مدوناتغير مصنف

” ابن أمه”، “بتاع مراته”.. ما الذي تريده النساء من الرجل؟

سامية علام-مجلة ميم

 

 

قبل أيام وأثناء حديث مع أحد الأصدقاء الذين أشهد لهم بقوة الشخصية ورجاحة العقل، أدهشني عندما أخبرني أنه كان يتمنى أن يسم أحد أطفاله باسم معين لولا أنه لم يعجب والدته، وحتى عندما توفيت لم يجرؤ أبدا على فعل ذلك، فمازحته ساخرةً ” يعني أنت ابن أمك” ليرد بكل فخر ” أيوة أنا ابن أمي .. هو عيب؟”  ويقصد هنا الطاعة العمياء لها.

 

 

أعجبني الرد كثيراً وأثار في نفسي هذا السؤال: ما الذي يعيب الرجل أن يكون منحازاَ وباراً مطيعاً لأمه تلك التي أنجبته وربته وأوجدته من العدم ؟ لا شيء بالطبع، لكنها يرتبط في الوقت نفسه بالفكرة المعيبة في مجتمعاتنا الشرقية عن “الرجل ابن أمه” ذلك المصطلح الذي يعني أن الرجل “ضعيف الشخصية ويأتمر بأمر والدته في أي شيء”.

 

 تؤكد الدراسات أن العلاقة بين الحماة –أم الزوج – وزوجة الابن من أكثر العلاقات تأزماً في علاقات المصاهرة وأكثرها تسبباً في حدوث قطيعة داخل العائلات وأحد أبرز أسباب زيادة معدلات الطلاق، في العالم كله وليس الوطن العربي فقط، وإن كانت ثقافتنا وتراثنا يغذي تلك الفكرة الخاطئة، فتقول الأمثال الشعبية “لو كانت الغلة أد التبن كانت الحما تحب مرات الابن”، “على ابنها حنونة وعلى مراته مجنونة”، “الحما حماة وأم الزوج عقربة سامة”.

 

 

ليس من الصواب تخيير الرجل بين زوجته أو أمه فالأولى منحته سر الحياة والثانية منحتها أطفاله ومنحته هو السعادة والسند

                                                                                                                 

 

يبدأ هذا “الصراع الكلاسيكي الأبدي بين الأم وزوجة الابن” على الرجل، عندما تستشعر الأم اهتزاز مكانتها لدى ابنها العزيز مع اتخاذه مسار حياتي منفصل وبعيد إلى حد ما عنها، في الوقت الذي تسعى فيه الزوجة هي الأخرى لاجتثاثه من جذوره وفرض سطوتها على حياته لتطمئن لكونه أصبح ملكية خالصة لها، بينما يقف الرجل فريسة لمساعي التجاذب من الطرفين، وأي محاولة منه للخروج مرفوضة؛ فإن مال للأولى وصف بأنه ” دلدول وابن أمه” –تعبيرات مصرية عامية تعني ضعف الشخصية- وإن رق للثانية قيل ” بتاع مراته” أي عديم الشخصية أمامها.

 

للأمانة، أعترف أن الرجال أكثر قدرة منا على التسامح والنسيان وإن كانوا أكثر تأثراً بالخلافات وكثرة الشكوى، خاصة مع افتعال المشكلات على أشياء أقل من أن توصف بالتافهة، بين طرفين لا يملك خياراً في الخروج من بينهما، أو مناصرة أحدهما على الآخر، أو حتى تحديد هدنة، فبينما تسعى الزوجة لاستشعار دعم زوجها وولائه لها ولأسرتهما الصغيرة، وتحاول الأم استمالته للتأكد من أنها لم تفقد بعد مكانتها في قلبه وتأثيرها المطلق عليه.

 

ابن أمه وصف جائر حقيقةً، ونوعاً من الابتزاز كما وصف “بتاع مراته”، فجميعنا أبناء أمهاتنا، وميل الرجل لأمه ورقته في التعامل معها وطاعتها لا يعكس ضعف شخصية وإنما التربية الحسنة، ولا تتعارض العلاقتان إلا عندما يكون هناك أم أنانية وزوجة غير متفهمة، فالطبيعي بالغريزة أن الأم تسعد لسعادة أبنائها حتى ولو كان ذلك مع امرأة أخرى وهي زوجته، والطبيعي أيضاً أن تطمئن الزوجة عندما يكون زوجها باراً حنوناً على والدته لأن هذا يؤكد رقة طبعه معها أيضاً، وما دون ذلك –رغم شيوعه- هي حالات مرضية يتورط بها الرجل قسراً.

 

 

الزوجة بكل تأكيد تستحق أن تكون لها حياتها المستقلة مع زوجها وحقوقها الكاملة في الخصوصية والاهتمام والرعاية، لكن هل هناك تضارب بين العلاقتين؟

 

 

فكرة أخرى لا تبعد كثيراً عن هذا السياق، السنجل مام أو الأم العزباء تلك التي تعكف على تربية أطفالها بمفردها، لسفر الأب أو وفاته أو لهجره الأسرة، ألا تستحق التقدير بعد أن تهرم بأن يوليها ابنها قدراً كبيراً من الاهتمام والرعاية وأن يشركها في أموره، لما لا يعرف ذلك بأنه انتماء الابن لأمه.

 

بالطبع هناك رجال ضعاف الشخصية، لكن ضعيف الشخصية يكون كذلك مع الجميع ليس الأم فقط، حتى وإن افترضنا جدلاً أن الرجل يقوم بتصرفات تؤسس الخلاف بين الطرفين مثل تمييز إحداهما والمقارنة الدائمة والعلنية بينهما، وإفشاء الأسرار الزوجية، ونقل التعابير المسيئة بينهما، فإن هذا ناتج عن سوء تربية والمسؤول عن ذلك هي الأم.

 

 والزوجة بكل تأكيد تستحق أن تكون لها حياتها المستقلة مع زوجها وحقوقها الكاملة في الخصوصية والاهتمام والرعاية، لكن هل هناك تضارب بين العلاقتين؟ المنطق يجيب بالنفي لكن الواقع حقيقةً مغاير تماماً.. إذاً من أين تأتي الأزمات؟

 

برأيي تحدث الأزمات في حال رغبة إحدى السيدتين في إثارة القلاقل للأخرى والبدء في تخيير الرجل بينهما، وهنا يكون الرجل ضحية لا حول له ولا قوة فلا هو يستطيع تعنيف الأم إن بدأت بالشجار، ولن يجن السعادة إن خالف الثانية.

 

إذا أدركت الزوجة خصوصية العلاقة بين زوجها وأمه وكيف أن جودة هذه العلاقة ستصب في مصلحتها بكل الأحوال وفي نهاية المطاف لما صعبت عليه الأمور وعاملتها بتلك الندية، ولو أدركت الأم أن الجزء الأكبر من سعادة طفلها الكبير أصبحت بين يدي هذا الوافد الجديد إلى العائلة لما أرهقت نفسها في افتعال الخلاف بينهما والتلذذ به.

 

وفي النهاية، دعونا نتفق أن العلاقات داخل إطار الزواج ليست أمراً يسيراً بل تحتاج قدراً كبيراً من الموازنة بين الولاءات ومقاومة التحيزات التي تعمينا عن رؤية الصواب أو التصرف بعدالة ورسم الحدود بيننا وبين كل طرف آخر بمنتهى الدقة، مع التأكيد على أنه ليس من الصواب تخيير الرجل بين زوجته أو أمه فالأولى منحته سر الحياة والثانية منحتها أطفاله ومنحته هو السعادة والسند، بينما قليل من الحكمة والتفاهم بين الاثنتين يمنح الجميع السعادة والسلام.

 

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد