اختيار المحررينثقافةغير مصنف

إيتا جايمس: حين يكون للوجع صوت‎

 

 

بشعر مجعّد وحاجبين كثيفين وبدانة واضحة وصوت قويّ وأجشّ، دخلت إيتا جايمس قلوب ملايين العشّاق حول العالم، عشّاق موسيقى السود الّتي غيّرت وجه الموسيقى في العالم، من خلال ثورتها على الموسيقى الكلاسيكيّة وثورتها على اللغة المتكلّفة والمواضيع الممجوجة، وثورتها على التمييز والاضطهاد. إيتا جايمس رقم صعب في الذاكرة الجماعيّة للسود الأمريكيّين، غنّت أوجاعهم وأحزانهم وفرحهم البريء، امرأة متقلّبة، قويّة لكنّها تحمل بين أضلعها شجن ورقّة كانا كافييْن لأن تكون من الأصوات النسائيّة الأعظم في القرن العشرين.

 

بمدينة لوس أنجلوس الأمريكيّة، في 25 جانفي 1938، وُلِدت إيتا جايمس، الصوت الخالد الّذي ألهم الملايين من عشّاق موسيقى “البلوز” في العالم. إيتا الّتي وصلت إلى قمّة المجد في ستّينيّات القرن الماضي بفضل أغانيها العظيمة -مثل “All I Could Do Was Cry” و”I’d Rather Go Blind”-، عاشت حياة أليمة جدًّا، تمظهرت آثارها في الشجن الموجع الّذي يسم أغانيها؛ فرغم قوّة صوتها الخارقة، صوتها الذي نحسبه رجاليًّا في بعض الأحيان، إلّا أنّ فيه شيء مّا لا تعرف كنهه إلّا إيتا وحدها، مزيج من الرقّة والحزن، شيء مّا فريد، كأنّه دمعة كبيرة علقت في حلقها إلى الأبد.

 

 

إيتا جايمس في الثانية عشر من عمرها

 

 

عند ولادتها، كان اسمها جايمسيتا هاوكينز (Jamsetta Hawkins)، لكنّها غيّرته حين بدأت في نحت مسيرتها الفنّية العظيمة، كأنّ الغناء كان ولادة ثانية لها، وما اسمها الأوّل إلّا تلخيصًا لفترة عصيبة من حياتها أرادت أن تتخلّص منها إيتا بكلّ الطرق، غيّرت اسمها وانهمكت في الموسيقى انهماكًا تامًّا، لكنّ كلّ هذا لم يستطع إزالة الجروح الغائرة الّتي تركتها عذابات الطفولة. فقد وُلِدت لأمّ/طفلة، دوروتي هاوكينز الّتي أنجبت إيتا وهي لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها، بعد أن استغلّ رجل أبيض يتمها وبراءتها، ليتركها تواجه مسؤوليّة رضيعة غير شرعيّة، انضافت إلى قائمة الذنوب الّتي لم ترتكبها: لونها وفقرها ويتمها. ونتيجة لوضعها المزري، وهبت دوروتي ابنتها جايمسيتا، إلى أختها الّتي كانت تعيش في مدينة كاليفورنيا، كي تقوم بتربيتها.

 

ولم تكن هذه الفترة الّتي دامت 12 عامًا في بيت أبويْها بالتبنّي غير فصل آخر من فصول المعاناة؛ فقد كانت جايمسيتا لا تشعر بالعطف أو العناية، فخالتها كانت مومسًا تصطاد البحّارة الّذين ترسو سفنهم القادمة من كلّ أنحاء العالم في ميناء المدينة، أمّا زوج خالتها فكان عاطلًا ومدمنًا للخمر، ويحلم بأن يكسب المال بصوت الطفلة جايمستا، الّذي بدأت طاقاته تتفجّر في كورال فرقة فنّان الجاز الأمريكي وعازف البيانو، إيرل هاينز (Earl Hines).

