اختيار المحرريندين وحياة

كلا، لم تحدث خوارق يوم ولادة النبي الأكرم

في ذكرى المولد النبوي الشريف

 

منذ الصغر، اعتدنا إمضاء ليلة المولد النبوي الشريف في الإستماع إلى القصص العجيبة و الغريبة التي رافقت مولد النبي صلى الله عليه وسلم، نصدقها بناء على تصديقنا با الذي وهبه الله لكل الأنبياء.

 

ولكننا نتغافل في نفس الوقت عن حقيقة مهمة هي أن الرسول عرف نوعا آخر من الإعجاز في حياته لم يتصف بكونه إعجازا حسيا، بل إرتبط إرتباطا وثيقا بجوهر رسالته، وهو الفكر و العقل.

 

و بعد بحث قام على عدة مراجع، أهمها دراسة للدكتور أحمد خيري العمري سنتقتطف منها بعض الأجزاء عن حقيقة مولد النبي، يمكن أن نجزم بـأنه لم يحدث شيء من الخوارق التي طالما سمعنا عنها، لم يولد عليه الصلاة والسلام مختوناً، لم تنطفئ نار المجوس، لم ينشق إيوان كسرى، ولم تسقط أربع عشرة شرفة منه، لم تجف بحيرة ساوة ولم تنتكس  الأصنام في مكة.

 

قيمة رسولنا لا تستمد من هذه الوقائع، فكما يقول الفليسوف العقل كانط ” أرفض المعجزات لأنها تستثمر في أن تكون غلافا للقيم و تبريرًا للأخلاق، تلك الأخلاق و القيم التي لم تلق مبررا لوجودها”.

 

من أسباب تصديق هذه الروايات 

كل هذه الروايات تسللت إلى وعينا الجمعي في مطلع عصور التدهور، عندما بدأ المسلمون يفقدون (وعيهم) بالمكانة الحقيقية لنبيهم الكريم، خاتم النبيين وصاحب المعجزة الوحيدة المستمرة، المعجزة الوحيدة التي اعتمدت على (إعمال) العقل، بدلا من (إعجازه) كما حدث في المعجزات السابقة..

عندما بدأ المسلمون يفقدون استشعارهم لاستمرار هذه المعجزة، بدؤوا يبحثون عن (معجزات) أخرى.. بدؤوا يأخذون من الأمم الأخرى والديانات السابقة مبالغاتها وغلوها تجاه أنبيائها..فلم يرضهم أن يكون مولد النبي عيسى عليه السلام خارقا للعادة و موسى كذلك دون أن نفهم أن هذين النبيين كانت معجزاتهما معجزات حسية بالأساس، سخّرت لهما حتى يصدقهما قومهما حينئذ.

وقد قامت فلسفة الأنوار ومسار مراجعة أفكار الكنيسة على الدحض العلمي و العقلي لهذه المعجزات و تصنيفها أنها من الخرافات، و لانعني بهذا صحة ما ذهبوا إليه و في هذا حديث كثير …

وفيما ينشغل بعضنا في الجدال حول ما إذا كان المولد بدعة أم لا، يغفل عما هو أخطر من مجدد الاحتفاء بالمناسبة: الرؤية السائدة التي تخرج الرسول الكريم عن أعظم ما ميزه: عن كونه قد فعل كل ما فعل بجهد بشري استحق التأييد الإلهي.. عن كونه (القدوة) التي يمكنك أن تقتدي بها، لا الرجل الخارق الذي لن تفكر أصلا بتقليده..

 

 

في معنى المعجزة

تعاملت المؤسسة الدينية التقليدية، مع هذه القصص (الخرافية بطبيعتها) كما لو كانت تتعامل مع (معجزات) للرسول عليه الصلاة والسلام، أي أنها تعاملت معها في موسم المولد النبوي واحتفالياته، كما لو أنها تتعامل مع براهين نبوته عليه الصلاة والسلام.

والمعجزة، حسب تعريف لاهوت المعجزات والخوارق في أبسط تفسير لها، هي التعليق الوقتي لعمل القانون الطبيعي حتى تمر المعجزة و اعتبرت في عهد الأنبياء  (برهان نبوة).

