ثقافةغير مصنف

رواية “النباتية” للكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ: ماهية الذات النسائية وحريتها في مجتمع سلطوي

سلسلة الأدب النسائي

 

ثمة تجارب سردية جديدة في العالم تقطع مع المدونات السردية السائدة وتقدم نموذجا فريدا في الكتابة من حيث الأسلوب والمضمون.

وإذا كانت كوريا الجنوبية قد برزت في السنوات الأخيرة  في مجال الإبداع الفني سينمائيا ودراميا.

ونجحت في نشر ثقافتها عبر هذه المحامل الفنية فإن لهذا البلد ما يقول في مجال السرد أيضا، وها أن رواية ” النباتية” التي صدرت مؤخرا في ترجمة للعربية ونالت في سنة صدورها عام 2016 جائزة البوكر العالمي.

حكاية الرواية ظاهريا في غاية البساطة أو هي من قبيل السهل الممتنع، ولكن التوغل فيها يجعلنا نكتشف عوالم موغلة في العمق والتعقيد أيضا.

فنحن نجد انفسنا منذ بدء الرواية أمام قصة سيدة كورية تقرر أن تصبح نباتية بعد أن رأت في منامها حلما مزعجا جعلها تشعر بالقرف من اللحم.

 

لقد حلمت يونغ  هاي بأن الدم يلطخ وجهها وثيابها وهي ترى انعكاس وجهها على بركة من الدماء وليس هذا فحسب فقد حلمت بإصبعها تنغرز في السكين.

واستفاقت منزعجة وحاولت تفسير هذا الحلم المزعج بكونها تتناول اللحم وبذلك رأت انه من الضروري الامتناع عنه والاكتفاء بتناول الخضر لتصبح بذلك “نباتية” كما يشي بذلك عنوان الرواية.

ويؤدي هذا الإختيار إلى انزعاج الزوج جونغ الذي يقوم بدور الراوي للحكاية وهي الذي كان يستبلذ طبخ زوجته بل لعل حسن الطهي هو الميزة الوحيدة لهذه المرأة العادية جدا.

 

 

تتعقد علاقة الزوجين أكثر عندما ترفض يونغ هاي  أن تمارس العلاقة الحميمية مع زوجها مدعية أن تشعر أن رائحة اللحم تبعث من ثيابه.

هنا يقرر الزوج أن يخبر أسرة زوجته بهدف إيجاد حل للمعضلة التي وجد نفسه فيها وعندما يقوم والدها بإجبارها على تناول اللحم تحاول الانتحار عن طريق قطع شريان معصمها.

في الأثناء، تنفتح الرواية على عوالم منسية وتقوم الكاتبة هان كانغ في ” النباتية ” بمراوحة بين الأسلوب الواقعي والفانتازي.

وتفضح الكاتبة المجتمع السلطوي الذي يهمش الفرد ويقف بعنف ضد رغباته واختياراته الشخصية . كما تدين الهيمنة الذكورية والسلطة الأبوية التي تمارس على المرأة في المجتمع الكوري الجنوبي .

وتوغل في تأملات فلسفية عن ماهية الذات ودورها في الوجود واهمية اختيارها الحر.

تصوغ الكاتبة الكورية الجنوبية كل ذلك بشكل موغل في القتامة ومطعّم بحس ايروثي عالي النبرة.

إذن تقول رواية ” النباتية”  صراع الإنسان في الوجود ضد قوى معادية من بينها الأعراف والتقاليد الإجتماعية والسلطة الأبوية وقسوة بعض المقربين . ويتخذ صراع الإنسان بعدا خارجيا وهو ما أسلفنا الإشارة إليه وبعدا داخليا هو صراعه مع نفسه ، ذاك الصراع الداخلي المتمحور حول ماهية وجود الفرد ومعنى حياته.

 

 

تنقسم رواية ” النباتية ” إلى ثلاثة أقسام يتولى السرد في الفصل الأول الزوج جونغ الذي يبسط للقراء حكاية زوجته  يونغ هاي كما يتمثلها.وذلك منذ أعلنت قرارها بأن تتخلى عن أكل اللحم.

يتولى السرد في الفصل الثاني زوج شقيقة يونغ هاي الفنان المغمور الذي يروى تمثله للأحداث ويصف شغفه اللامحدود بجسد شقيقة زوجته التي يريد أن يصورها منذ أن علم أن لها علامة ولادة زرقاء في جسمها.

أما الجزء الأخير فتتولى السرد فيه شقيقة يونغ هاي، وهي ربة بيت عادية تملك متجرا لمستحضرات التجميل، لكنها تحمل في أعماقها إرثا نفسيا ثقيلا وتعيش صراعا داخليا بين انفعالاتها ومشاعرها الداخلية السلبية وبين مقتضيات الحياة اليومية التي تضطرها لتكون قوية ورابطة الجأش.

وما بين حلم مؤرق يجعل البطلة تتحول إلى نباتية وما بين مجتمع سلطوي يجعلها ترغب في أن تصبح شجرة تأخذنا الكاتبة إلى البحث عن المعنى في الوجود المتلاطم.

تجدر الإشارة إلى ان رواية النباتية لقيت صدى عالميا كبيرا منذ تتويجها بالبوكر وأكتشفها قراء العربية مؤخرا عندما تم تعريبها وقد قال النقاد الكثير عنها على المستوى العالمي ووصفوها “بالسوداوية “.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.