الرئيسيثقافةغير مصنف

السينما التونسية والمرأة

إلى أي مدى يمكن اعتبار السينما التونسية سينما مدافعة عن قضايا المرأة؟ وهل تعكس صورة المرأة التونسية وتنصف دورها في المجتمع؟

 

رغم أن بدايات السينما في تونس كانت مبكرة،انطلقت مع تصوير الإخوة لوميار “les frères lumière” لمشاهد من أنهج تونس العاصمة سنة 1896 وتطورت في الأعوام اللاحقة  مع مخرجي تونس الأوائل على غرار ألبير شمامة عبر فيلميه “الفجر” و “مجنون القيروان”،إلا أن سينما المرأة في تونس انتظرت  عقدين من الزمن للظهور، وواجهت لاحقا اشكالات عديدة…

 

 

بدايات ظهور مواضيع المرأة في السينما التونسية 

إنّ حضور العنصر النسائي باعتبارة مادّةً درامية أساسية في العمل أو مساهمتها في الإخراج أو إدارة التصوير كان شبه منعدم في بواكير  السينما في تونس، لولا بعض الاستثناءات كفيلم “زهرة “ لألبير شمامة، فقد كانت قضايا المرأة من المواضيع المخفية لذلك ظلت صورتها مهمّشة ومشتّتة لوقت طويل.

 

إلا أنّه مع تراكم جهود التغيير والإصلاح  كصدور كتاب “إمرأتنا في الشريعة” ومجلّة  “الأحوال الشخصية” أخذت صورة المرأة المتمرّدة الباحثة عن التحرر من قيود المجتمع تتشكل تدريجيا، وساهم هذا التحوّل  في دخول المرأة شيئا فشيئا عالم السينما.

 

 

فيلم زهرة

 

لكن في نفس الوقت ظلت سينما المرأة في تونس متّهمة بالانحياز إلى الرؤى الاستشراقية للمرأة المغاربية والعربية،  وبالخضوع إلى الفنتازامات الغربية التي يفرضها الشريك الفرنسي على المخرجين باعتبار أنّ فرنسا من أكبر داعمي السينما في تونس على مستوى الانتاج…

 

ظلّت السينما في تونس موصومة بسينما الحمام والجسد والكبت الجنسي التي يرى البعض أنها ترجمة للرواسب النفسية للمخرج في أعماله،لأن جل الأفلام في تونس تنتمى إلى خانة “سينما المؤلف”، حيث نلمس فيها ذاتيّة المؤلف والمخرج في طريقة تقديم القصص والأبطال.

 

هذه  الرؤية يتقاسمها عديد النقاّد وعموم التونسيين المتابعين للسينما، ممّا جعل البعض يفقد الأمل في السينما التونسية، لأنّ الفيلم التونسي لا يترجم واقع تونس عموما وواقع المرأة التونسية التي أصبحت جوهر مواضيع السينما التونسية لكن جوهر لا يعكس دورا فعّالا  لها بالضرورة.

 

و هنا وجب طرح السؤال هل تنتصر حقًّا هذه الأفلام لحقوق المرأة أم أنها تساهم في إرساء صورة نمطية سلبية للمرأة التونسية؟

 

 

 

سينما المرأة في تونس

سينما المرأة هي مجموعة متنوّعة من المواضيع المجتمعية التي تعالج قصص المرأة وتنمية الشّخصيّة من خلال نصوص سينمائية، وهي كما يقول أليسون بتلر: “بناء معقّدٍ، نقديٌّ، نظري ومؤسّسيٌّ له نصيب عادل من الانتقادات ممّا تسبّبٌ في ابتعاد بعض صانعات الأفلام عنه خوّفا من ربطهنّ بالتّهميش والجدل الأيديولوجيّ.”

 

إلا أن المخرجات الرائدات في تونس لم ينزعجن من هذا التصنيف، وربّما ساهم توالي انتاج الأفلام بإمضاءات رجالية أقصت قصص النساء منذ انتاج “فيلم زهرة” سنة 1922 إلى أن اقتحمت  المخرجات عالم السينما  انطلاقا من سنة 1985 فكانت البدايات موسومة بالتمرّد والضجر من السائد مع المخرجة ناجية مبروك بفيلمها “السامة” أو “الوشم” والمخرجة سلمى بكار بفيلمها “فاطمة  75”.

 

ولكن رغم أن هؤلاء المخرجات الرائدات (سلمى بكار ،مفيدة تلاتلي،ناجية مبروك،كلثوم برناز) خريجات معاهد سينما فرنسية وبلجيكية ومتعمقات في المجال السينمائي لم يقدمن إنتاجا غزيرا ونوعيا مقارنة بالمخرجين، فكان انتاجهن شحيحا بسبب صعوبات الانتاج، كما انحصر  في مواضيع تقدّم المرأة بصورة تتشابه سماتها في مختلف أعمالهن الفنية.

 

 

 

 

الذاتية في سينما المرأة في تونس

وقع انتقاد فيلم المخرجة ناجية مبروك “الوشم” ووصفه بأنه موغل في الذاتية و يحاول أن يجرّم الرجل في كل مايحدث للمرأة من اضطهاد، ورغم أن سلمى بكار حاولت تجاوز مسألة الذاتية في فيلمها “حبييبة مسيكة” عبر ترجمة مسيرة كاملة للمرأة التونسية في شخصية المغنية حبييبة إلا أن النقاد عابوا عليها وقوعها في هذا الفخ في فيلمها “الخشخاش “.

 

فبالرغم أن الخشخاش بدا فيلمًا هادئًا وعاطفيا إلا أنه صدم المشاهدين بقصة امرأة تعيش حرمانا جنسيا مع زوجها الذي تكتشف لاحقا أن يفضّل ممارسة الجنس مع الرجال فلا تستطيع البوح بهذا الأمر للمحيطين بها بسبب صرامة التقاليد والعادات،فتصاب بالكآبة وتحاول تهدئة نفسها عبر استهلاك نبتة “الخشخاش” التي تصبح مدمنة عليها لاحقا…

 

 

إلى أي مدى يمكن اعتبار السينما التونسية سينما مدافعة عن قضايا المرأة؟ وهل تعكس صورة المرأة التونسية وتنصف دورها في المجتمع أم أنها منحازة للرؤى الغربية التي أصبحنا نلاحظ آثارها أيضا في مواضيع أخرى ماانفكت تتواتر كثيرا منذ أعوام كالمثلية والإرهاب والكبت

 

 

وقد رأى النقّاد أنّ هذا الفيلم يحمل حكاية استثنائية لا تعبر عن فئة عريضة من المجتمع التونسي، فتواترت فيه كليشيهات الحرمان العاطفي والجنسي والعلاقات الزوجية المضطربة.

 

وفي نفس إطار كشف المستور وتعرية المسكوت عنه، لكن هذه المرة في زوايا القصور تصوغ المخرجة “مفيدة تلاتلي”فليمها الروائي الطويل “صمت القصور” الذي يعرض قصة علياء وهي فتاة نشأت في قصور البايات مع أمها الخادمة التي تخفي عنها هوية والدها، فتكبر الفتاة دون أن تعرف نسبها لاستحالة نسبتها إلى والدها الحقيقي لأنه أمير القصر.

 

 

 

 

ورغم أن مفيدة التلاتلي نجحت في هذا الفيلم بلغة سينمائية ثورية وحسّ فني مرهف في أن تنقلنا إلى العالم الحميمي للمجتمع النسائي الضيق وإلى قصصهن المؤلمة التي تروى بهمس في مطبخ القصر،  إلاّ أنّ صورة المرأة السمراء الجارية والمغتصبة التي تعاني اضطهاداعاطفيا وجنسيّا من قبل الأمير فتتنقل بين ثنايا القصر متحاشية نظراته،لم تختلف صفاتها عن بطلة “الخشخاش” التي يتداعى جسدها من الألم في ثنايا المنزل، فهي تارة تعاين جسدها المحروم من اللذة وتارة تتعاطى الخشخاش لتهدئة نفسها.

 

 

 

الروح الاستشراقية في الفيلم التونسي 

النساء السمروات المحرومات عاطفيا وجنسيا والمظلومات اجتماعيا والمستلقيات على الأسرة العتيقة و المتنقلات بتراخ وإغراء في ثنايا المنازل المسقّفة المزخرفة، كلها مشاهد لا تكاد تخلو منها هذه الأفلام  التي روت قصصا متمردة، لكنها في نفس الوقت تحيلنا بهذا التكرار لهذه المشاهد على عدة صور لرسامين مستشرقين أو مصوري فوترغراف غربيين كـ”رودولف لينهارت” الذي قام بتصوير عدة نساء تونسيات في منازل تونسية عريقة بأجساد نصف عارية…

 

 

 

 

وفي هذا السياق نسوق ملاحظات مهمة للكاتب المصري ممدوح الشيخ عن” كتابة الاستشراق الجنسي” الذي يفّسر فيه أن فرنسا مثلت نموذجا لما يطلق عليه “التمثيل الجنسي للاستعمار” منذ نشط مفكروها وفنانوها التشكيليون في التركيز على ما يلوح في الخيال الأوروبي عن الشرق في القرن التاسع عشر،وتحديدا جسد المرأة الشرقية والعربية.

 

 

هل من مجال لسينما تخاطبنا وتتحدث عنا خارج كليشهات الشعوب المتخلفة التي تنتظر شفقة الضفة الأخرى من الشعوب؟ 

 

 

فبعض المفكرين والرحالة في كتاباتهم عن الشرق، الذي كان مجهولا لشعوبهم آنذاك، صوروا المرأة الشرقية ككائن “يقدم المتعة” والشرق على أنه “المؤنث الأبدي” والأدنى تحضرا.

 

 

 

ومن اليسير ملاحظة أنّ هذه الصورة موجودة  إلى الآن في جلّ أفلامنا التونسية،  فكما جسّد المستشرقون الموضوعات التي كانت تشغل المخيلة الأوروبية ذات الطابع الغرائبي“مثل قصور الأمراء وأجنحة الحريم” لا تزال هذه الموضوعات حاضرة في أغلب الأفلام  عبر التركيز على اهتمام النساء بأجسادهن في غرفهن الخاصة، وتصوير عقدهم الجنسية وحرمانهم وانكسارتهم فالمرأة الشرقية تصور دائما متذبذبة بين الشفقة والرغبة، فهي مضطهدة ومقهورة أو متهتكة تستلقي عارية في تراخ وكسل.

ونتبيّن هذا في عدة أفلام أخرى كفيلم “الحرير الأحمر” للمخرجة رجاء عماري المُنْضمّةإلي نادي سينما النسوية،فقدّمت هي الأخرى قصة مماثلة ل“صمت القصور”.  في هذا الفيلم قصة فتاة شابة فقدت والدها وتعيش بمفردها مع والدتها وتختلف القصة هنا في بعض التفاصيل.

 

 

 

 

فالأم “ليليا” تحاول حماية ابنتها “سلمى” حماية لشرف العائلة في غياب وجود رجل في المنزل وأثناء بحثها في إحدى الأيام عن عن ابنتها المتمردة تتجه إلى ملهى ليلي فتتعرف هناك على راقصة تصبح صديقتها وتعلّمها الرقص وتعيش البطلة تحوّلا من الشعور بالخوف والملل واليأس إلى التمرد والتحرّر.

 

ويتخلّل هذا الفيلم، الذي بدا مبهما للكثرين وغريبا، مشاهد كثيرة للأم ليليا و هي ترقص بألم كأنّها تثور على المجتمع ثم تنشأ علاقة حب بين عشيق البنت والأم، فتواتر المشاهد ذات النفس الاباحي والتابوهات tabou  ويغرق الفيلم في مواضيع الجنس والعلاقات المحرمة.

 

 

 

كيف صوّر  المخرجون المرأة في السينما ؟

رغم أنّ الأفلام التي تتناول مواضيع المرأة احتكرت لفترة طويلة من قبل المخرجات إلا أن المخرجين أيضا قدّموا  أفلاما ووجدنا فيها حضورا مهـمّا للمرأة، فهل تغيرت صورة المرأة معهم؟

 

من بين هذه الأفلام نجد “عصفور سطح” و“باب العرش” و “عرس الذيب” و” زيزو”، وهي أفلام قدّمت نماذج نسائية مسحوقة بسبب تسلط الرجل على أصعدة مختلفة كالصعيد الأسري والاجتماعي…

غير أنّ هذه النماذج النسائية التي تمثلت في شخصيات متشابهة كـ”المرأة التي تؤمن بالسحر،المرأة المومس أو الزوجة الخاضعة” ظلت أسيرة وجهة نظر ذكورية لم يشفع لها التعاطف الظاهر من المخرجين مع القضايا النسوية فحافظت جلّها على نفس الطابع الفلكوري والإباحي في تصوير في المرأة التي بدت إمّا مهووسة بعالم الجنس أو خانعة ومستكينة للرجل.

 

 

 

 

فرغم جرأة المواضيع وقوّتها فقد بقيت تعاني من اشكالية أساسية وهي تحديد صورة المرأة حسب نوعية مشاكلها مع الرجل فلا وجود للمرأة التي تتحدد شخصيتها وفقا لما تقدمه في استقلال عنه، فكل شخصية أنثوية في الأفلام السابقة الذكر تتشكل حسب طبيعة العلاقة التي تربطها بالرجل وكأنه المعيار الوحيد لتفسير هواجس المرأة وتحديد موقعها في المجتمع.

 

وفي هذا الإطار تقول الممثلة جميلة الشيحي في تصريح لها في موقع تورس “الصورة المقدمة لا علاقة لها بالواقع  حسب رأيي فالصورة التي تقدمها السينما أو الأعمال التلفزية ليست لها أدنى علاقة بالواقع، فهي إما صورة موغلة في الاباحية او الانحطاط الاخلاقي أو التأزم والمأسوية او الخيالية أو غارقة في الرومانسية والمثالية”.

 

فأغلب الأعمال إن لم أقل جلّها  لم تطرح المسألة التي تبرز واقع المرأة التونسية المثقفة المسؤولة والكفاءة المختصة والطالبة المتحدية للصعوبات، تلك المرأة المسكونة بالطموحات والانجاز والتغيير، وكأنّ بعض المخرجين يسعون لارضاء النظرة الغربية للمرأة التونسية.

 

وتضيف جميلة: “أعيب على بعض المخرجين هذا التوظيف لأنهم لم يقدموا المرأة التونسية ،وأنا أطرح سؤالا: المخرج هو عين على المجتمع والأعمال التي يقدمها ستوثق فهل سيسامحهم التاريخ على ماقدموه؟

 

 

 

 

وإلى حد الآن، رغم اجتهاد السينمائيين والسينمائيات من الجيل الجديد بعد الثورة التونسة ك”كوثر بن هنية” و”وليد مطار” للارتقاء بصورة المرأة  في السينما وانتشالها من نمطية الأماكن الحميمية والشخصيات النسائية المستهترة والضائعة، لا تزال هذه السمة ملتصقة بها ومسببة لانزعاج جمهور السينما التونسية. 

 

فإلى أي مدى يمكن اعتبار السينما التونسية سينما مدافعة عن قضايا المرأة؟ وهل تعكس صورة المرأة التونسية وتنصف دورها في المجتمع أم أنها منحازة للرؤى الغربية التي أصبحنا نلاحظ آثارها أيضا في مواضيع أخرى ما انفكت تتواتر كثيرا منذ أعوام، كالمثلية والإرهاب والكبت..

 

فهل من مجال لسينما تخاطبنا وتتحدث عنا خارج كليشهات الشعوب المتخلفة التي تنتظر شفقة الضفة الأخرى من الشعوب؟  

 

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “السينما التونسية والمرأة”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.