اختيار المحررينثقافةغير مصنف

فيلم الرحلة: المنقذ من الضلال.. سفر في أعماق الذات

أفلام

This post has already been read 23 times!

 

 

لقد كان هذا العام مميّزًا للسينما العربيّة، بصدور أفلام جيّدة كثيرة، وجدت صدى واسعًا على المستوى العالمي، كفيلم “القضيّة 23″ لزياد الدويري و”كفر ناحوم” لنادين لبكي و”يوم الدين” لأبي بكر شوقي والفيلم الوثائقي “اصطياد أشباح” رائد أندوني، إلخ… ومن بين هذه الأفلام “الرحلة” للمخرج العراقي محمّد الدراجي، الّذي شارك في مهرجانات عالميّة كثيرة أهمّها مهرجان تورونتو السينمائي، وتمّ ترشيحه من قِبَل وزارة الثقافة العراقيّة للمنافسة على أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2019.

 

المخرج محمد الدرّاجي هو مخرج عراقي درس الإنتاج السينمائي والتلفزيوني في أكاديميّة وسائل الإعلام العراقيّة، وذلك قبل أن يهاجر إلى إنجلترا لإكمال تعليمه الأكاديمي، حيث حصل على شهادة الماجستير في التصوير السينمائي والإخراج بكلّية السينما الشماليّة في مدينة ليدز، ثمّ استقرّ في هولندا، قبل أن يعود إلى العراق بعد الاحتلال الأمريكي في 2007، لتصوير فيلمه الروائي الطويل الأوّل “أحلام”، الّذي لقِي اعترافًا عالميًّا حيث عُرِض في أكثر من 100 مهرجان سينمائي عالمي، وحصد جوائز كثيرة. في 2008، عاد الدرّاجي مجدّدًا إلى العراق لتصوير فيلمه الثاني، “ابن بابل”، ثمّ فيلمه “تحت رمال بابل” في سنة 2013.

 

 

وقد أكّد في هذين العمليْن قدراته الكبيرة في مجال الكتابة والإخراج، فكانَا امتدادًا لفيلم “أحلام” من حيث النجاحات والتتويجات على الصعيد العربي والعالمي، وامتدادًا من حيث الأسلوب الفنّي والفكري، ففي أغلب أفلامه صوّر محمد الدراجي المشهد العامّ لعراق ما بعد الاحتلال بطريقة كابوسيّة فيها مسحة من الشجن والأمل، بأسلوب واقعيٍّ صرف. وفي أوّل هذه السنة، أطلّ علينا محمّد الدرّاجي بفيلم جديد، هو استمرار لمقوّمات هذه التجربة الديستوبيّة في رؤية الواقع، فيلم “الرحلة” المرشّح لحصد نجاحات كثيرة هذا العام، وهو فيلم كتبه الدرّاجي مع رفيقته الدائمة في الكتابة، إيزابيل ستيد، وجسّد أدوار البطولة فيه كلّ من زهرة غندور وأمير علي جبارة.

 

تميّز الفيلم بمشاهد عديدة على غاية في الجمال، ظهرت فيها قدرة المخرج محمد الدرّاجي على دقّة اختيار مكوّنات الصورة ونوع الإضاءة، ولعبه المتواصل على الظلّ والضوء والألوان الّتي نقلت الانفعالات المتباينة للشخصيّات. للكاميرا حضور قويّ في الفيلم، واستعمالها موفّق في مشاهد كثيرة، خاصّة المشاهد الّتي وصلت فيها الحركة إلى ذروتها، أوصلت فيها الكاميرا المحمولة مشاعر الاضطراب والقلق والهروب والخوف والتوجّس والانفعالات النفسيّة والجسديّة للشخصيّات.

 

وفي المشاهد الّتي تقلّ فيها الحركة، ركّزت المخرج كثيرًا على “الكلوزـ آب” لاستنطاق التفاصيل الصغيرة، ووجوه أبطاله؛ ومن ثمّ الانتقال إلى مشاهد أكثر شساعة كمشهد السماء أثناء حفلة الألعاب الناريّة، وهذا الانتقال كان مدروسًا لعب فيه كلّ من المخرج ومدير التصوير على زاوية نظر الشخصيّات، خصوصا زاوية نظر البطلة سارة، الّتي تترّدد بين الشعور بالضيق والانشراح.

