مجتمعغير مصنف

اللقمة تدفع جزائريات لبيع ملابسهن على الأرصفة

خديجة بودومة- الجزائر- مجلة ميم

 

 

في حديقة مهجورة، وبعيدا عن أعين الشرطة، تتخذ “خالتي يمينة”، التي تخطت عقدها السابع، زاوية لها لبيع ملابس بالية وأجهزة كهرومنزلية تظهر للوهلة الأولى أنها التقطت من القمامة..  تمارس هذه المهنة منذ سنوات بعد أن رمى بها القدر في أحضان الفقر، وتروي لنا قصتها التي تشبه حكايات  أخريات امتهن البيع على الأرصفة لكسب قوتهن.

 

 

لم نصدق الأثمان البخسة التي تقبضها خالتي يمينة مقابل بيعها ملابس وأدوات مستعملة …فضولنا  دفع مجلة ميم للجلوس بقربها والاستماع ليومياتها وما تجنيه مقابل العمل في هذا السوق التي احتلتها النسوة في منطقة  “باش جراح” بالجزائر العاصمة  منذ سنوات…تقول خالتي يمينة باللهجة الجزائرية “ماخرجنيش الخير يابنتي”.

 

“أنا أم لخمسة أولاد كلهم عاطلون عن العمل و زوجي عاطل عن العمل، فوجدت نفسها بعد سنوات قليلة من زواجي، مجبرة على العمل من أجل إعالة أفراد أسرتي وعملت كمنظفة ومهنا شاقة أخرى إلى أن وجدت هذا المكان الذي أبيع فيه ملابس قديمة وأدوات أجلبها من منزلي أو أبحث في القمامة علي أجد ملابس رمى بها البعض من ميسوري الحال, وإذا لم أجد اضطر لشراء ملابس مستعملة وأعيد بيعها”.

 

تتحدث  خالتي يمينة لمجلة ميم بمرارة عن قصتها مع هذا السوق، فهي و لعدم حيازتها لشهادة مدرسية، لم تجد بديلا عنها لجلب المال و سد رمق أفراد عائلتها، بمن فيهم زوجها. تؤكد يمينة بأن الحياة لم تبتسم لها بعد، و بأن الواقع المرير الذي تعيشه لم يتحسن، فهي لا تزال تعيش داخل بيت مغطى بالقرميد المثقوب والجدران البالية  وتضطر لجلب قوارير الغاز بنفسها في عز الشتاء البارد..

 

أما عن نشاطها في السوق قتقول إنه بات يهيمن على يومياتها، رغم الدراهم المعدودة التي تجنيها من البيع ورغم الصعوبات التي تعترضها.

 

 

 

الشجار يصنع يوميات “دلالة النساء”

ونحن منهمكون بالحديث مع خالتي يمينة لمعرفة خبايا هذا السوق التي تتواجد به قرابة ال60أمراة , بلغ مسامعنا صوت شجار لأحدى بائعات السوق مع إحدى الزبونات, اتضح فيما بعد أن أحدى الزبونات التي اشترت من البائعة فستانا طالبت بإعادة المبلغ المقدر ب50دينار جزائري فثارت ثائرة البائعة التي رفضت رد المبلغ ..

ورغم أن الشجار اللفضي تحمل إلى استعمال الأيادي، إلا أن باقي البائعات لم يحكرن ساكنا , وواصلن بيعهن ,وأخبرتنا خالتي يمينة حين رأت تعجبنا من ذلك أن هذا المشهد بات من يوميات “سوق النساء” اللواتي يخضن معارك يومية ورفعن شعار “سلعتنا لاترد ولا تستبدل “.

 

زبونات من نوع خاص

رغم أن السلع التي تعرض في هذا السوق لاتصلح للاستعمال , إلا أن عديد النساء يقبلن عليه  نظرا لثمنها البخس ,وهو حال امراة اشترت “مكواة” غير صالحة للاستعمال بمبلغ 100دينار جزائري ,فسألناها لم تقتني مكواة غير صالحة وأخبرتنا بأن زوجها مختص قي تصليح المواد الكهرومنزلية القديمة وسيصلحها ولن يكلفها الأمر الكثير, في حين أقدمت سيدة أخرى على شراء حذاء  شتوي رث وبررت شراءها له بعدم امتلاكها النقود الكافية لشراء حذاء جديد، خاصة ونحن مقبلون على فصل الشتاء..