 

 

 

لذلك طلب الكافرون من الرسول برهان نبوة، وكان في كل مرة يأتيهم بآية من آيات القرآن. والفرق بين معجزات ما قبل القرآن، ومعجزة القرآن، هو أن هذا البرهان كان ذا طبيعة حسية في أنبياء ما قبل القرآن (عصا موسى، إحياء الموتى… إلخ) ، وهي في غالبها موجهة نحو (غير المؤمنين)، والهدف منها هو خضوعهم أمام هذا البرهان الذي يجعلهم يسلمون بنبوة النبي صاحب المعجزة، ومن ثم يؤمنون به ويتبعونه.

 

جوهر معجزة النبي هو إعمال العقل، بدلا من إعجازه، أن ينهض العقل من سباته ليقوم بدوره في تكوين شخص جديد قادر على صنع مجتمع جديد..

 

معجزة القرآن كانت مختلفة بطبيعتها، فهي لم تكن خارقة حسية مثل عصا موسى أو إحياء الموتى، لم تكن تخاطب الحس في الإنسان، بل كانت تخاطب العقل فيه، كانت تطلب منه التفكير فيما يقول هذا القرآن..

 

بعبارة أخرى، معجزة الحس، كانت تطلب إيقاف العقل: ترى شيئا خارقاً، فتتوقف عن الجدال، توقف عقلك عن الرفض، وتتبع صاحب المعجزة.

 

 

معجزة القرآن على العكس من ذلك، كانت تتطلب إعمال العقل.. كانت معجزة من طرفين، طرفها الثاني هو المتلقي الذي يتفاعل معها، فيعمل عقله في آيات هذا القرآن، وبعدها يبدأ سلسلة تفاعلات تغير كل ما فيه.

هذا بالذات هو ما يجعل معجزة القرآن مستمرة. لا أحد يعلم أين هي عصا موسى، والميت الذي أحياه السيد المسيح، مات مجدداً.. لكن معجزة القرآن مستمرة، بتعبير أدق: الاستمرارية كامنة فيه، لكن أغلب التعامل السائد مع القرآن لا يحقق ذلك، ولكن هذا موضوع آخر.

 

نحن لا نصدق أن القرآن معجزة في حد ذاته 

المؤسسة الدينية التقليدية، بحكم تقادمها وتراكم التكلسات عليها، عاجزة عن إخراج جوانب إعجازية مستمرة من القرآن، ببساطة هي تعيد وتصقل ما كرره الأولون والمتقدمون، ونادراً ما يكون هناك جديد فيما تطرحه.

بعبارة أخرى، جمهور المؤسسة الدينية التقليدية، لا يستشعر معجزة القرآن حقاً، لا يستشعرها من حيث أنه يجب أن يكون الطرف الآخر للتفاعل مع القرآن الذي يغيره ويقوده إلى حيث يجب أن يكون.

 

 

لذا فالمؤسسة لها آليات أخرى تعوض هذا الفراغ في العلاقة مع القرآن.. آليات لا داعي حقاً لذكرها الآن ولكن قليلاً من التفكر فيما حولنا من (نشاطات)، سيجعلنا نفهم ذلك.

ضمن ذلك، يأتي دور المؤسسة الدينية في التعامل مع خرافات المولد كما لو كانت معجزات للرسول عليه الصلاة والسلام.

يتم التعامل مع هذه القصص كما لو كانت حقائق مطلقة محسومة، ولأن بعضها على الأقل له طابع (ملحمي)، فإنها تقع في نفوس وعقول الأطفال الذين يحضرون هذه المناسبات موقعاً مختلفاً جداً، بطريقة ما تلعب هذه القصص دوراً تأسيسياً في إيمان هؤلاء الأطفال.. لقد انشق إيوان كسرى يوم ولد، لقد جفت بحيرة ساوة يوم ولد، لقد ارتكست الأصنام في مكة، لقد ولد مختوناً.. لا بد أن يكون نبياً إذن.. لا شك في ذلك..

 

لو عرف أنه نبي لتوقع الوحي 

هذه الروايات حول مولد النبوي الشريف تتنافى مع حياته قبل الوحي.

فلو علم ماحدث يوم مولده لتوقع الوحي و لما عاد مذعورا إلى السيدة خديجة رضي الله عنها قائلا “دثيريني،دثيريني!”

لو حدثت هذه الوقائع و تم نقلها عبر الناس، كما يتم نقلها حاليا، لتهيأ الرسول الأكرم لهذا الحديث الجلل في حياته و هذا ما يثبت أنه لم يخطر على باله، لأن ميلاده لم ترافقه هذه الأحداث، إضافة لأننا لم نطرح هذا السؤال: لم كان أتباعه قليلين جدا في بداية الوحي، رغم كل هذه الخوراق المروية عن يوم مولده، حتى أن التشكيك في الرسول دائما كان مرتبطا بعدم وجود حدث خارق يثبت نبوته؟

 

وفي هذا الغرض يقول الدكتور أحمد خيري العمري:

“أليست محبة الرسول عليه الصلاة والسلام حسب القرآن هي باتباعه؟ فهل كان في منهجه وحياته ما يدل على هذه القصص أو يقترب منها؟ هل تحبيب الناس به عليه الصلاة والسلام يكون عبر تقديمه بصورة هي أقرب إلى أفلام الرسوم المتحركة والخيال العلمي، بدلاً من تقديم منهجه والقيم التي جاء بها وشمولية أخلاقه وبشريته عليه الصلاة والسلام، هو الذي كان يقول عن نفسه: إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد ببطن مكة ، وليس (أنا الذي انشق إيوان كسرى يوم ولدت!)، هو الذي يوم أراد أن يعرف عن نفسه ويجمع قومه عليه يوم حنين قال بأعلى صوت: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ، وهو الذي كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أي شخص..

هذا هو النبي الذي يمكن أن يكون قدوة، لا يمكنك أن تقتدي برجل خارق قادم من قصص الخرافة والخيال اللاعلمي، القدوة بالتعريف يجب أن تكون (بشرية)، تملك ما هو مشترك معها بحيث يمكنك أن تبني على هذا المشترك لتطوير ذاتك عبر الاقتداء بها، إما أن تبني العلاقة معه على أساس قصص لا أساس لها، فهذا يمكن أن يقود إلى أي شيء غير الاقتداء.

هدف التفكير في هذه المسائل

فتح ملف المولد النبوي ورفض الخرافات المنتشرة فيه لن يحل مشاكلنا تلقائياً، هذا مؤكد، لكن رفض خرافات المولد هو جزء من تغير نمط التفكير السائد الذي أزعم أنه سبب أساسي من أسباب مشاكلنا وأزماتنا..

أن ترفض خرافات المولد لأنها لم تثبت ولأنها تعارض جوهر العقيدة الإسلامية في نبوته عليه الصلاة والسلام، فهذا يعني حتماً أنك قادر على مواجهة مشاكل أخرى بنفس الطريقة، بل يعني أنك قادر أيضاً على تنقية الموروث الديني من السلبيات التي تراكمت عليه، سواء كانت هذه السلبيات ناتجة عن أحاديث ضعيفة أو موضوعة، كما في خرافات المولد، أو عن فهم سلبي خاطئ لأحاديث صحيحة ونصوص ثابتة.

 

قصص ضعيفة السند و غير منطقية 

تذكر أحياناً أساطير غريبة وركيكة عن زواج والدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فيذكر منها أن عبد الله في طريقه للزواج من آمنة مر بكاهنة يهودية عرضت نفسها عليه مقابل مائة من الإبل فامتنع وقال قصيدة في التعفف عن الحرام، ثم ذهب فتزوج من آمنة بنت وهب، ولما رجع مر بالكاهنة فدعته نفسه أن يفعل ما امتنع عنه أول مرة! فقالت له (إنها لا تفعل ذلك عادة!!) ولكن كانت رأت فيه نور النبوة (!) فأرادت أن يكون فيها ولكن شاء الله أن يكون حيث أراد.. (رواه ابن عساكر). والرواية كما يقول د. أكرم ضياء العمري (منكرة سندا ومتناً)، علماً وأن الكثير من الوعاظ المعاصرين يستخدمونها على ما فيها من علل قادحة، ولو كان هناك إعمال لأبسط آليات العقل، لكان هناك سؤال: ومن الذي عرف أصلاً ما دار من حوار بين الكاهنة ووالد النبي؟! والسند كله لا يصل إلى الكاهنة وبالتأكيد ليس إلى والد النبي!

أنه ولد مختوناً (كل أسانيدها لا تخلو من وضاع أو متهم بالوضع على نحو لا يمكن أن يشد بعضها بعضاً). أن جبريل قد ختنه بعد ولادته! (بإسناد فيه مجهولان وليس مجهول واحد!) وقال ابن كثير هذا غريب جداً وقال الذهبي منكر.

ارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرفاته وخمود نيران المجوس وغَيض بحيرة ساوة ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة وتنتشر في بلاد الفرس (كلها دفعة واحدة في سند واحد)، والسند فيه مجهولان، أحدهما راوي الحديث عن والده أو مجموعة الأخبار هذه، وهو مخزوم بن هانئ المخزومي، ووالده أيضاً لا تعرف له صحبة أو حال، وقد ذكر الذهبي هذه الأخبار في السيرة النبوية وقال (منكر غريب) كما ذكرها ابن كثير في البداية وقال (هذا الحديث لا أصل له من كتب الإسلام المعهودة).

في ليلة مولده، ما كان يمكن لأهل مكة أن يعرفوا ما سيحدث في العراق حيث إيوان كسرى، وحيث نار المجوس في المدائن، وحيث بحيرة ساوة التي جفت فجأة..ببساطة لم يكن هناك نشرة أخبار في الساعة الثامنة على القنوات العريبة، تجتمع فيها تلك الأخبار العاجلة الرئيسية، بحيث يمكن أن يقرن أي أحد بينها وبين حادثة ولادة تحدث في الحي المجاور.

قول العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام أنه رآه في المهد يناغي القمر (قال ابن كثير فيه غرابة، وقال الذهبي هذا إسناد ساقط)، وفيه أحد المتروكين،علما أن العباس يكبره عليه الصلاة والسلام بعامين فقط!

في العموم، لم يصح من أحاديث المولد غير أن السيدة آمنة بنت وهب قد (رأت) نوراً يخرج منها ليضيء قصور بصرى من أرض الشام، والرؤية هنا تحتمل أن تكون مناماً، خاصة أن بعض الروايات تذكر المنام أصلاً، ولم يأت ذكر أن هناك من رأى النور غير السيدة آمنة.

إعمال العقل تكليف إلاهي 

عندما تنسب لشخص ما صفات ليست فيه، فهذا يعني أنك في قرارة نفسك، لا تقدر صفاته الحقيقية، ولا تعتبرها تستحق الثناء حقا.. أو أنك عجزت عن معرفتها واكتشافها..عندما تنسب له، عليه الصلاة والسلام، وقائع لم تحدث، فهذا يعني أن الوقائع التي حدثت لم تكن كافية حقا.. تراها أقل من أن تكفي.. تراها ناقصة وبحاجة إلى المزيد.. إلى البهارات والتوابل..

وعندما تكون هذه التوابل الزائدة من نمط مخالف لكل منهجه عليه الصلاة والسلام، فهذا يعكس مشكلة أكبر.. مشكلة أنك لم تفهم المنهج أصلاً، لذا كان لا بد أن تكون زياداتك معاكسة ومناقضة لجوهر ما جاء به..كان جوهر معجزته هو إعمال العقل، بدلا من إعجازه، أن ينهض العقل من سباته ليقوم بدوره في تكوين شخص جديد قادر على صنع مجتمع جديد..

لكن تلك الزيادات الخرافية التي نتمسك بها، تدل على أن هناك من يضع أصابعه في آذانه، حتى لا تعمل المعجزة القرآنية.. حتى لو كان يدعي أنه يحرسها ويحافظ عليها..

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.