 

 

كما نجح الممثّلون في تقمّص أدوارهم بنسب متفاوتة، لكنّ الملفت للانتباه أداء الممثّلة زهرة غندور الّتي لعبت دور سارّة، وكان حضورها قويًّا رغم أنّ الشخصيّة الّتي جسّدتها تميّزت بالتعقيد والاضطراب والانفعالات المتعدّدة والمختلفة الّتي فرضها السيناريو، لكن هذه الممثّلة تلبّست بالشخصيّة واستوفت أغلب أبعادها.

 

الشريط الصوتي أيضًا هو عنصر مؤثّر في الفيلم، وكان لحضوره مساهمة كبرى في بناء البنية السرديّة وخياطة نسيج المعنى، كما أنّه تماهى مع انفعالات الأبطال وطبيعة المكان والأحداث، وقد تماشى شأنه شأن الصورة للمخرج، فجاء عراقيًّا صرفًا، من خلال الموسيقى الّتي تعزفها فيرقة الشارع، صوت الآذان والنشيد الوطني على لسان الأطفال، إلخ…

 

المشهد الافتتاحي في الفيلم وظيفيٌّ جدًّا، رغم غموضه النسبي، إلّا أنّه يضعنا في إطار الفيلم دون مقدّمات من خلال مقابلة خفيّة المعالم بين عالميْن متناقضيْن. سارة بطلة الفيلم تمشي بخطى متسارعة ومضطربة توحي بها حركة الكاميرا المحمولة المرتعشة. الزمان: فجر يوم جديد، يظهر من خلال الإضاءة وصوت آذان الفجر، الفجر برمزيّاته المعهودة، الأمل والبدء والاستمراريّة والحياة، في مقابلة تامّة مع ملامح المكان، وهي محطّة قطار مهجورة، خالية من كلّ مظهر من مظاهر الحياة، شأنها شأن وجه “سارة” الّذي تركّز عليه الكاميرا لإبراز مدى جموده ونظرته المحدّقة في الفراغ، الخالي من أيّ معنى أو إيحاء.

 

مشهد من المقطع الأوّل لفيلم الرحلة

 

تمتدّ مشاهد هذا المقطع دقيقة ونصف تقريبًا، ورغم طوله النسبيّ، إلّا أنّه يوحي أنّ هناك حدث جلل بصدد الوقوع، رحلة صعبة يتمطّط فيها الزمن ويثقل، وحسب رأيي كان من الممكن أن يكون المقطع أطول ليكون معبّرًا أكثر عن هذه المعاني الّتي أراد المخرج إيصالها. الغموض سيّد الموقف هنا، وتبدأ الأسئلة منذ البداية في التناسل، حين يظهر بعض الارتباك على سارة حين شاهدت جنديًّا عراقيًّا ومحاولتها السير دون أن يراها أحد، تنزع حجابها في تلك اللحظة، وتواصل السير، تصل إلى المحطّة، تتخفّى كي تتجنّب تفتيش عناصر المارينز الأمريكي والشرطة العراقيّة، بين أطفال يغنّون النشيد الوطني في امتداد لنفس رمزيّة الصباح والآذان وبدء دبيب الحياة في شريان محطّة القطار، لكنّ ملامح سارّة لا تتغيّر وحافظت على الجمود نفسه والنظرة العدميّة الخاوية نفسها.

 

تدخل قاعة الانتظار في محطّة القطار، وهنا تكتمل المقابلة المجازيّة الّتي حاول المخرج إيصالها منذ بداية الفيلم، فيتّضح أنّ “سارّة” ليست إلّا انتحاريّة قرّرت أن تحوّل هذا الصباح إلى ليل أبديٍّ. بعد أن اعتزمت تفجير نفسها داخل المحطّة أثناء الاحتفال الرسمي بإعادة افتتاحها، بعد الدمار الّذي لحقها أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق، في صبيحة 30 ديسمبر 2006، (يوم إعدام الرئيس صدّام حسين)، وهي إشارة أخرى لبرزخ بين جحيميْن، عاشه العراق زمن وقوع أحداث الفيلم، برزخ الانتقال من جحيم الحصار والتجويع والحرب الّتي تسبّب فيها نظام حزب البعث إلى جحيم أقسى وأعنف، جحيم الاقتتال الطائفي والاحتلال والإذلال والسلب الأمريكي للعراق؛ وهو البرزخ نفسه الّتي تعيشه البطلة، ألا وهو تردّدها بين قسوة الحياة وشبح الموت المخيف. تضع يدها على زرّ التفجير: فهل ستضغط عليه الفتاة فعلًا أم ستتراجع في آخر لحظة؟

 

مشهد من الفيلم

 

تنطلق الرحلة حين يحدث أمر لا متوقّع، يغيّر وجهة الأحداث: يظهر بطل الفيلم الثاني “سلام” في قاعة الانتظار بالمحطّة، وهو شابّ صعلوك ومحتال، يتّضح من خلال محتوى مكالماته الهاتفيّة، أنّه يحاول الإيقاع بمن فقدوا أطرافهم في الحرب ويوهمهم بأنّه يتاجر فيها، ليحتال عليهم فيما بعد؛ ولسوء حظّه تقوده تصرّفاته الطائشة إلى لغم بشريّ متنقّل، إذ تحرّش بسارّة ظنًّا منه أنّها مومس تبحث عن زبون، فتكشف له عن زرّ التفجير في جيبها، وتهدّده بأن تنسفه معها إذا ما قام بأيِّ حركة، وبما أنّه اكتشف أمرها قبل حلول موعد التفجير، تختطفه وتبقيه معها في أحد المخازن المهجورة بالمحطّة؛ لتبدأ الرحلة الّتي لم تتوقّعها البطلة بل قادتها الصدفة إليها.

 

مصادفة أخرى، عقّدت الحكاية أكثر لترغم الأحداث “سارة” على مواصلة رحلة لم تخطّط لها، لكنّها ستساهم في تغيير الكثر بالنسبة إليها، فحين كانت مع “سلام” في المخزن، دخلت قوّات المارينز إلى المخزن مطاردة امرأة منقّبة تحمل حقيبة، ظنًّا منهم أنّها تحتوي على متفجّرات، وحين أوشكوا على الإمساك بها، ألقت الحقيبة، لتقع بين يديْ سارّة وسلام.

 

إلى حدّ هذه اللحظة، المشهد كابوسيّ تمامًا، حالة من الشكّ والخوف تسري في كلّ مكان، ورائحة الموت قريبة جدًّا. لكنّ الفيلم يأخذ مسارًا آخر حين يفتح البطلان الحقيبة، ليجدا رضيعًا، يتبيّن فيما بعد أنّها طفلة غير شرعيّة كانت أمّها تحاول التخلّص منه. في البدء، تحاول “سارة” إقناع سلام بتركها، إلّا أنّ الجانب الإنساني يظهر في هذا الشابّ الّذي يتاجر بآلام الآخرين، يتشبّث بها؛ لترافقهما في رحلتهما داخل المحطّة؛ ومع حضور الرضيعة تبدأ ملامح سارّة في التغيّر، صارت أكثر ليونة، وانزاح بعض الجمود من وجهها، لتظهر مشاعر متناقضة في كلّ مرّة؛ ونستنتج أنّ في داخلها شيء مّا يتغيّر.

 

زهرة غندور وعلي أمير جبارة في مشهد من فيلم الرحلة

 

 

تأخذ الرحلة منعرجًا آخر، لتصبح الكاميرا أكثر تركيزًا على الشخوص الموجودة في المحطّة، وفي مشاهد خاطفة يلخّص النصّ السينمائي عصارة سيرهم الأليمة، لتكوّن هذه الهوامش مجتمعة، فسيفساء ترسم وضع المجتمع العراقي بُعيْد الاحتلال الأمريكي، لكنّ هذه الشخصيّات كانت مؤثّرة جدًّا في التغيّر الّذي يطرأ تدريجيًّا على سارّة، الإرهابيّة الّتي جاءت للمحطّة بقناعة عمياء وقلب ميت، لتخرج منها بتساؤلات كبرى ودموع حارّة تكشف استرجاعها لإنسانيّتها المهدورة في آخر الفيلم؛ وذلك لأنّ كلّ الشخصيّات كان يحدوها أمل مّا، هدف يمنحها طاقة عجيبة على الاستمرار في الحياة رغم مآسيها العظمى، وهذا ما تسلّل إلى روح سارّة اليائسة تمامًا.

 

فالشخصيّة الأولى، هي الطفلة “منى” بائعة الورد الّتي تستعمل كلّ الطرق -بما فيها الابتزاز- للحصول على قليل من المال يكفي لمجابهة عيشها في الشارع رفقة أخيها الصغير “عمر” ماسح الأحذية، ورغم تعرّضهما للتعنيف المتواصل من قِبل أطفال الشوارع الآخرين، وضعف دخلهما المادّي، إلّا أنّهما كانا يحلمان بالعثور على أمّهما وجمع مال يكفي لبناء منزل يأوي العائلة من جديد. الشخصيّة الثانية، هو قائد الفرقة الّذي أمضى وقتًا طويلًا في سجون النظام العراقي، لكنّه حين خرج منه أصبح يعزف في المحطّة ليصنع الشجن والفرح، وحتّى يأسه من الزواج بحبيبته الّتي انتظرته طويلًا، بسبب عطالته وظروفه الماديّة القاسية، يتبدّد فجأة، ويتزوّج منها في اليوم نفسه الذّي قدمت فيه سارة لقتل الجميع، وتكون هي حاضرة في الحفل الصغير المقام في إحدى عربات القطار القديمة.

 

المرأة المنقّبة الّتي كانت هاربة من العار، وألقت برضيعتها للمجهول، تستعيدها في نهاية الفيلم وتقرّر تحدّي عائلتها والمضيّ قُدُمًا في حياة جديدة، بثّت طفلتها في شرايينها أملًا وقوّة بعد أن أوشك سمّ اليأس في الفتك بها.

 

 

أحد أجمل مشاهد الفيلم

 

الشيخ الذّي فقد ابنه في تفجير انتحاريٍّ، حمله أبطال الفيلم على الأعناق ليُدفَن في مكان ما من المحطّة، ولكنّه كان صلبًا رغم ذلك ومتشبّثًا بالحياة وأحكامها. أمّا “سلام”، فقد أصبح همّه إنقاذ “سارة” الّتي أصبحت تحت وطأة كلّ هذه الأحداث ترغب في نزع الحزام الناسف، بعد أن نزعت فكرة الموت وشعرت بفداحة الجرم الّتي كانت مقدمة عليه، بعد أن ملأ الأمل قلبها من جديد وأذابت التساؤلات جليد الأفكار الإرهابيّة الّذي جمّد وعيها وعاطفتها، لينتهي الفيلم بمشهد رائع، تناجي فيه سارة اللّه داخل مقبرة هربت إليها وتبكي بحرقة، ليصبح الإيمان الإرهابي الأعمى إيمانًا صوفيًّا حارقًا، ليظهر اللّه في صورته الحقيقيّة، في الآخرين وفي الأقدار وفي الذات.

 

لكن ما الّذي تغيّر؟

 

هو التأمّل في كلّ هذا، التأمّل الّذي يبقيك دائمًا بقرب الإنسانيّ والإلاهيّ فيك؛ لكن إذا ابتعدت عن التأمّل ستكون فريسة لذلك الوحش الّذي يتغذّى من العقول الخاملة والأرواح النائمة.

 

ولكن طيلة الفيلم، تبدو الرحلة غير منتظمة ومشوشّة وفيها إسقاطات كثيرة، وتسأل نفسك: أيمكن أن يحدث كلّ هذا في يوم وليلة داخل محطّة قطار؟ لتكون النهاية إجابة ذكيّة ومفاجئة من المخرج، حين يخبر المتفرّج في آخر مشهد، بأنّ سارّة مازالت واقفة في المكان نفسه الّذي كانت فيه أوّل الفيلم، وما تلك الرحلة إلّا رحلة في خيالها دامت للحظات وهي ترقب الأشخاص الموجودين في قاعة الانتظار في المحطّة، هي لحظات وقفت فيها على بُعيْد خطوة من الموت فوجدت نفسها تتأمّل في الحياة الّتي تركتها خلف ظهرها. وبعد أن جاءت لتطهير المسافرين من حياتهم الّتي ملأتها الشرور والمآسي، وجدت نفسها تطهّر قلبها من اليأس وفكرة القتل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.