منوعاتاختيار المحررينثقافةغير مصنف

ليوناردو فوبوناتشي: الإيطالي الذي دخل بجاية بالجزائر تاجرا وخرج منها عالما في الرياضيات

ابن القنصل الإيطالي الذي نقل الحروف العربية من بجاية إلى العالم

 

 

لم يكن ليوناردو فوبوناتشي ذلك الفتى الإيطالي القادم من مدينة بيزا ذات البرج المائل، يدرك أن سفرته نحو مدينة بجاية  الواقعة شرق الساحل الجزائري نهاية القرن الثاني عشر ميلادي، ستعدل حياته ويوميات العالم، لا بل ستحدث ثورة كونية انتهت باعتماد الحساب العربي وأرقامه الحالية وبدفن الأرقام الرومانية المعقدة إلى غير رجعة.

 

بجاية مدينة اشتق منها الفرنسيون كلمة الشمعة المضيئة

حينما رست السفينة التي أقلها ليوناردو بميناء بجاية كان الفتى لا يزال يعاني من لوثة دوار البحر بعد رحلة طويلة ومضنية مخرت فيها المركبة عباب البحر المتوسط وسط رياح متوسطة. وما إن استراح قليلا على مصطبة حجرية قبالة صيادين كانوا يرتقون شباكهم المفتقة عند حافة الميناء، حتى استفاق على  دوار آخر حين رأى أن المدينة حاضرة حقيقة بأسوار عالية كثيرة الأبواب وبها حركة تجارية دؤوبة، ونسوة يرفلن في أثواب الديباج والحرير، فانتصب قبالة باب البحر أو باب سارازين – المسلمين-  يتأمل الميناء الصاخب بأصوات وقهقهات حمالي سفن يرطنون بلغات وألسن مختلفة، ويتبادلون الشمع والخزف والقماش والأفاعي والقردة، ويتندرون بمعاكسة عرافات من غجر اسبانيا، جئن هنا ليقرئن طالع الحظ والحب والموت والحياة لبحارة مغامرين على الدوام مقابل دراهم معدودة.

 

 

باب قصبة مدينة بجاية الجزائرية

 

 

أيقن ليوناردو أن موطنه الجديد قطع شوطا كبيرا من الازدهار العلمي والتجاري في دورته الثانية منذ أسسه حماد بن بولوغين العام 1094  واستمرت مملكته حتى 1152 أخر عهد الملك يحي بن عبد العزيز، وكانت تلك الدولة تأسست قبل ذلك جنوبا قرب المسيلة في قلعة بني حماد ما بين 1014 و 1094، غير أن الغزوة الهلالية القادمة من مصر أجبرت سلالة الحماديين على نقل عاصمتم شمالا فاستقروا إلى موقع حصين أنشأوا فيها مملكتهم الصنهاجية الأمازيغية الثانية على أنقاض صالداي الرومانية.

ورثت تلك المدينة إرثا تراكميا كبيرا فقد اشتق الفرنسيون كلمة بوجي من أبجديتها الخماسية اعترافا لشهرتها في صناعة الشمع منذ الأزل، كما لو أن قدرها أن تضيئ الأقاليم التي تحيط بها شرقا وغربا شمالا وجنوبا مثل الشمعة تماما.

 

 

اكتشف كنز الأرقام العربية وسحر الصفر في سوق القردة

أدرك ذلك الفتى الإيطالي السر الكبير الذي جعل والده جيقليالمو فوبوناتشي القنصل التجاري لجمهورية بيزا البحرية يستقر ببجاية مدة أعوام ممثلا لمكتب تجار منطقة توسكانيا، ثم يسبر غور طلبه الملح في اللحاق به على عجل كي  يتعلم فنون التجارة من قلب مدينة كانت تأتيها سفن الشرق و الغرب، من دول الجوار وجنوة والبندقية ومارسيليا وصقلية وغيرها من الجمهوريات والممالك المسيحية القوية والناشئة على حد سواء.

 

هيأ له والده الثري محلا للإقامة فيه ناصحا إياه أن ينشط ذهنه كي يتعلم  وبسرعة أساليب التفاوض ومعرفة الأسعار وتحويل العملات وعقد الصفقات مثلما كان يوصيه دائما على أمل أن يورثه مهاما تجارية كبيرة للحفاظ على ثروة وجاه أل بوناتشي الذين صاروا يملكون سلطة تمثيل تجار بيزا لدى هذه الدولة المزدهرة، والحفاظ على مكاسبهم ضد حمى المنافسة المحمومة لعائلات الجمهوريات الصاعدة، وكان الفتى مؤهلا ليلعب هذا الدور لما راكمه من تجارب ورحلات قام بها في كل من صقلية ومصر وسوريا واليونان حتى لقب بالرحالة.

 

 

 

كان والده  يطمح أن يورثه مهاما تجارية بالمكتب لما خبره فيه من شطارة وسرعة بديهة حسابية، بيد أن الشاب الإيطالي جنح نحو مقلب آخر، حين راح بعد أيام فقط يستكشف أسواق المدينة ودكاكينها العامرة، فيتوقف لبرهة عند باعة البهارات والتوابل، ثم يدلف نحو مهرجين في ثياب غريبة يلاعبون قردة الماغو الشمال الافريقي المستوطنة في رأس جبل القردة كسبا للمال، وسرعان ما سيتسمر طويلا عند طريقة حساب التجار البجاويين بالاعتماد على أرقام لم يسبق له وأن شاهدها عن قرب. أرقام تختلف عن الأرقام الرومانية الطويلة والمعقدة وهي تكتب هكذا كما اليوم-9.8.7.6.5.4.3.2.1.0 –  وقد شده رقم الصفر الساحر الذي يكفي للتعبير عن العشرات و المئات والآلاف بإضافة بسيطة على يمين الرقم في رزنامة لا تتكون سوى من تسعة أعداد سهلة وبسيطة وفعالة عكس الأرقام الرومانية الطويلة والمعقدة، إذ يكفيه أن يقارن  بين الحسابين ليدرك سر الاختلاف السحري الكبير.

 

ليلا، وتحت ضوء شمعة راح يعدد على قطعة ورق الفروق الكامنة والظاهرة بين أرقام حسابات أعدها بالحساب الروماني وأرقام التجار المحليين، ولعله ابتسم ساخرا متعجبا  من الموقف وهو يرى أن ما يكتبه تجار المدينة بأرقامهم العربية في أسطر معدودة يدونه الأوروبيون اللاتينيون في صفحة كاملة.

 

 

تعلم رياضيات الخوارزمي وكتب عدة مؤلفات ثورية

قرّر بعد نقاش محتدم جمعه بوالده أن لا يتعلم التجارة فحسب بل علوم الحساب والرياضيات التي كانت تستهويه منذ القدم.

تقول روايات تاريخية عديدة أن ليوناردو المكنى أيضا بيقولو وتعني الرحالة أقام سنوات في المدينة فتمكن خلالها من الالتحاق بمدارسها كاسبا بذلك تعليمه الأساسي القاعدي،  وأتاح له ذلك أن يطلع على كتب علوم الجبر والرياضيات والحساب التي كانت الحواضر الإسلامية تؤلفها زمن ظلام القرون الوسطى في أوروبا، وهكذا نهل من مؤلفات كبار العلماء مثل سيدي بومدين وأبو حميد الصغير وعبد الحق الإشبيلي، وكان ينوي المكوث لأعوام أخرى لولا أن انتهاء مهمته حتمته على العودة إلى بيزا العام 1198وقد نذر على نفسه مهمة نقل الرياضيات والأرقام العربية لوطنه، وبدأ فعلا رسالة التبشير بالكنز الذي جلبه معه في بجاية رغم مقاومة ذهنيات لم ترحب أبدا بفكرة التخلي عن إرث الأسلاف الرومان العظام لصالح أرقام مجهولة قادمة من الجنوب، إلا أن إصداره كتاب ليبر أباك العام 1202 أثار ضجة كبرى ونجاحا باهرا وضعه في مصاف علماء الرياضيات الكبار، فاشتهر بالحساب العشاري ومتتالية فيبوناتشي ولم يخل تدوينه العبقري  من طرفة تأثره بالإقامة ببجاية ورحلاته الأخرى نحو مصر والشام وصقلية، إذ أنه كتب أجزاء منه من اليمين إلى اليسار.

 

 

 

 

توفي في العام 1250 ميلادية سنوات قليلة بعدما أصدر مؤلفات أخرى بينها  تطبيق الجيومتريكا، ورغم أن فلورنسا كانت منعت استخدام الأرقام العربية العام 1280 إلا أن تلك البذرة التي تركها الراحل سرعان ما بدأت تنتشر في عدة  مدن أوروبية، ثم شيئا فشيئا بدأت في الاكتساح عبر ألمانيا قبل أن تطغى على كافة القارة العجوز، وتصبح رزنامة عالمية.

 

 

 

أطلق إسمه على منتزه عمومي قبالة ميناء الصيد ببجاية

تعترف المستشرقة الألمانية الشهيرة زيغريد هونكة التي زارت بجاية العام 1985 وحضرت ملتقى الفكر الإسلامي إلى جانب ياسر عرفات في مؤلفها ذائع الصيت  “شمس الله تسطع على الغرب” أن الأرقام الحالية صارت إرثا إنسانيا بفضل مدينة وتاجر

بعد مرور ألف سنة من بداية تلك الملحمة الرقمية تعترف أوروبا بعبقرية ليوناردو الفذة كعالم رياضيات نقل ضوء شمعة الرياضيات و الجبر والأرقام من موطنها الأصلي إلى قلب إيطاليا التي أقامت له تمثالا في مدينة بيزا يعد الأكثر مزارا بعد البرج المائل.

تعترف هذه المدينة الجزائرية بفضل مواطنها المهاجر عليها و فضل بجاية عليه، حيث أقامت له منتزها خاصا يقصده المتنزهون والسياح قبالة ميناء الصيد يحمل اسم استراحة فوبوناتشي دو بيزا، وكأنها تخلد اللحظة الأولى لميلاد تلك الملحمة الإنسانية.. لحظة جلوسه للاستراحة فوق الصخرة الحجرية نقاهة من دوار البحر.

الوسوم

طاهر حليسي

كاتب روائي جزائري التحق بجريدة الشروق اليومي منذ سنة 2000 ويشغل حاليا منصب مدير مكتب الشروق الجهوي بباتنة. عمل مراسلا ومحققا حربيا خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006، وحاور كبار الفاعلين في الشرق الأوسط على غرار الأستاذ نبيل بري والجنرال ميشيل عون. رواية الميزونة هي أول عمل أدبي وروائي يصدره الكاتب وهو عمل مستوحى من وقائع حقيقية مشبعة بالخيال الموزون، أبطالها شخصيات نابعة من عمق المجتمع وتطمح للتسلق الإجتماعي وسط موجة تفسخ القيم وابتذال المعايير، في فترة حرجة وقلقة من تاريخ الجزائر يمتد زمنهها من ما قبل أحداث 5 أكتوبر 1988 إلى غاية 2008.

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.