 

 

النقاب والنظارات للاختفاء

رغم الظروف الإجتماعية الصعبة التي تمر بها نساء السوق والزبونات إلا أن تبادل أطراف الحديث وسرد الحكايات لايفارقهن. ونحن نتجول في السوق سمعنا إحدى الزبونات تقول لصديقتها: “هل عرفت تلك البائعة؟ إنها جارتنا أمينة استعانت بالنقاب للتخفي ولكن يمكنني أن أميزها من بين مئات النساء.. هي تضطر لذلك كي لا يفضح أمرها لعائلة زوجها”.. فيما قالت أمراة لبائعة “سألتني عندك فلانة فأخبرتها أنك لم تعودي تتردين على هذا السوق”..

حديث النسوة جعلنا نتطلع لوجوه غالبية البائعات ,ففعلا العديد منهن منقبات وأخريات يستعملن نظارات وقبعات ,فالحياء يمنعهن من كشف هويتهن فيظطرن للعمل  وكسب قوتهن في سرية حتى لاتصبحن حديث نسوة الحي , وحتى لايقال زوجة فلان تبيع ملابسها.

 

 

 

نساء السوق وملاحقات الشرطة

واصلنا جولتنا في هذا السوق وإذا بأصوات تتعالى  “عناصر الشرطة قادمة، أسرعن إنهم يحجزون السلع…”، هذه بعض العبارات التي وقعت عليها مسامعنا حيث باتت نسوة السوق يقضين يومهن في ممارسة لعبة “القط والفأر” مع مصالح الأمن التي تطاردهن تارة وتحجز بضاعتهن تارة أخرى، وهو ما يخيفهن بسبب عدم امتلاكهن لتصاريح استغلال المكان, وما هي إلا دقائق حتى أصبح السوق شبه خال من البائعات والزبائن, بسبب احتلال رجال الشرطة للمكان.

 

 

 

العجين والتنظيف مصير الأخريات

مهما تنوعت الحرف  في أوساط النساء الفقيرات اللائي أجبرتهن الحاجة على العمل، يبقى التنظيف، سواء كان بالمؤسسات أو البيوت، المهنة  الأكثر شعبية في الجزائر، نظرا لبساطتها و كونها عملا يوميا من أعمال أي سيدة، و يمكن لأي إمرأة أن تقوم به، خلافا للحرف و المهن الخاصة. فالفقر المدقع الذي تعاني منه الاف النساء، يدفعهن للبحث عن حل في المتناول، ومن الحلول أيضا اللجوء لتحضير مختلف المعجنات وبيعها للمحلات.

الحديث و إن استمر عن قصص السيدات المكافحات لتوفير لقمة العيش لأسرهن يطول، في ظل توفر مئات إن لم نقل آلاف العينات، في الريف و في المدينة وفي كل شبر من الجزائر، حرائر لم يمددن أيديهن للمجتمع، و لم يستسلمن للظروف المزرية، بل حولنها إلى وقود لشحن محركات إرادة تسكن بداخلهن..

والواقع يروي قصصا تختلف أحيانا و تتقاطع أحيانا أخرى في بعض تفاصيلها، روايات كثيرة ليوميات نساء وجدن أنفسهن مجبرات على لعب دور المعيل في ظل وفاة أو غياب أو عطالة رب الأسرة.

 

مخاوف…

ممارسة المرأة الجزائرية لأعمال شاقة  دليل آخر على تصاعد معدلات الفقر في الجزائر لتضرب صميم الأسر الجزائرية   وسط  تدني مستوى معيشة السكان، حيث حذرت تقارير من انحدار شريحة من السكان تحت عتبة الفقر، قدرتها بـ10 في المائة من السكان، وسط توقعات بانكماش نمو الناتج المحلي الخام حسب الفرد بالجزائر إلى مستوى سلبي في حدود 0.6 في المائة، وهو ما سيساهم في بروز مضاعفات منها ضعف القدرة الشرائية وتدهور مستوى المعيشة للسكان.

 

بات موضوع التفاوت الاقتصادي الهائل  وغياب المساواة الاقتصادية، خاصة تلك المتعلقة بتوزيع الدخل والثروات أضحى يطرح بحدة خلال العقدين الماضيين. وقد عرفت هذه الفوارق اتساعا في مجال توزيع الثروة والدخل، لاسيما خلال العشرية الماضية، موازاة مع تأثر شريحة كبيرة من الطبقة المتوسطة أيضا.

 

ومع الظروف الإقتصادية التي تعيشها الجزائري , تشير تقارير أخرى إلى زيادة عدد الأسر الفقيرة بالجزائر الأمر الذي يدل على التحول نحو النشاط الموازي والفوضى في النشاط التجاري الذي سينعكس لا محالة سلبا على الإقتصاد الجزائري على المدى المتوسط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد