اختيار المحررينثقافةغير مصنف

أحلام مستغانمي في جديدها “شهيّا كالفراق”: العزف على “مقام” العشق مجددا

خديجة بن صالح- مجلة ميم

This post has already been read 3 times!

 

 

كان لويس بورخيس ينصح طلابه بأنه عندما لا يعجبهم كتاب لا داعي لأن يقرؤوه فهو لم يكتب لهم لأن القراءة في نظره يجب أن تكون شكلا من أشكال السعادة.

 

ومقولة بورخيس هذه تتسق أيما إتساق مع نصوص الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي التي وقّعت مؤخرا إصدارها الجديد الموسوم ب ” شهيّا كالفراق” وتناقلت بعض وسائل الإعلام تفاصيل حفل التوقيع الذي شهده معرض الشارقة للكتاب وتم الحديث عن طوابير طويلة من القراء ينتظرون توقيع صاحبة “ذاكرة الجسد”. وقد حقق الكتاب مبيعات كبرى وغير مسبوقة لاسيما في ظل سياق عربي من المعروف أن عادة القراءة فيه نخبوية.

 

طوابير تنتظر توقيع أحلام مستغانمي على نسخ كتابها “شهيا كالفراق”

 

ولكن أحلام مستغانمي كسرت هذه القاعدة وتمكنت من اكتساب قاعدة جماهيرية كبرى، وهي من الذين ينطبق عليهم قول بورخيس فهناك قراء يذوبون في نصوصها واخرون لا يجدون أنفسهم بين سطورها.

 

 

 

 

 

وعن كتابها الجديدة قالت الكاتبة الجزائرية الأشهر:

هذا الكتاب لنفسي أولاً، ولعلّها الوصفة المثالية لإنجاز كتاب ناجح. لذا لا بأس أن تأتي بعض أفكاره كيفما اتفق، فعندما نحدّث أنفسنا لا نحتاج إلى الكلام المنمّق. نحن نكتب بروح عارية. الكاتب يتعرّى نيابة عن قرّائه ويرتكب جرائم حبر في حق نفسه، ليبقى شرف القارئ مصوناً”.

 

ولعل أهم ما يمكن قوله عن المدونة السردية لأحلام مستغانمي هي وفاؤها لهذه المقولة منذ أن أصدرت روايتها الأولى “ذاكرة الجسد” التي مرت دونما أثر يذكر عندما صدرت في الجزائر لكن صدورها في طبعة بيروتية عن دار الآداب موقعة بكلمات من الشاعر الكبير نزار قباني جعلها تحقق نجاحا كاسحا وكانت بمثابة فتح ليس لمستغانمي فقط بل للأدب الجزائري عموما.

 

 

فقد أعاد القارىء إكتشاف بلد عربي كان لا يعلم الكثير عنه، فمن خلال هذه الرواية إنكشف واقع المحنة القاسية التي مر بها المجتمع الجزائري في تجربته المريرة مع الإرهاب خلال ما عرف بالعشرية السوداء.

 

وليس هذا فحسب، بل إن “ذاكرة الجسد” كانت بمثابة حياكة وتطريز جميل للحياة الجزائرية بثقافتها وتراثها وفنونها وآدابها ومعمارها وتقاليدها وأمكنتها الضاجة بالحياة.

 

وكان هذا ما صنع متانة النص وجماله وهو الذي جاء “مغسولا بأمطار الشعر”.

 

 

 

 

ومن ذلك النجاح الكبير ولدت الكاتبة أحلام مستغانمي التي سرعان ما ألّفت كتابين هما “فوضى الحواس” و”عابر سرير” كتكملة لنصها الفذ “ذاكرة الجسد” الذي ظن بعض النقاد أن لن تقدر على كتابة رواية تضاهي فرادة باكورة أعمالها وارادت أن تكذّب هذا الإدعاء.  وبذلك كرست إسمها في دائرة الأسماء الروائية الكبيرة في العالم العربي وحازت على عديد الجوائز من بينها جائزة نجيب محفوظ للرواية.

 

ولكن الثلاثية الروائية  الناجحة جعلت هذه الكاتبة تجنح إلى إستثمار شهرتها ومجدها لتتخصص في كتابة العشق ومفرداته، محاولة التوجه إلى شريحة كبرى من القراء والقارئات تحديدا، وباتت مهوسة بالعزف على مقامات الحب.

 

فكتبت نصها الشهير ” نسيان.كوم” الذي وزّع مرفوقا بقرص مضغوط للفنانة اللبنانية جاهدة وهبة يضم أغاني من شعر أحلام.

 

وجاء إصدارها لكتاب “الأسود يليق بك” قبل خمس سنوات ليكرس أحلام مستغانمي كخبيرة في مجال العلاقات العاطفية تقدم نصائحها بشكل موغل في الشاعرية لقرائها وقارئاتها بالتحديد.

 

 

 

 

وها أن صاحبة “فوضى الحواس” تعود من جديد إلى القارىء العربي بنص يعلن عنوانه “شهيّا كالفراق” عن فحواه ويشي بمواصلة الكاتبة للنهج الذي إتخذته لنفسها منذ فترة وحققت بفضله نجاحا كاسحا.

 

في هذا الكتاب مراوحة بين ما هو تخيييلي وما هو واقعي،  فهي تتطرق إلى علاقتها الفعلية بالقراء في زمن الثورة الرقمية خاصة، مع هيمنة عالم السوشيال ميديا، كما تحيك قصة حب مضرجة بالخيبة وبالمرارة كعادتها في مجمل أعمالها.

 

 

 

 

تقدم لنا الكاتبة الجزائرية في هذا النص وجع الكتابة كما تعيشه هي الكاتبة المحترفة التي ولجت هذا العالم منذ أن كان لساعي البريد دور مهم في حياة العشاق إلى اليوم عندما اغتالت التكنولوجيا كل إمكانات الدفء في التواصل الإنساني وقطعا في العلاقات العاطفية.

 

ولم تهمل في نصها الجديد إستحضار كتابها المفضلين وطقوسهم وطرائق تعاطيهم مع فعل الإبداع، وكيف ينجزون كائناتهم الحبرية التي تتحول لتصبح بمثابة أرواح يعانقها القراء.

 

هذا الكتاب هو دستور للفراق كما خطت من قبل دستورا للنسيان، وهي التي تحض النساء على التمرد على الرجال عاطفيا والخروج من عتمة الخيبات العاطفية التي تكسر الأنثى.

 

وتختصر الكاتبة فحوى نصها الجديد بالقول: “نحب الحب لكن الفراق يحبنا أكثر “، معبرة بذلك عن كل أوجاعها ومتعرية أمام القارىء وذلك بأسلوبها الموغل في الشاعرية، عري روحي ونفسي أمام كائنات تجمعها بهم قرابة الحبر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.