مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

مراهقة الأبناء: الفخ والمصيدة أم المفتاح؟

 

 

اشتقت كلمة المراهقة من فعل راهق في العربية الفصحى ويعرفها المعجم الحديث، راهق، يراهق، مراهقة فهو مراهقة، راهق الغلام، قارب الحلم وبلغ حدّ الرجال، ويتصل مفهوم المراهقة في لسان العرب بالخفة والحدّة، ويعرف علم النفس فترة المراهقة بأنّها فترة الاقتراب من النموّ العقلي والجسدي.

 

 

كثير من العائلات العربية لا تعرف كيف تتعامل مع مراهقة أطفالها بشكل سليم، بل تمارس نوعا من أنواع القمع على المراهقين ظنا منها أنّ الترهيب والتخويف سيساهم في مرور أبنائهم من هذه الفترة الحرجة بأخفّ الأضرار وأقلّ المشاكل وأنّ الرقابة ستعيقهم عن الأخطاء الجسيمة، فيما تتجاهل بعض العائلات هذه الفترة وتتعامل معها بجهل كبير، ممّا يساهم في إلحاق الضرر بالمراهق دون قصد.

 

وتبدأ فترة المراهقة منذ علامات البلوغ الأولى، ويمكن أن تبدأ منذ سنّ الثانية عشر أو قبل ذلك بقليل، وتترافق مع ظهور بعض التغيّرات الجسدية جرّاء إفراز الهرمونات المسؤولة عن تحريك النموّ  الجسدي والعقلي.

 

لا فائدة في استعراض مظاهر التغيرات الجسدية لدى الفتيات والفتيان فأغلبنا يعرفها بشكل كاف، ولكن سنحاول في هذا النصّ أن نتعرّض إلى التغييرات النفسية التي تطرأ على المراهق دون أن تتعامل معها الأسرة بشكل خاطئ أو أن تعتبرها نوعا من أنواع التمرّد والذي يجب مجابهته بالقوّة والسيطرة بطريقة عنيفة.

 

كيف يمكن أن نحيط بأبنائنا دون أن نعنفهم أو نرفضهم أو أن نمارس وصاية على حريتهم؟

 

 

في فترة المراهقة يتحوّل المراهق/(ة) من دائرة الانتماء التلقائي والعفوي للعائلة والوالدين ليبحث عن دوائر جديدة يحاول من خلالها إثبات وجوده كفاعل لا تابع وكشخص ناضج له القدرة على اتخاذ القرارات وممارسة حياته كشخص بالغ.

 

وفي مجتمعاتنا العربية يمكن أن نعتبر أنّ المراهق من صنف الذكور  يعيش هذه الفترة بشكل خطر بالمقارنة مع المراهقة الأنثى، نظرا لما يمنحه المجتمع العربي من صلاحيات للرجل على عكس المرأة.

وبالتالي يمكن أن يقتحم المراهق حياة الكبار من الأبواب الخاطئة، فيصبح التدخين وشرب الخمر ومعاكسة الفتيات والتحرش بهن في عرف المراهقين نوعا من أنواع التمرّد على السلطة والقيم الاجتماعية وأيضا تماهيا مع الكبار الذين يصدرون خطابا مختلفا  للمراهقين عن ممارساتهم الفعلية في الواقع، وهو ما يجب أن ننبه إليه.

 

 

الأب الذي يمارس العنف على النساء والأمّ التي تكذب هما المرايا الأولى للمراهق

 

 

فالأب الذي يمارس العنف على النساء والأمّ التي تكذب هما المرايا الأولى للمراهق، لذا ينبغي توخي الحذر في تربية الأبناء ومحاولة الابتعاد عن كلّ أشكال العنف والكذب حتى ولو تطلب الأمر إخفاءها عن الصغار إن حدثت، فهذه المرحلة هي الفخ الخفي الذي يقع فيه الآباء والأمهات والمصيدة التي يصطاد من خلالها الأبناء هفوات آبائهم.

 

أن المراهقين الذين يعيشون في بيئات سليمة خالية من العنف والكراهية مليئة بالحبّ والودّ أكثر شعورا بالأمن وتحصينا من العالم الخارجي ومؤثراته، من أولئك الذين يعيشون في بيئات مشحونة بالعنف

 

ومن مظاهر المراهقة محاولة تغيير المظهر الخارجي للخروج من وصم الطفولة، فيصبح اللباس والتشبه بالكبار كالوشم والأقراط الكثيرة على الوجه محاولة لإثبات الذات، وهو ما يستوجب تفهما كبيرا من لدن الكبار في محاورتهم للمراهقين، دون الدخول في مصادمات ونقاشات متطرفة، فالمراهق يعتبر نفسه في هذه الفترة جزءا من عالم الكبار ومحاولة إخراجه منه بالقوّة سيجابهه بعنف مضادّ.

 

يتغيّر الجسد في فترة المراهقة بشكل تدريجي وتنمو معه الحاجة إلى الحبّ والحميمية، وهو ما يجعل المراهق مفرطا في أحاسيسه، فيحاول منذ انطلاق هذه المرحلة البحث عن علاقات خارج الأسرة في سعيا منه للارتباط العاطفي الذي يشكل إحدى أهمّ حاجياته النفسية.

 

 

التحاور مع المراهقين هو نقطة البداية الأولى لاقتحام عوالمهم الحميمة بشكل تلقائي، دون أن يشعروا أنّهم مراقبون أو مستهدفون

 

 

إذا يمكن اعتبار التغييرات الجسدية والنفسية ومحاولة التمرّد والبحث عن الحبّ إحدى أهمّ مظاهر المراهقة، وهو ما يطرح السؤال التالي:

كيف يمكن أن نحيط بأبنائنا دون أن نعنفهم أو نرفضهم أو أن نمارس وصاية على حريتهم؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تستدعي قدرات نفسية عالية وإلماما واسعا بعالم طفلك، التحاور مع المراهقين هو نقطة البداية الأولى لاقتحام عوالمهم الحميمة بشكل تلقائي، دون أن يشعروا أنّهم مراقبون أو مستهدفون.

فالتحاور معهم بمثابة كسر الجليد بين الآباء والأبناء ومحاولة جديّة للاقتراب منهم واستيعاب التغييرات الحاصلة عندهم دون أن يبحث أحدهم عن مرافق خارج الأسرة، فما يمنحه الأمهات والآباء لأطفالهم من ثقة يساهم في بناء مشاعر الأمان داخل أسرهم.

من الضروري أن نشير إلى أن المراهقين الذين يعيشون في بيئات سليمة خالية من العنف والكراهية مليئة بالحبّ والودّ أكثر شعورا بالأمن وتحصينا من العالم الخارجي ومؤثراته، من أولئك الذين يعيشون في بيئات مشحونة بالعنف.

إنّ توخي الحذر الشديد، الحذر مع الحبّ والإحاطة سيساهم في انتقال ابنك أو ابنتك من هذه المرحلة الحرجة بأخفّ الأضرار، ففترة المراهقة مهمة جدّا، إلى جانب مرحلة الطفولة، في تكوين الشخصية واكتمالها مستقبلا.

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.