 

 

حين بلغت الثانية عشر من عمرها، ماتت خالتها (أمّها بالتبنّي)، فغادرت جايمسيتا مدينة كاليفورنيا للعيش مع أمّها دوروتي في سان فرانسيسكو أين واصلت محاولاتها المضنية لإيجاد فرص للغناء. وبعد 4 سنوات، في عام 1954 تحديدًا، قامت رفقة صديقتيْن لها بإنشاء ثلاثي غنائي، أطلقن عليه اسم “Creolettes”؛ وبدأن بالغناء في بعض حانات المدينة ومطاعمها، وقد مثّلت هذه التجربة فرصة جايمسيتا لأن تكون تحت مجهر المنتجين الّذين يبحثون عن المواهب الفذّة، وهذا ما كان فعلًا عندما استمع إليها في سهرة من السهرات، المنتج والملحّن الأمريكي جوني أوتيس (Johnny Otis)، الذي انبهر بأدائها الرائع لأغاني البلوز والآر-آن-بي (Rhythm & Blues)، ودعاها إلى مدينة لوس أنجلوس، لتسجيل بعض الأغاني بصوتها.

 

 

 

كان يجب عليها أن تحصل على ترخيص أبويٍّ للقيام بهذه الخطوة، لكنّ أمّها كانت تقبع في السجن آنذاك، فقامت جايمسيتا بتدليس إمضائها، لتبدأ رحلتها مع الشهرة والمجد. وكأوّل خطوة، غيّرت اسم الثلاثي الغنائي من “Creolettes” إلى “Peaches”، واختارت اسم إيتا جايمس كي يكون عنوانها في مجال الفنّ، ولم تكن تعرف أن هذا الاسم سيكتسح العالم ويبقى محفورًا في ذاكرة الإنسانيّة إلى الأبد.

 

 

إيتا جايمس في لقاء مع محمّد علي كلاي في عام 1974

 

 

وبعد عام من توقيعها مع شركة الإنتاج تلك، ظهرت إلى النور أوّل أغنية خاصّة بها، بعنوان “The Wallflower”، الّتي تصدّرت لأسابيع قائمة أغاني السود الأكثر رواجًا. وأمام النجاح الساحق لهذه الأغنية، أصدرت شركة الإنتاج مجموعة من الأغاني جعلت من إيتا جايمس نجمة واعدة في حراك الموسيقى السوداء في الولايات المتّحدة الأمريكيّة آنذاك، بعد أن أثبتت موهبتها العظيمة: طاقة صوتيّة هائلة وقدرة كبيرة على أداء مختلف الألوان الموسيقيّةّ. ومن هذه الأغاني، “Good Rockin” و”Baby, Baby” و”Tough Lover”، إلخ…

 

 

 

 

بعد نجاح أغانيها الأولى، دخلت إيتا جايمس في حركة لا تهدأ من الجولات الفنّية في مسارح الولايات المتّحدة الأمريكيّة، واقتربت أكثر من فنّانين سود مؤثّرين في عالم الموسيقى آنذاك، وكانت قصّة حبّها الأولى مع أحد هؤلاء، هارفي فوكوا (Harvey Fuqua) المنتج ومؤلّف ومغنّي الآرـآن-بي الأمريكي، ومؤسّس مجموعة The Moonglows الموسيقيّة. إلّا أنّ هذا الحبّ لم يدم طويلًا، بعد أن خانها هارفي وتزوّج من كاتبة الأغاني والملحّنة ڤـوين جوردي (Gween Gordy). ومن الصدف الغريبة أنّ ڤـوين هي من كتبت لها كلمات أغنيتها الشهيرة “All I Could Do Was Cry”.

 

 

 

 

لقد سبّبت خيانة هارفي ألما لا يطاق لإيتا جايمس، الّتي كانت تعاني من تنكّر والدها البيولوجي لها، وعدم اعترافه بأبوّتها حتّى بعد أن أصبحت نجمة شهيرة، هذا إضافة إلى ذكريات طفولتها المعذّبة الّتي بقيت تحاصرها دائمًا. ونتيجة لكلّ هذا، بدأت رحلتها مع الإدمان، وهو ما أدّى إلى تعرّضها لاضطرابات نفسيّة وعصبيّة متكرّرة دامت لربع قرن من حياتها، وكادت تعصف في بعض الفترات بمسيرتها الفنّية.

 

لكنّ كان لهذه الفترة إيجابيّات عديدة، فقد احتكّت فيها إيتا بفنّانين رائعين وتأثّرت بهم، لعلّ أهمّهم أوتيس ريدينغ (Otis Redding)، ملك موسيقى الصول والآر-آن-بي في ذلك الوقت، والّذي اشتهر بأدائه لأغنية Ben E King الخالدة “Stand By Me”. كما أنّ في هذه الفترة، قدّمها هارفي فوكوا لأكبر منتج أمريكي لموسيقى السود في ذلك الوقت، ليونارد شاس، صاحب شركة “Chess” للإنتاج، الّذي راهن على طاقاتها المهولة في الغناء ليصنع منها نجمة موسيقى الصول والبلوز الأولى لعقد من الزمان.

 

 

 

 

ومنذ دخولها لشركة الإنتاج “Chess” في 1960، وجدت نفسها بين عمالقة البلوز والصول والروك آند رول، مثل مادي ووترز (Muddy Waters) وهولوين وولف (Howlin’ Wolf) وتشاك بيري (Chuck Berry)، إلخ…

 

وفي هذه الفترة الّتي امتدّت من عام 1960 إلى 1969 (تاريخ وفاة ليونارد شاس مؤّسس الشركة)، أصدرت إيتا جايمس أعظم أغانيها الّتي أثّرت كثيرًا في مسارات الموسيقى العالميّة فيما بعد، فأصدرت “If I Can’t Have You” في 1960، و”At Last” و”Don’t Cry, Baby” في 1961، و”Next Door To The Blues” في 1962، و”Pushover” في 1963، وصولًا إلى “Tell Mama” و”I’d Rather Go Blind” في عام 1967، و”I Got You Babe” في 1968.

 

 

 

 

بعد وفاة ليونارد شاس، الرجل الّذي كان بمثابة أبٍ لها، في عام 1969؛ تزوّجت من آرتي ميلز (Artie Mills) في العام نفسه، وخيّرت الابتعاد عن الغناء والتفرّغ للإنجاب وبناء عائلة. كانت السبعينيّات فترة سقوطها المدوّي، حيث غرقت أكثر في مستنقع الإدمان وغابت تمامًا عن الحراك الفنّي، وأصبحت معاناتها الفرديّة معاناة جماعيّة شاركها إيّاها زوجها وطفلاها.

 

لكنّ إيتا القويّة الّتي حملت جبالًا من الآلام بين أضلعها ووصلت رغم ذلك إلى القمّة، لم تنحنِ هذه المرّة أيضًا، وبفضل المنتج والصحفي الأمريكي جيري ويكسر (Jerry Wexler) عادت إلى الضوء مجدّدًا بعد إصرار عظيم منه ومن عائلتها، فأنتج لها أغنية “Deep In The Night” في عام 1978، فكانت ولادتها الجديدة.

 

 

 

 

قضت عامًا كاملًا في التأهيل النفسي والعلاج من الإدمان الّذي استبدّ بها لربع قرن من الزمان، وعادت إلى الإنتاج الفنّي بقوّة صحبة جيري الّذي رافقها طيلة الثمانينيّات وبداية التسعينيّات. وميّز هذه الفترة، جولاتها الفنّية في أوروبا، لتقديم أغانيها الّتي أصبحت تحظى بإشعاع عالميّ واسع، خلال حقبة زمنيّة عرفت انتشار موسيقى السود في العالم، بعد أن تلقّفها الجيل الجديد لصنّاع الموسيقى في أوروبا، ليصنعوا من وحيها اتّجاهات موسيقيّة جديدة.

 

 

 

 

إنّ إيتا جايمس فلتة من فلتات القرن العشرين، حيث أنها تملك القدرة على أداء مختلف الأصناف الموسيقيّة، وهو ما مكّنها من نحت تجربة فنّية ثريّة: البلوز والآر-آن-بي والصول والروك آند رول والجاز، إلخ… إنّها حالة فنّية نادرة، فهي لا تؤدّي الأغاني بقدر ما تتقمّصها، كانت تغنّي نفسها، تعيش داخل آهات موسيقى البلوز وصرخاتها، هذه الموسيقى الّتي كانت تسري في دمها وأنفاسها، لتخرج مثل زفرة أو تنهيدة في وجه الحياة الظالمة والواقع العنصري والبشر القساة. وهي الآن بعد موتها، حاضرة في كلّ مكان من العالم، بصوتها الخارق، ذلك الخليط الغريب بين القوّة والرقّة، بين الحزن والحبور، ولذلك لا يسعني إلّا أن أجد نفسي في كلّ مرّة متسمّرًا أمامه كي أنهل من رحيقه الّذي لا ينضب!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.