الرئيسيثقافةغير مصنف

فيلم فتوى: الشعارات وحدها لا تصنع فيلمًا

This post has already been read 40 times!

 

   

فاز الفيلم التونسي “فتوى” بالتانيت الذهبي لمسابقة الأفلام الروائيّة في أيّام قرطاج السينمائيّة هذا العام، وقد مثّل هذا التتويج مفاجأة لي ولعديد من عشّاق السينما الّذين تابعوا الأفلام المتنافسة على هذه الجائزة، لأنّه كان أضعف من بعضها، سواء كانت تونسيّة أو عربيّة أو إفريقيّة، شكلًا ومضمونًا.

 

فيلم “فتوى” هو الفيلم الروائي الطويل السادس للمخرج محمود بن محمود، الّذي كانت تجربته السينمائيّة ثريّة ومتنوّعة، حيث قام بإخراج 3 أشرطة قصيرة في بداياته مستهلّ السبعينيّات من القرن الماضي، كما أنّه من المخرجين التونسيّين الأبرز في مجال الأفلام الوثائقيّة، حيث أخرج في مسيرته 7 أفلام، وهو ما جعل تجربته الفنّية إحدى أهمّ التجارب في تونس، كانت أغلبها في تقريظ بنية العلاقات الاقتصاديّة والثقافيّة والتاريخيّة بين الإنسان التونسي أو الشمال/إفريقي والإنسان الغربي.

 

فقد تمحورت تجربته حول مدّ جسر جدليٍّ خفيٍّ بين جنوب البحر الأبيض المتوسّط وشماله، وهذا ما جعلها أشبه ببحث مخبري ناضج ومختلف.

 

وبعد غيابه ستّ سنوات، منذ صدور فيلمه الجيّد “الأستاذ” (2012)، عاد محمود بن محمود هذا العام للساحة السينمائيّة التونسيّة بفيلم “فتوى”، وهو من إنتاج تونسي (شركة “Arts Distribution” للمنتج التونسي حبيب بالهادي) /بلجيكي (شركة إنتاج الأخوين داردان). وقد كتب سيناريو الفيلم وأخرجه محمود بن محمود، وجسّد أدوار البطولة كلٌّ من أحمد الحفيان (دور الأب إبراهيم ناظور) وغالية بن علي (الأمّ لبنى) وسارّة الحنّاشي (لطيفة) ورمزي عزيّز (الإمام السلفي الجهادي) وجمال مداني (صاحب المقهى).

 

 

هناك الكثير من الضعف الواضح في بنية الشخصيّات وشبكة العلاقات فيما بينها، وإن كان هناك تميّز نسبي للممثّل أحمد الحفيان في تقمّص دور إبراهيم ناظور، لكنّ تميّزه كان واضحًا لأنّ أغلب شخصيّات الفيلم كانت نمطيّة وسطحيّة

 

 

تدور قصّة الفيلم حول موت مروان طالب الفنون الجميلة الغامض. ولمحاولة إزاحة غموض هذه الواقعة، يعود أب الضحيّة إبراهيم ناظور من فرنسا إلى تونس، ليبدأ رحلة بحثه عن أسباب الوفاة الّتي لم تتوصّل إلى معرفتها أجهزة الشرطة، أو لم تكلّف نفسها عناء ذلك، فاكتفت باستنتاجها الأوّلي، وهو أنّ الموت كان نتيجة حادث مرور عادي في طريق جبليّ وعر بين مدينة قربص ومدينة سليمان بالوطن القبلي.

 

 

المخرج محمود بن محمود مع الممثّل أحمد الحفيان والممثّلة غالية بن علي أثناء تصوير فيلم فتوى

 

 

يبدأ إبراهيم ناظور رحلة البحث عن الأسباب الخفيّة لموت ابنه، عن قوّة الشرّ الّتي مدّت يدها لإزهاق روحه. ومنذ البداية تظهر تبدأ ملامح هذه القوّة الغامضة والشيطانيّة وتتوضّح أكثر فأكثر، متمثّلة في الجماعات التكفيريّة.

 

منذ مشهد الدفن، يبدأ الصراع بين نقيضين: الظلام والنور، التسامح والتعصّب، الجهل والعلم، العنف المادّي والجدل الفكري، حيث تعرّضت أمّ الابن المتوفّي “لبنى” إلى التعنيف اللفظي أثناء الجنازة، من قِبَل جماعة تكفيريّة كانت قريبة من الابن “مروان”، الّتي رفض أفرادها حضور “لبنى” عارية الرأس في مكان مقدّس كالمقبرة! وأمام مقاومة أفراد العائلة، يتشابك كلا الفريقيْن بالأيدي، وتتأكّد شكوك الأب “إبراهيم ناظور” في علاقة هذه الخليّة التكفيريّة بموت ابنه الغامض.

 

 

كانت الشخصيّات مألوفة وسطحيّة ونمطيّة، لم يتمّ الاشتغال على أبعادها النفسيّة والاجتماعيّة المتعدّدة، ولم تكن بنية العلاقات فيما بينها جدلية وإشكاليّة، وهو ما طبع الفيلم بنظرة “البعد الواحد

 

 

ينطلق إبراهيم في فكّ هذا اللغز، من المنزل الّذي أقام فيه “مروان” بحيٍّ شعبيٍّ في مدينة تونس العتيقة، بعد أن شبّ خلاف بينه وبين أمّه “لبنى” عضوة المجلس التأسيسي، اليساريّة المتحرّرة، المناضلة في سبيل مدنيّة الدولة واللائكيّة والتحرّر الاجتماعي وحرّية المعتقد؛ وهو ما جعله يتخلّى عنها وعن عائلته ومنزل والديْه ودراسة الفنّ بمعهد الفنون الجميلة، لينضمّ إلى الشقّ المقابل، الشقّ السلفي المحافظ ويجد نفسه متورّطًا في خليّة تكفيريّة خطيرة.

 

في هذا المنزل، يجد إبراهيم ناظور بعض الكتب والأقراص المضغوطة الّتي تحتوي على خطب وكتابات لأئمّة السلفيّة الّذين يدعون إلى التشدّد والجهاد، وفي جامع الحيّ يبوح الإمام السلفيّ للأب بأنّ ابنه كان أحد أفراد جماعتهم وأنّه شهيد الواجب الديني. ومن هذه الوقائع، يتأكّد إبراهيم من صحّة شكوكه حول ارتباط هذه الخليّة التكفيريّة بموت ابنه؛ لكنّه لم يصل إلى معرفة تفاصيل الرواية الفعليّة. هذه الرواية، ستقوده إلى معرفتها الصدفة، بعد أن تعرّف إلى “لطيفة” زوجة أمير الجماعة “موسى أبو صوف”، الّتي ستروي له أنّ مروان مات مقتولًا لأنّه حاول الفرار معها من جحيم هذه الجماعة، وتخبره بأنّ طليقته “لبنى” على قائمة الاغتيال، لتصل الأحداث إلى ذروتها وتكون النهاية الأليمة المفزعة.

 

 

مشهد من الفيلم

 

 

نجح الفيلم نسبيًّا على المستوى التقني من حيث الصورة والمونتاج. كما أنّ هناك بعض النقاط المضيئة في السيناريو، كالاشتغال على وظيفيّة المكان من خلال تغيير الكادرات البصريّة والإضاءة لإيصال التناقض الحادّ بين عالم المتشدّدين والتكفيريّين من جهة، وعالم المؤمنين بالحرّية والاختلاف. فمع حضور أعضاء الخليّة التكفيريّة، يضيق المكان (منزل الابن/ محلّ الأنترنيت العمومي/ الأزقّة الضيّقة للمدينة العتيقة، إلخ…) ويضيق “الكادر” وتخفت الإضاءة لإيصال الجمود والموت والظلمة الّتي تميّز هذا العالم، في مقابلة تامّة مع المشاهد الّتي تحضر فيها الأمّ “لبنى” على سبيل المثال، حيث تحضر الإضاءة بقوّة ويتّسع المكان وإن كان المشهد داخليًّا.

 

 

إن كان الفيلم يدين هذه النظرة السطحيّة والدغمائيّة للدين والدولة والآخر، فإنّه كان مكتوبًا هو الآخر بطريقة أكثر دغمائيّة وسطحيّة

 

 

لكنّ هذه النقاط المضيئة القليلة، لم تنجح في إخفاء عيوب قاتلة أضرّت كثيرًا باللغة السينمائيّة للفيلم، حتّى أنّني خلت في بعض اللحظات أنّني بصدد مشاهدة “شريط تلفزي”. قد يكون في تعليقي بعض القسوة أو الإجحاف، لكن هناك الكثير من الضعف الواضح في بنية الشخصيّات وشبكة العلاقات فيما بينها، وإن كان هناك تميّز نسبي للممثّل أحمد الحفيان في تقمّص دور إبراهيم ناظور، لكنّ تميّزه كان واضحًا لأنّ أغلب شخصيّات الفيلم كانت نمطيّة وسطحيّة، ولذلك لا يجب أن نلوم كثيرًا الممثّلين على سوء أدائهم، لأنّ الشخصيّات الّتي تقمّصوها لم تُكتَب بعمق وثراء كافييْن.

 

إنّ الإشكال الرئيسي في الفيلم، هو تلك المباشراتيّة الفجّة الّتي أفقدت الفيلم وهجه وقوّته، وأخرجته من دائرة “الفنّي” إلى دائرة “التلقيني”. فنجد عالميْن متوازييْن، لا يجمع بينهما سوى نقطة واحدة، ألا وهي مقتل مروان؛ ورغم أنّ شخصيّة مروان الغائبة كانت بإمكانها أن تكون خلّاقة لجدل فكريٍّ وفنّيٍ حادّ بين هاذين العالمين، إلّا أنّ هذا ما لم يكن حاضرًا في الفيلم، فكانت الشخصيّات مألوفة وسطحيّة ونمطيّة، لم يتمّ الاشتغال على أبعادها النفسيّة والاجتماعيّة المتعدّدة، ولم تكن بنية العلاقات فيما بينها جدلية وإشكاليّة، وهو ما طبع الفيلم بنظرة “البعد الواحد”.

 

 

المخرج محمود بن محمود يتسلّم التانيت الذهبي لأيّام قرطاج السينمائيّة عن فيلمه فتوى

 

 

فإن كان الفيلم يدين هذه النظرة السطحيّة والدغمائيّة للدين والدولة والآخر، فإنّه كان مكتوبًا هو الآخر بطريقة أكثر دغمائيّة وسطحيّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ الفنّ جدليّ وإشكاليّ بامتياز. وهذا ما دعّمه الحوار الّذي طغى على اللغة السينمائيّة، ولكنّه لم يكن وظيفيًّا، فقد كُتِب بمباشراتيّة فجّة ولغة فضفاضة أقرب منها إلى لغة البيانات السياسيّة والإيديولوجيّة منها إلى اللغة السينمائيّة المكثّفة الجدليّة وحمّالة المعاني.

 

 

كُتِب الحوار بمباشراتيّة فجّة ولغة فضفاضة أقرب منها إلى لغة البيانات السياسيّة والإيديولوجيّة منها إلى اللغة السينمائيّة المكثّفة الجدليّة وحمّالة المعاني

 

 

فخطاب التكفيريّين كان نمطيًّا إلى درجة لا توصف وخطاب المدنيّين كان أكثر نمطيّة منه. وهذا التقسيم في حدّ ذاته أفقد الفيلم وهجه الفنّي، فلم نجد في الفيلم تشريحًا لشخصيّة التونسي بأبعادها الكثيرة والمعقّدة، بل هناك نموذجان من الشخصيّات، نموذج ملائكي يتمثّل في الشقّ المتمدّن، ونموذج شيطاني يتمثّل في الشقّ السلفي. ولعلّ هذا التناول السطحي لشخصيّة الإرهابي في الأعمال الفنّية دليل على عدم إيجاد مداخل علميّة وفلسفيّة تشرّح هذه الظاهرة، فيتمّ الاكتفاء بإظهار العداء لها، وهذا ليس من وظيفة الفنّ في شيء،فدراسة موضوع مّا، بعيدًا عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والفكري والثقافي والهووي، يفقده خطورته وراهنيّته.

 

وإذا ما كان الفنّ حربًا جماليّة على منظومة القبح والجهل والتخلّف والعنف والاضطهاد، فلزام عليه أن يكون سلاحه التفكير العميق من زوايا نظر متعدّدة وطرح الأسئلة المربِكة لزلزلة أركان هذه المنظومة، لا التعامل باستسهال ويقينيّة مع إفرازاتها.

 

وحسب وجهة نظري، فقد كانت هناك أفلام حاضرة في هذه الدورة من أيّام قرطاج السينمائيّة، أحقّ بالتتويج من فيلم “فتوى”، لأنّها كانت أكثر جدّية ونضجًا ومولّدة للمعنى على المستوى الفكري، وأكثر حبكة وإدهاشًا على المستوى الفنّي، خصوصًا الفيلم الرواندي “رحمة الأدغال” الّذي مثّل علامة مضيئة في هذه الدورة، والفيلم التونسي “في عينيَّا” والفيلم المصري الّذي حاز التانيت الفضّي “يوم الدين”، أحد التحف الفنّية الّتي أبهرت أغلب من شاهده، وفيلم “رفيقي” من كينيا أحد الاكتشافات المهمّة.

 

لقد فضحت مقرّرات هذه الدورة تأثير “السياسي” وسطوته على “الفنّي”، وما هذا إلّا ابتعاد عن كنه أيّام قرطاج السينمائيّة العريقة، الّتي كان هدفها طيلة عقود، تأسيس سينما قويّة مستقلّة ومقاومة لسينما العولمة والهيمنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.