منوعاتاختيار المحررينثقافة

السيّدة نعمة.. صوت من صميم الفن التونسي الأصيل في طي النسيان

 

 

إن الباحث في المدونة الغنائية التونسية قد يعثر في كثير من الدرر الفنية المنسية التي تجاوزتها الإيقاعات السريعة الصاخبة سريعة الانتشار والتلاشي، بينما تركن إنتاجات المبدعين في أسطوانات على رفوف الإذاعة الوطنية رغم كل ما تحمله من جهد وذائقة فنية وقدرات صوتية رهينة للنسيان، يذكرها أصحابها وقلة ممن عاشوا في العصر الذهبي للأغنية التونسية، العصر الذي كانت السيدة نعمة إحدى ركائزه، حتى لقبها الكاتب المصري يوسف إدريس ب”فنانة تونس الأولى”  لما لمسه من طاقة صوتية تستوعب كل المقامات والألوان الموسيقية.

 

نعمة التي جابت العالم العربي ودخل صوتها إلى قلوب المستمعين عبر موجات الإذاعة الوطنية بأكثر من 360 أغنية  ولحن لها كبار الموسيقيين في تونس والوطن العربي، نعمة الطرب التونسي الاصيل و رائحة الفل والياسمين وضحكة “السر والكمون” التونسي، اعتزلت الفن منذ سنوات بعد ان تركت رصيدا هائلا من الأغنيات، أهملت جميعها ولم يبق مها سوى ذكريات.

 

 

حليمة ابنة ازمور..

في يناير 1934 ولدت حليمة، بقرية ازمور، إحدى قرى الشمال الشرقي، وعاشت طفولة متقلبة مع والدتها بين قريتها و تونس العاصمة و تحديدا  نهج الباشا، أين يستقر بيت الرصايصي منبع الفنانين  والنجوم في ذلك الوقت، والذي من خلاله استغرقت حليمة الصغيرة  في عالم الموسيقى والاغنيات، ليسمع صوتها الجمهور لأول مرة في سن الحادية عشر وهي تتحسس خامة صوتها مرددة “صالحة” و”مكحول نظارة” و غيرها من الأغاني الشعبية التي أعادت بعد سنوات إحيائها في ذاكرة المجتمع التونسي.

 

 

عرفت حليمة الزواج والأمومة مبكرا، في سن السادسة عشر، ولم يمنعها ذلك من أن تواصل الغناء في الافراح العائلية ولدى الاقارب والجيران، رغم انها تنحدر من عائلة محافظة، إلا ان ذلك لم يمنعها من أن تلتقي تقف إلى جانب  المطربة القديرة علية و فنانات أخريات في حفلة لفائدة جمعية للمكفوفين.

 

 

وغنت حليمة “حبيبي لعبتو” ولاقت هذه الأغنية استحسانا وقوبلت بترحاب كبير من قبل الجمهور الذي لم يسمع بحليمة.. ذلك الاسم المجهول لكن ليس لوقت طويل.

 

 

“ما من أحدٍ يتذكّرني، أو يتحدث اليوم عما قدمَتْه نعمة للفن التونسي، وللأعمال الخيرية، في حين لا يفوتون الفرصة لتمجيد الفنّانين الأجانب”

نعمة

 

 الراشدية ثم الإذاعة..

انضمت حليمة إلى طالبات معهد الراشدية، و سرعان ما أصبحت من مطربات فرقة المعهد، ولقبها الفنان صالح المهدي ب”نعمة”، كان صوتها نعمة إلاهية، رقيقا دافئا، لذا لحن لها صلالح المهدي مجموعة أغاني تتماشي مع طابع صوتها، من بينها”يا ناس ماكسح قلبو” و”الدنيا هانية” و”الليلة اه ياليل” كما لحن لها الفنان خميس ترنان “ماحلاها كلمة في فمي” و”شرع الحب” و”غني يا عصفور”.

 

مع الفنانة عليّة

 

وكانت الإذاعة التونسية تنقل كل نصف شهر حفلات الفرقة الرشيدية وتقوم بتقديمها مباشرة على الهواء ، لذا دخل صوت نعمة كل البيوت التونسية، أحب الجمهور صوتها وادائها وأصبحت لها جولات فنية في كل ربوع الجمهورية.

 

 

سنة 1958 اعتمدت الإذاعة التونسية نعمة كمطربة رسمية ضمن المجموعة الصوتية التي كانت تضم أشهر الأسماء مثل صليحة وعلية ونادية حسن، وتألقت نعمة، وأصبح حضورها في كل مناسبة امرا ضروريا،  وانتشرت شهرتها الى الجزائر وليبيا والمغرب وفرنسا فأصبحت تقيم العديد من الحفلات في هذه البلدان. وغنت في مهرجان انتخاب ملكة جمال العرب ببيروت سنة 1966.

 

مطربة تونسية بإشعاع عربي

تربعت نعمة على عرش الأغنية التونسية لسنوات، دون ان  تغادر أرضها، نحو المشرق، وتمسكت بالطابع التونسي  رغن ان زمنها شهد صعود عمالقة الغناء والموسيقى في المشرق العربي، وكان لنعمة صداقات متينة مع أغلبهم،  مثل كوكب الشرق ام كلثوم وعبد الحليم حافظ و زلت ملازمة لفيروز عند زيارتها لتونس بطلب شخصي من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

 

 

تروي الفنانة نعمة أنها تلقت عروضا مغرية للاستقرار بمصر او الخليج العربين من نجوم الفن وقتها، مثل عبد الوهاب و سيد مكاوي وعبد المطلب، لكن تعلقها الشديد ببلدها وعائلتها حالا دون مغادرتها لتونس.

 

 

شاركت نعمة في فعاليات فنية عربية في مناسبات عديدة، منها مهرجان ألفية القاهرة سنة 1969،  حيث شاركت ضمن الوفد الفني التونسي في الاحتفال بالمناسبة، وكتب الاديب والشاعر صالح جودت في مجلة “الكواكب المصرية” بانبهار كبير عن  “لؤلؤة الاداء الحي”، التي تميزت بعذوبة الصوت وتعبيرات ثرية في قسمات الوجه.

 

ميراث موسيقي متنوع

غنت المطربة نعمة في كل الأغراض، ولم تكتف بلون واحد، فرصيدها الغنائي يتجاوز360 أغنية بتلحين اشهر الفنانين، من تونس: خميس ترنان ومحمد التريكي وصالح المهدي والشادلي أنور ومحمد رضا وسيد شطا وقدور الصرارفي وعلي شلغم وعبد الحميد ساسي. ومن ليبيا: حسن العريبي وسلام قادري وكاظم نديم. ومن مصر: يوسف شوقي وسيد مكاوي.

 

 

واشتهرت خاصة باداء أغاني التراث التونسي خاصة أغنية “أم القد طويلة ” التي تعد من تراث قريتها ازمور واشتهرت بها نعمة حتى أصبحت تطلب منها في كل حفلاتها.

وقدمت نعمة موشحات وقصائد و قصائد لنزار قباني منها” تلومني الدنيا”، ومجموعة متنوعة من الأغنيات الوطنية والدينية الصالحة لكل المناسبات، وغنت أيضا للأطفال والجهات التونسية.

بعد اعتزالها، عادت نعمة لقريتها أزمور، رفضت عديد العروض للعودة مرة أخرى لعالم الفن، وبررت ذلك بانها تحتاج للراحة بعد عمر أفنته في تطوير الأغنية التونسية والعمل من أجل ترسيخ مكانتها في العالم العربي

 

 

 

لكن الراحة لا تعني النسيان والإهمال الذي يبدو أنه قدر يلاحق المبدعين في تونس والدول العربية، ما إن يخرجوا من دائرة الضوء حتى يبتلعهم المجهول وينسون كأنما لم يكونوا.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد