المولد بين التطرّف السلفيّ والدّروشة

بقلم: سمية الغنوشي

 

 

يتجدد النقاش، او بالاحرى السجال الساخن، بمناسبة كل ذكرى سنوية للمولد النبوي الشريف بين من يرى في ذلك بدعة دخيلة ومذمومة، إن لم يصل الأمر حد التفسيق والتكفير، وهو الإتجاه السلفي بكل تفريعاته،  وبين أولئك الذين تختلط عندهم الحقائق بالأوهام في إطار مخيال شعبي يخرج الرسول عن طوره الإنساني ويحوله إلى ما يشبه الأسطورة الخارقة،  وهو الدارج في التصوف الشعبي..

 

والحقيقة أن التوجه السليم نجده في ما استقرت عليه عادات المسلمين من مظاهر احتفالية بالمولد النبوي الشريف، سواء من خلال الأطعمة والمآكل التي تعد خصيصا لإحياء المناسبة، وتختلف من بلد الى آخر في عموم العالم الاسلامي، أو من خلال الأغاني والمدائح والأذكار التي تتعلق بشمائل الرسول، ابتهاجا بهذه الذكرى العظيمة على قلوب المسلمين مشرقا ومغربا.

 

إن صلة المسلمين بدينهم ليس كما يخيّل للسلفيين: مجرد علاقة نصية باهتة، باردة، على طريقة المتكلمين أو الفلاسفة أو حتى الفقهاء، بل علاقة حميمية وتلقائية يتداخل فيها العقل بالفؤاد والوجدان.

 

 

الرسول صاحب رسالة بلّغها عن ربه، ولكنه عند عامة المسلمين قرين الجمال والحب والإخلاص والأمانة والصبر والجلد، وهو كل ما تصبو اليه الهمم العالية، باعتباره الشخصية المثالية والمعيارية  التي يتطلع كل مسلم الى التخلق والإقتداء بها.

 

 

يربط المسلمين رابط عاطفي جياش بشخص  النبي عليه السلام، وهم يعبرون عن هذا التعلق والحب والإجلال المتغلغل في نفوسهم، بمناسبة مولده  ويتوقون أن يتجسد نصيب من سماته العظيمة وشمائله الزكية  في حياتهم الفردية والجماعية.

 

الرسول صاحب رسالة بلّغها عن ربه، ولكنه عند عامة المسلمين قرين الجمال والحب والإخلاص والأمانة والصبر والجلد، وهو كل ما تصبو اليه الهمم العالية، باعتباره الشخصية المثالية والمعيارية  التي يتطلع كل مسلم الى التخلق والإقتداء بها.

 

واجه الاسلام فتنا وصراعات داخلية، كما جابه مخاطر خارجية واحتلالا أجنبيا هدد وجود المسلمين في الصميم، ولكنه عمّر لقرون متعاقبة، حتى في ظل ضعف المسلمين وتشتتهم، بفضل مثل هذه العادات الحميدة التي يجدد فيها  المسلمون أواشج القربى من الرسول الأعظم، ويعبّرون من خلالها عن تواصل العقد المعنوي معه، عقد العشق والوفاء والإجلال لشخصه الكريم ورسالته العظيمة التي غيرت مسار التاريخ ومصير البشرية.

 

اللّهم صلّ على المصطفى بديع الجمال وبحر الوفا

وصلّ عليه كما ينبغي، صلاة تدوم وتبلغ إليه

مرور الليالي وطول الدوام

الكاتب: سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

رأيان على “المولد بين التطرّف السلفيّ والدّروشة”

  1. .. شكرا .. رؤية ثاقبة المناسبة وإطار جديد لها .. شكرا لهذا الفهم الإيمانية النير لمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم..

  2. الحمد لله ان تغيرت فكرة الاسلاميين عن المولد
    فقد كان الشيخ راشد دعا الاتباع الى الاحتفال بالمولد تقية مع انه يرى أنه بدعة حيث كان مقتنعا بوجهة نزر السلفية التي ترعرع بين اجنحتها على مر تاريخه السياسي والفمري… وكان يأمل ان تندثر هذه البدع وغيرها من المجتمع مع مرور الوقت… كان يريد تجنب فتنة في المجتمع المالكي الأشعري الصوفي… كان يؤجل معركته مع الزيتونة التي صرح انه يكره رجالها… وانها المثال السيء للإسلام…
    اليوم، يحضر الشيخ المولد وتكتب ابنته عن البعد الروحي للاحتفال به وتنتقد السلفية وتصفها بالتطرف… حقيقة لا ندري… هل التحول جاء بناء على تعمق ومراجعات وقراءات ام هو مواصلة في التقية والدهاء السياسي؟
    أعتقد ان مراجعات كثيرة وقعت داخل الكواليس وعلى مستوى فردي لكنها لم ترتق إلى أن تكون مرجعية فكرية ورؤية شاملة للدين والإنسان والحياة… لا أشيطن الحركيين ولكن أتمنى مزيدا من الشفافية ومزيدا من تربية القواعد التي تشهد تحولا عميقا في تركيبتها…
    مع الشكر على المقال الجميل المعطر والخفيف
    محمد الصالح الضاوي
    باحث في الإسلاميات والنصوف
    صاحب كتاب: المكون السلفي في عقيدة الشيخ راشد الغنوشي
    والذي حوصر وحورب من قبل الحركة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.