مجتمعسياسةغير مصنف

تونس: الإختلافات لا تتناقض مع الشراكة الحكوميّة

حسم مجلس نواب الشعب التونسي أزمة سياسية خانقة ألقت بظلالها على المشهد العام في البلاد من خلال منحه الثقة لتحوير وزاري موسع شمل 13 حقيبة وزارية و5 كتابات دولة وإنتهى جدل رئاسة الحكومة بتثبيت يوسف الشاهد في القصبة للفترة المقبلة إلى حين تنظيم الإنتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019.
بسبب طبيعة الإنقسامات وإنعكاسات الأزمة السياسية الأخيرة أنهى التحوير الوزاري الأخير إئتلافا حكوميا وأعلن ميلاد آخر بديلا له يوفر حزاما برلمانيا وسياسيا للحكومة، إئتلاف حكومي شهد للمرة الأولى بهد إنتخابات 2014 عدم مشاركة حركة نداء تونس بسبب إصرار الحزب على رحيل رئيس الحكومة في البداية ثم مطالبته بإقصاء النهضة من الحكم ثانيا.
فور الإعلان عنه، طرح كثيرون سؤال مدى قدرة الإئتلاف الحكومي الجديد على الصمود في ظلّ الإختلافات الكثيرة على مستوى التصورات والنموذج المجتمعي وحتى على مستوى الرؤى والإيديولوجيات غير أنّ الإجابة كما وردت على لسان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أو الأمين العام لحركة مشروع تونس وكذا عدد من الأعضاء كتلة “الإئتلاف الوطني” كانت مغايرة لسابقاتها.
إعلان محسن مرزوق التخلّص من الترسبات الإيديولوجيّة القديمة إلى جانب التطوّر الكبير الذي شهدته حركة النهضة في السنوات الأخيرة بالإضافة إلى معطيات كثيرة أخرى لعلّ أبرزها على الإطلاق نتائج صناديق الإقتراع أو حتى الأحجام والتمثيلية البرلمانيّة مثّلت مقدّمات للشراكة في الحكم بين مكونات الإئتلاف الحاكم الجديد في تونس ولكن عنصرا آخر أيضا ساهم في تشكل هذا الإئتلاف تمثّل على وجه الخصوص في مآلات الأزمة التي عصفت بحركة نداء تونس.
يوجد كثير من الإختلافات في المواقف التي قد تصل حدّ التناقض أحيانا بين مكونات الإئتلاف الحاكم في عدد من القضايا المجتمعيّة ولكنّ ذلك لا يتناقض مع فكرة الشراكة في الحكم من أجل الإستقرار الحكومي والسياسي الذي يمكّن البلاد من الوصول غلى المحطات القادمة، كما أكد ذلك النائب عن كتل “الإئتلاف الوطني” وليد جلاّد خلال الجلسة العامة لمنح الثقة للتحوير الحكومي الأخير، وقد يكون هذا هو الرأي الغالب بين مكونات الإئتلاف المختلفة بشكل عام.
فكرة الشراكة في الحكم في حدّ ذاتها تفترض الإختلاف على اعتبار أن الشركاء في الإئتلاف الحكومي يمثّلون فئات وشرائح وتيارات مختلف من المجتمع أجمعوا على إستجماع مقومات القّوة المختلفة في خدمة المصلحة الوطنية بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة دون أن تطمس تلك الإختلافات في حدّ ذاتها التنافس بين تلكم المكونات تحت غطاء الدستور الجديد للبلاد الذي كرس التعددية.
قانون المالية القادم وإنتخاب رئيس للهيئة العليا المستقلة للإنتخابات إلى جانب إستكمال مراحل إرساء المحكم الدستوريّة بالإضافة إلى الإعداد الكامل لتنظيم إستحقاقات 2019 الإنتخابيّة هي أبرز عناوين الأجندة الحكومية في السنة القادمة وهي عناوين يفترض أن تكون المعارض نفسها معنية بتحقّقها لإرتباط ذلك الدقيق بالتجربة الديمقراطية ونجاحها وكذا إستمراريتها.
قد يكون الإئتلاف الحكومي الجديد في تونس نمذجيا إذا تمكّن الفرقاء الشركاء في إدارة إختلافاتهم الإيديولوجية والمجتمعيّة بعيدا عن الأجندة الحكوميّة الأخرى فتؤسّس تونس لتجربة أكبر من التوافقات وهي تجربة التعايش والشراكة في إدارة الشأن العام وخدمة المصلحة الوطنية دون إقصاء أو شيطنة لأسباب إيديولوجيّة.
الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.