اختيار المحررينثقافةغير مصنف

رواية أهل الهوى لهدى بركات: عزلة الإنسان المنذور للجنون والموت

سلسلة الأدب النسائي

 

 

كيف يبدأ الهوى؟ وكيف يحملنا إلى الأقاصى؟ كيف نشفى منه؟ وأي أثار يتركها على ذاكرتنا؟ وكيف يتقاطع الحب مع الحرب؟

 

قد نطرح هذه الأسئلة ونحن نحاور نصا روائيا من أهم النصوص المؤنثة التي خطت بلغة الضاد في العقود الأخيرة.

 

عن رواية أهل الهوى نتحدث وفي عوالم صاحبتها الكاتبة اللبنانية هدى بركات نروم الإبحار.

 

 

ومن البداية ندرك أننا أمام روائية تراوغ فخ اللغة وتتسلى بالسير على ألغامها تتقاطع لديها ماناقضات كثيرة وتعمل جاهدة على كسر الكثير من البديهيات والقواعد الروائية المألوفة المتصلة ببناء الشخصيات وطرائق السرد وفنون القص وكيفية حياكة حبكة الحكاية.

تبدأ مخاتلنا منذ العنوان الذي يجعلنا نسقط ضحايا تمويه تنجح هدى بركات في جعلنا نقع فيه فالرواية لا تحكي عن  ” الهوى ” بالمفهوم الكلاسيكي .بل لعلها وبإيجاز رواية عزلة الإنسان المنذور للجنون والموت.

وهي رواية الأقاصي تأخذنا إلى أبعد مدى من خلال تقاطع حكايتين حكاية الهذيان والجنون لعاشق ذهب عقله وحكاية القتل الأعمى لدواعي طائفية.

وما بين الحب الجنوني الذي يقود إلى القتل  والكراهية العمياء   التي تؤدي إلى التقاتل تحيك هدى بركات نسيج نصها الروائي الذي يرواح بين تناقضات التماهي اللامحدود في الحب و ما بين التنافر اللامتناهي في السياسة .

وتنطلق أحداث الرواية من جريمة قتل وتكون الأحداث بمثابة تداعيات أشبه بهذيان هذا القاتل الذي إنتهى به الأمر إلى الجنون.

وهو يقبع في مصحة للأمراض العصبية والنفسية ويحاول أن يستجمع ما يتيسر له من شظايا ذاكرته ليستعيد  الأحداث المتناثرة ويجعل القارىء أمام حيرة تركيبها  وإعادة ترتيبها لنفهم أن القاتل عاشق حتى النخاع والقتيلة عاشقة تركت أهلها والتحقت به وهي حالة عشقية قصووية جعلت الرغبة القصوى تتحول إلى كره يؤدي إلى القتل.

 

 

 

 

وفي عزلته وهذيانه يكون هذا القاتل هو الراوي الذي جعلته انفعالاته النفسية القصوى التي تحولت من شغف جارف إلى كره في أبعد مداه دون أن نفهم أسبابا منطقية يستوعبها العقلاء لهذا الفعل العنيف.

ولأن هدى بركات شغوفة بتمثل الحرب الأهلية اللبنانية التي خصصت لها حيزا كبيرا من مدونتها السردية فإنها لم تتخل عنها أيضا في رواية أهل الهوى التي جعلت الحرب خلفيتها .

فمن هلوسات نزيل المصحة النفسية تطل ويلات الحرب الأهلية وذكرياتها النازفة في المخيال الجماعي اللبناني .

كما يتقاطع التذكر لأحداث فردية متصلة بالعاشق المجنون إلى الإسترجاع وإحياء وقائع جماعية تتمثل في الحرب الطاحنة التي عاشها لبنان بسبب الكراهية على أساس طائفي.

وهنا نجد أنفسنا أمام نص شائك ومتشابك هو أشبه برواية ذهنية تستغرقنا ولا نجد خطا سرديا سويا يمكن أن نتابع من خلاله تفاصيل حكاية تقليدية.

 

 

وعلى العكس من ذلك تطالعنا تقنيات لا تعتمد على القص فقط بل على مفردات السينما والفن التشكيلي والتقرير الإخباري وهي أساليب وظفتها الكاتبة هدى بركات لخدمة نصها وتطوير أسلوبها الروائي . وهو ما جعله أقرب إلى الرواية التجريبة .

وإذا كانت هذه ملامح التجديد والتجريب تقنيا لدى هدى بركات في رواية أهل الهوى فعلى مستوى المضمون أيضا نجحت هدى بركات في أن تغادر الكثير من تيمات النص المؤنث أو الأدب النسائي كما يتم صوغه في عالمنا العربي.

وتعد الكاتبة هدى بركات من أهم الأقلام النسائية في لبنان والعالم العربي عموما . وهي التي درست الأدب الفرنسي ومارست التدريس والترجمة والصحافة .

ولها عديد الإصدارات في مجال الرواية والقصة القصيرة من أهمها في المجال الروائي حجر الضحك و حارث المياه ثم سيدي وحبيبي وملكوت هذه الأرض .

وفي المجال القصصي كتبت بركات زائرات ورسائل الغريبة.

وقد نالت حظا طيبا في مجال الترجمة فنقلت أعمالها إلى عديد اللغات مثل الانجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية .

كما نالت عديد الجوائز والتتويجات فحصلت على جائزة  نجيب محفوظ للرواية بمصر

ونالت رتبة فارسة في الأدب والفنون من فرنسا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد