مدوناتاختيار المحررينغير مصنف

المذكرات الشخصية عند الفتيات: المساحة الآمنة

 

الكتابة هي ترياق العليل، وهي ترياق الفتيات المراهقات للهرب من البوح ومن ملاحقة الأهل، تكتب الفتيات على جدران المعهد وعلى أبواب التواليتات العامة، تكتب أينما شاء لا يهمّ أين تكتب الفتاة المهمّ أنّها تروي دون خوف حتى ولو كان الكلمات بسيطة، تكتب بقلم أو بأحمر شفاه وأحيانا تمتلك الفتيات دفاتر المذكرات والتي تسمى أيضا دفاتر الذكريات، تخط فيه الفتاة  الأسطر الأولى من روايتها، أي حياتها، فالحياة رواية طويلة تنتهي عندما يموت أبطالها.

 

تفتح الفتاة دفترها الحميمي وكأنّها تفتح نفسها بنفسها لتعيد ترتيبها بشكل جيّد ، تكتب ما يجول بخاطرها وما تهرب منه أمام الجميع، لا أحد سيحاسبها إنّها أمام الورقة التي ستطوى وستخفى عن الأعين المراقبة، البياض هو الفسحة الآمنة للمراهقات، والحبر مشرط يشرّح أعماق الصبايا دون خوف من الآخر وسلطته.

 

تكبر الفتاة فجأة دون أن يدرك أهلها أنّ تلك الصبيّة أصبحت امرأة وترغب في الحديث في الأشياء المتصلة بالكبار، ربّما ستضحك والدتها وستقول ابنتي ابنة الخامسة عشر  مثلا مازالت صغيرة، صغيرة جدّا ولا تعرف شيئا عن عالم الكبار، ولكن يحدث أن يكبر الأطفال عن غفلة الأهل، يكبر أطفالنا ويحملون أطنانا من الهموم ونحن نظن أنّ قطعة حلوى كفيلة بإسعادهم.

 

 

عندما لا تجد الفتاة من يحيط بها ومن يرافقها ويشجعها على المكاشفة دون خوف أو أحكام مسبقة تصبح الورقة الطريقة الأكثر أمنا لها

 

 

يطرق الحبّ أبواب القلب في سنّ المراهقة أو هكذا يتهيأ لنا، نحبّ جارنا الأقرب، أو الشابّ الوسيم في الفصل الدراسي، وربّما فنان مشهور وأحيانا نتعلق بحبّ مستحيل، هكذا تولد المشاعر في المراهقة إنّها بمثابة تدريب أوّل على الحبّ، سنحبّ يوما ما ولكن سنفقد من براءة المراهقة الكثير.

 

تهرع الفتاة إلى دفتر الذكريات أو المذكرات فتكتب عن أشياءها الخاصة عن مشاعرها المختلطة، عن خوفها ووحدتها عن مواضيع كثيرة ربّما لا نستوعبها نحن الكبار، لو فتحنا ذات مرّة دفاتر ذكريات أطفالنا في لحظة فضول أو خوف عليهم من هشاشتهم المفرطة، نقرأ الكلمات ونبحث ما بين الأسطر عن الأفكار التي سكنت عقول أطفالنا، سنكتشف أنّ أطفالنا كبروا وكبرنا نحن أيضا.

 

 

 

 

شكلت دفاتر المذكرات الخاصة الملاذ الآمن للمراهقات، إنهن يفضفضن عن هواجسهن ومشاعرهن بكلّ حرية. عندما لا تجد الفتاة من يحيط بها ومن يرافقها ويشجعها على المكاشفة دون خوف أو أحكام مسبقة تصبح الورقة الطريقة الأكثر أمنا لها لن يسيّج بياض الورقة أيّ حاجز أو عائق ستكتب وستشفى من عناء الخوف والضيق ومن الخجل التي يعتريها كلّما رغبت في التحدث مع أيّ شخص فتلعثمت ثم سكتت عن الكلام خوفا من اللوم أو التقريع.

 

مع التطوّر التكنولوجي عوّضت دفاتر المذكرات بمنصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تلعب نفس أدوار المذكرات.تكتب الفتاة ما تحسّ به بشكل مباشر أو بأسلوب مجازي يجنبها من المضايقات والتعليقات الطائشة، إنّها تحاول من خلال هذه المنصات أن تمارس لعبة المصارحة ولو على سبيل المحاولة الأدبية الأولى ولكن إن توغلنا كثيرا في نصوص الفتيات سنجد أنّهن يكتبن مذكراتهن بشكل ضمني.

 

 

إن توغلنا كثيرا في نصوص الفتيات سنجد أنّهن يكتبن مذكراتهن بشكل ضمني

 

 

أحيانا تصبح المذكرات الطريق الأوّل للإبداع، كثيرات اكتشفن موهبة الكتابة في سنّ المراهقة ليصبحن فيما بعد كاتبات وشاعرات، فكتابة المذكرات بمثابة محاولة استكشافية أولى لمن نحن، إننا نتعرف على أنفسنا من خلال ما نكتب، نحن لا نعرف أنفسنا بشكل جادّ إلا إذا تعرينا في لحظات المكاشفة والمصارحة ولكن تلك المصارحات المدونة بأقلامنا هي الأصدق.

 

ربّما نعود بعد سنوات إلى أنفسنا بعد غربة طويلة من نعود إليها من خلال مذكراتنا لنكتشف كم فقدنا من أنفسنا ولعلنا نحاول في محاولة يائسة أن نستعيد ذواتنا القديمة، إنّ تشجيع الفتاة على الكتابة منذ الطفولة يدربها على معرفة الذات وبناءها بشكل إيجابي، ويجنبها أيضا من السقوط في علاقات صداقة غير متكافئة فتصبح الورقة هي الصديق الأكثر وفاء وهي الملاذ وقت الضيق.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد