دين وحياة

الإحتفال بالمولد النبوي ورهاب التحريم

This post has already been read 3 times!

 

يقولون، إنّ الرسول لم يحتفل بعيد مولده طيلة حياته، وإنّ الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف “بدعة خطيرة”. وما أكبر غموض هذه الكلمة في عقولنا، فما أن نسمعها حتى نتقوقع على أنفسنا، فقد جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم “كلّ مُحدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”.

 

 وما فتئ المشايخ المُتشدّدون يحرّمون المُحدثات ويُبدّعونها، ويَرمون المقبلين عليها بـ”الكفر”، مستندين إلى الحديث السالف الذكر دون تمحيص معانيه، يخلطون بين الاقتداء بتعاليم رسول الله، والانقياد إلى تعاليم غيره من البشر، وإن كان شيخاً ذا أتباع كمحمّد بن عبد الوهاب رأس “مدرسة التشدّد” في التعامل مع العادات الاجتماعيّة وتبديعها.

ولمّا كانت شعوب بأسرها محرومة من إظهار فرحها بذكرى مولد نبيّها، أكرم الخلق في عيني كلّ مسلم، لا لشيء إلاّ لأنّ فريقًا من المُنتصبين للإفتاء جعلوا من ذلك الإظهار للفرح بتعبيراته المُختلفة من بلد إلى آخر، ضربًا من الإحداث والابتداع، كان لا بدّ من التوقّف عند لفضتي المحدثة والبدعة“، ورصد معانيهما في السياق الذي نزّلهما فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

هدفنا من ذلك ان نحصل على فهم أعمق لنصّ حديثٍ طالما اعتُمد لا في تحريم الاحتفال بالمولد النبويّ الشريف فحسب، بل في التصدّي الأعمى لكلّ مُستجدّ اجتماعي، بدءً من خروج المرأة للعمل الذي مثّل موضوع نقاش أملته الضرورة الاقتصاديّة في منتصف القرن الماضي، وما حفّ به من قيل وقال، بين مُحرّم ومُبيح، وصولاً إلى بعض المُمارسات الاجتماعيّة الوافدة علينا من ثقافات أخرى والحاملة لبُعد إنساني سهّل إقبالنا عليها، كتخصيص يوم احتفاء بالأمّ يُطلق عليه مجازاً عيد الأمّ مثلاً.

البدعة 

البدعة هو شيء الذي أنشئ أولاً، أيّ على غير مثال سابق، فيقال ابتدع فلان الشي الفلاني، ومنها قول الله تعالى: ” بديع السماوات الأرض الذي أنشأهما“، أيّ إنشاء على غير مثال سابق، فهي غير مسبوقة بسماوات وأراضي وأخرى، وكذلك قول الله تعالي:” قل لست بدعاً من الرسل “، أيّ أرسل من قبلي رسل آخرون.

 

 

أما البدعة من حيث العلم الشرعي، فموضوع فيه خلاف، فحسب الإمام “عز بن عبد السلام”، البدعة هي ما أحدث ممّا لم لكن معروفاً، أيّ فعل لم يعهد في عصر النبي محمد، فهي ما استُحْدِث في الدِّين وغيره، ويرى الإمام أنّ البدع التي استحدثت في الدين كثيرة جداً، وبالتالي لا يجب تحريمها دفعة واحدة، ويذهب الإمام مذهباً جديداً في البدع، حيث يقسمها بناءً على تقسيم الحكم التكليفي في الدين، وكما تعلمون فهو ينقسم إلى المفروض، والمحبب، والمباح، والمكروه، والمحرم.

أمّا بالنسبة للإمام “الحافظ”، إنّها “ما فعل ممّا له أصل في الشرع”، وهذا التعريف أكثر تخصيص. ومن أكثر العلماء الذين تكلموا بإسهاب في موضوع البدع وبتدقيق، هو الإمام “أبو إسحاق الشاطبي” في كتابه “الاعتصام “، وهو كتاب يتحدّث في فقه البدع وتأصيلها.

وقد عرّف البدع بتعريفين، الأول: طريقة في الشرع مخترعة، يقصد بالسلوك عليها مزيد التعبد لله تعالى– أيّ أنّه لاحظ الجانب التعبدي – والثاني وهو الأوسع: البدعة طريقة في الشرع مخترعة، يقصد بالسلوك عليها ما يسلك بالطريقة الشرعية، وكثيرون من توسعوا في موضوع البدع بناءً على هذا التعريف الأخير.

إلاّ أنّ المعارضين لمسألة البدع برمتها، يقولون من أين لهؤلاء العلماء بهذه التقسيمات والتعريفات؟ فبالنسبة إليهم، يبقى كلام الرسول أهم من كل اجتهاد، ولكن إجابة هؤلاء العلماء لهم كانت سابقة بهذا الدليل الذي يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا”، فهناك الكثير من السنن المستحينة، وهي أشياء مستحدثة لم يسنها الرسول ولكنها مستحبة .

 بدع  لا نعلمها

التصنيف في علم النحو،  هو مبتدع بعد الرسول، ففي زمان الرسول، وزمان الصحابة كان العرب قبل أن تدخل الرطابة في لسانهم  يتكلمون بالسليقة، ولكن بعد دخول العجمي في لسان العرب وتزايد الأخطاء اللغوية، لم يعودوا يقتدرون على أن يفهموا  كلام الله، فمست الحاجة إلى  تقعيد القواعد.

 

ما أنّ  ظهور علم الحديث، وعلم أصول الفقه، وعلم أصول الحديث، أيّ -حديث صحيح وحديث ضعيف-  هي أشياء جديدة وبدع، لكنها بدع واجبة حسب الإمام “عز بن عبد السلام”، ومن البدع المستحبة كذلك، بناء مدارس تعليم القرآن، وعلوم الدين.

ويقول “العز” “ومنها كل إحسان لم يعرف في العصر الأول “، مثل الكلام في دقائق علم التصوّف، وإنّ تجميع القرآن وتزيينه لم يعرف في عهد الرسول، والتفنن في الخط العربي، وكذلك زخرفة المساجد بدع، ويعتبر المجتهدون أنّ هذا من الأعمال الطيبة.

 

 

صلاة التراويح

جمع الناس على إمام واحد في رمضان، لم يكن موجوداً في عهد الرسول، بناءً على هذه القصة التي أخرجها الإمام مالك في الموطأ، والإمام البخاري في صحيحه:

“عن عبد رحمان بن عبد القاري يقول كنت مع عمر ابن الخطاب في شهر رمضان، فمررنا بالمسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلون فالرجل يصلي وحده بصلاة نفسه، والرجل يصلي بالرهط، “أيّ مجموعة من الناس”، فلم يعجبه الأمر، ثم مررنا بالمسجد ليلة أخرى،  فقال عمر ابن الخطاب ” :لو أني جمعتهم على إمام واحد لكان خيرا ، فأمر أبيّ ابن كعب أن يصلي إماما بالناس بصلاة قيام الليل في رمضان جماعة، وهي ما تعرف الآن بصلاة التراويح، وهذه بدعة فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى بالناس ثلاثة أيام في رمضان، ثم لمّا رآهم كثراً لم يخرج إليهم وعندما سألوه قال خشيت أن تفرض عليكم “.

 

 

  لكن عمر قام بهذا، بالرغم أنّ الرسول لم يقم به فقط بل خشى أن يقوم به حتى  لا تفرض عليهم. لكن  العلماء يرون أنّ هذا  الفعل بعد الرسول مستحب، فالخشية انتهت بعد وفاة الرسول، وهذه العادة عندما يقوم بها صحابي لن تتحوّل لفريضة باعتباره ليس رسولاً.

تداول الفكرة دون البحث فيها  

بالرغم أنّ نقاش حول مسألة الاحتفال بالمولد هو نقاش فرعي لا يتعلّق بقواعد الدين الإسلامي، وفيه إجماع بين الكثير من العلماء على جوازه وخلاف بين البعض منهم، إلاّ أنّه صادفني مؤخراً مقطع لشيخ يحمل في يده كتاباً ويقول: “هذا كتاب الشيخ ابن عبد الوهاب، انظروا ما يقول ” أن تروح للناس وتحضر عندهم الاحتفال بالمولد وتأكل وتشرب “ فهذا كفر!، ويصرخ بأعلى صوته أنّ هذا كفر”.

 

 

 لا أوّد أن أكون من المدافعين عن “ابن عبد الوهاب” لأنّي لا أستسيغ أفكاره، إلاّ أنّه أثناء البحث، وجدت من المفكرين من دلني أنّ الشيخ الصارخ يكذب، فبالعودة إلى المجلد السابع (صفحة 227) في مجموع عبد الوهاب، وهو موجود على الإنترنت، نجد أنّ “عبد الوهاب” نفسه لم يقل هذا، ولا نعني أنّه مؤهل لتكفير الناس لو صدق قوله، ولكن يجب إيضاح الحقيقة لجمهور هذا الشيخ الذي أفهمهم أنّ أكل طعام المولد من شأنه أن يخرجهم من الملة، فعبد الوهاب يقول.. وتحضرهم وتقرأ لهم حين ينخون ويندبون مشايخهم، ويسألون المدد، أيّ فالمقصود هو الاستغاثة بالأموات، وهذا أمر خطير يمكن أن يثير ريبة كل مسلم.

الكثير من الشيوخ القدماء والمعاصرون على اختلاف مذاهبهم، لا يقبلون بدعاً كثيرة، ولكنهم في المقابل يقبلون بدعاً أخرى، يطنبون في الحديث عن خطورة البدع وآثارها في بلاد المسلمين، فيما يصدّق الجمهور العريض ما يسمع منهم دون التثبت في معيار اختيارهم لتحليل وتحريم هذه البدع التي تندرج في مسائل لا ترتبط بالعقيدة، ولكن يتمّ تمريرها إلينا على أساس أنّها مسائل جوهرية تمسّ من الإيمان.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.