اختيار المحرريندين وحياة

وإنك لعلى خلق عظيم

في ذكرى المولد النبوي الشريف

 

 

أغـــرُّ عليــــه للنبــوة خـــاتمٌ***من الله مشهودٌ يلوحُ ويُشْهَدُ

وضمّ الإله اسم النبيّ إلى اسمه***إذا قال في الخمسِ المؤذنُ أشهدُ

وشقّ له من اســــــمه ليُجـله***فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ

نبيٌ أتانا بعدَ يـــأسٍ وفتــرةٍ***من الرسْل والأوثانُ في الأرض تُعبَد

فأمسى سراجاً مستنيراً وهادياً***يلوح كما لاح الصقيل المهنّـــدُ

وأنذَرنا ناراً وبشّرَ جنـــة****وعلمنا الإســــلام فاللـه نَحمَــدُ

 

يحتفل العالم الإسلامي، غدا  بذكرى مولد سيد الخلق أجمعين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم. وهي احتفالات لا تتمظهر فحسب،  في الجانب الديني من حلقات الذكر في المساجد وترديد شمائله وصفاته والصلاة والسلام عليه،  بل تتجاوزها إلى إقامة الإحتفالات الاجتماعية وإحياء عادات مستوحاة من التراث الشعبي، مثل إعداد أطباق تقليدية خاصة بهذه المناسبة العظيمة، تعظيما وتبجيلا و فرحا بولادة رسولنا الكريم.

 

الحب يتجاوز المظاهر إلى الاتباع والطاعة

 ولكن الاهتمام بالجوانب الشكلية لمناسبة المولد، التي نعبر من خلالها عن حبنا لنبينا الكريم، لا تجعلنا نتغاضى عن المعنى الجوهري والروحي لمعنى حقيقة أن نحبه، عليه أزكى الصلاة وأفضل السلام، هذا الحب الذي  يتجاوز القول إلى الفعل وهو الطاعة و الاتباع والاقتداء به وهو مايتجلى في قول المولى عز وجل، في الآية 21 من سورة الأحزاب

” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.”

 

فأن نحبه، يعني أن نتبعه في جوهر أخلاقه وصفاته وشمائله وأعماله التي تميز بها صلى الله عليه وسلم خلال مسيرة 63 عاما، من الوسطية، جمع فيها بين نشر رسالة الإسلام والنبوة وبين أن يكون إنسانا وبشرا. “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (سورة آل عمران 31)   

 

 

صورة محمد الانسان 

“قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ”، فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن من الملائكة لكنه كان بشرا مثلنا، يمارس حياته الدنيوية ووظائفه الاجتماعية وعلاقاته الإنسانية وحياته الأسرية، التي لم تكن بمعزل عن الدين أو تعطل ولو دقيقة واحدة أو ثانية عن رسالته السامية، وهي نشر الدين الإسلامي وتنوير عقول جاهلة ومظلمة، لا تميز الحق من الباطل.

“قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا” (الاسراء 39)

فهذا البشر الرسول هو معلم الإنسانية قيم ومبادئ التعامل بين الناس وبين الزوج وزوجته و طرق التعامل مع الآباء والأبناء وحتى الأحفاد والأصدقاء، وهو خير نموذج يحتذى و مضرب الأمثال في مكارم الأخلاق. فقد كان صلى الله عليه وسلم، على خلق عظيم وشديد التواضع، فلم يكن جبارا متكبرا ولا غليظا ولا فظ اللسان ولا بخيلا ولا كسولا ولكنه كان  كثير الأدب والتأدب، فهو من قال عن نفسه، “أدبني ربي فأحسن تأديبي”.

ونحن المسلمون والمسلمات، علينا أن نقتدي بهذا الأدب ونسعى جاهدين لاكتسابه والعمل به ونتعلمه ونعلمه لذريتنا، حتى نصل إلى صورة المسلم التي سعى الرسول الكريم لتجذيرها وغرسها في العصر النبوي وفي صدر الإسلام.

فالإسلام ليس حالة نلجأ إليها لحظة الانتكاس أو العزلة، وإنما الدين مكمل لحياتنا وبدونه لا يكتمل المعنى والهدف من الوجود.

 

كان قرآنا يمشي

وردت عديد المرجعيات، في سيرة سيد الخلق العطرة التي ذكرت شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاءت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية. هذه الشمائل، المتوجب استحضارها، في حياتنا اليومية وفي معاملاتنا مع أنفسنا ومع المحيط و ليس بمناسبة ذكرى المولد فقط.

فهو صلى الله عليه وسلم، قد كان قرآنا يمشي وكان خلقه القرآن ونحن لسنا بحاجة  للبحث عن ذاته وشكله وصورته المادية، بقدر حاجتنا للبحث في صفاته الأخلاقية وشخصيته، المتوازنة والعدلة، المتراوحة بين عبادة الله عز وجل و حياته الدنيوية، فقد كان صلى الله عليه وسلم يفشي السلام ويأكل الطعام و يتزوج النساء وينجب الأبناء ويصلي بالليل والناس نيام.   

وقد أعطى لجميع الخلق أعظم رسالة، في الوسطية وفي الجمع بين الدنيا والدين والتفكر في الآخرة من خلال قوله “إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه”.

 

لا يكفي أن نقيم الموائد ونتفنن في اعداد ما لذ من أطعمة في مولد النبي كل سنة. حري بنا ان نتخذ رسول الله نموذجنا الملهم في الحياة، ونقتدي به، ونغرس حبه في قلوب فلذات أكبادنا ونسعي أن تكون قلوبهم متعلقة به ونروي لهم من سيره وأحاديثه العطرة، ونعلمهم من آيات الكتاب العزيز، معجزة سيد الخلق الخالدة.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.