في السّرد والمضمون. يستضيف “سي أحمد” في بيته  “سليما” ويشغلّ إيفانا نادلةً في مقهى يمتلكه، كان السفر فرصة لسليم أعاد فيها  تقليب صفحات من الذاكرة والماضي، قصص عمه سي أحمد التاريخية والثورية وكفاحه المسلّح وحكايات سفرته من “بوسعادة” إلى “العاصمة “ثم  إلى “سلوفينيا”. يفتح سليم وجدانه على الماضي بين شوارع العاصمة، وقصص البوسعاديّة والتجارب العاطفية مع مليكة. تخطفك الذاكرةُ أحيانا و تحرّرك أحيانا أخرى، تضايقك في لحظة و ينشرح لها فؤادك في لحظات الحزن والحنين ويسرد حوادث مأساوية عن الحرب الدائرة في الجزائر.

 

 

وعلى لسان “إيفانا”، هذه الشّابة الشقراءُ، نكتشف البداياتِ والنهاياتِ، لقد حكتْ لنا  عن العائلة وعن الأب وعن الطفولة، وعن الحبّ الأوّل وشقاوته، عن الغيرة ومرض الأخت وعن العنف الأبويّ والصّراع والحرب والدّمار في مدينة سراييفو وأيامها الرّهيبة أثناء الحرب الأهلية.

كان على القدر أن يجمع بين سليم وإيفانا، وكان على الزمن أن يجمع بين الطرفين في بحر الحبّ وموج العشق. حياة سليم وإيفانا كانتا على خط متساوٍ في حمل ثقل الهموم والأحزان والخوف والبحث عن الأمان، قواسمُ مشتركة تجمعهما في حبّ الفن والأدب.

لقد ترك الرّوائي فجوة بداخلي وأغضبني وترك لمسة حزن بنفسي في عدم تطبيع حتمية اللقاء، لقد اختار الاتجاه المغاير في مسار سليم وايفانا فرسم خطّا متباعدا. يعيش سليم وحيدا مع ذكريات ماضيه مع مليكة وايفانا في أحضان شخص من بيئتها الأصليّة.

يكشف موت سي أحمد الستار عن مفاجأة لم أكن أتوقعها في الرواية، فسليم هو الابن الشرعي لمن اعتبره طوال حياته شقيق والده. جرحٌ يفتح تساؤلات جديدة في التاريخ المجروح لسليم ويكتشف صفحات جديدة من الزيف والأكاذيب.

يعود سليم إلى الوطن وتعود إيفانا إلى سراييفو. رغم أنّ كلّ العوامل النّفسية والذّهنية كانت كفيلة بأنْ ترسم اللقاء الأبديّ بين هذين الكائنين، وعلى الرغم من ذلك  تنجح إيفانا في أن تكون كاتبة مسرح وتبدأ خطواتها الأولى. يرثُ سليم من أبيه الشرعي ثروة محترمة ويصدر جريدة أسبوعية ويعود، كلٌّ إلى فضائه السابق كي يعانق ذكريات الماضي الممتزجة بالخوف .

استطاع سعيد خطيبي في هذا العمل الروائي أن يمتلك نفسًا طويلة في السرد عبر تطوّر منسجم للشخصيات داخل هذا الحقل النصّي والتشخيص المدقّق للأمكنة والأزمنة، يشدّك الأسلوب المميّز واللغة الجميلة في الحكاية والبحث عن النهاية     وفتح التساؤلات حول مصير الشّخصيات المحورية في العمل الروائي.

يقترب هذا العمل من حيث التّجنيس الأدبي إلى ” التخييل الذاتي” وهي نصوصٌ أقرب إلى سيرة ذاتية تعكس حياة الكاتب ، اعتمد فيها على تيمات مختلفة   كنظرته  للعاصمة ، وقوة حضور النوستالجي لمدينة بوسعادة ، وقراءة جديدة للثّورة الجزائرية.

الوسوم

عمار لشموت

مدون ومهتم ومتابع للشأن الثقافي والسياسي

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.